شكل مؤتمر التجمع الاخير قفزة نوعية فقياسا بحياته السياسة القصيرة لاشك ان التجمع قد راكم خبرة سياسية وعملية مكثفة فوق العادة. لقد قام التجمع بعملية سباق مع الزمن ومع حركة الواقع المتجهة نحو أسرلة الوعي السياسي بعد أسرلة الواقع السياسي, وقد بدا لنا في بعض الازمات ان التجمع قام في اللحظات الاخيرة قبل انسداد الافاق . وكنا نقول اثناء تأسيس التجمع ان الزمن سيثبت اذا كنا قد تأخرنا في اقامته واذا ما فات الاوان على مأسسة وبلورة الوعي السياسي القومي, ليس كتيار هامشي ولا كحلقة فكرية ولا كجمعية بل كتيار سياسي مركزي على الساحة القومية والديمقراطية السياسية وقيم العدالة الاجتماعية. لقد اثبت المؤتمر الاخير للتجمع انه لم يفت الاوان واذا كانت الانتخابات الاخيرة قد رسخت وجود التجمع الوطني الديمقراطي على الارض كتيار سياسي جماهيري حتى في اصعب الظروف, فان المؤتمر قد اثبت ان التجمع كحزب قد نضج بما فيه الكفاية لاستيعاب هذا الانجاز حزبيا. والاستيعاب يشمل الاستفادة جماهيريا من الانتخابات كما يشمل تقييم التجربة نقديا, مع الاصرار ان البوصلة هي الحفاظ على هذا التيار. وتطويره وتعميقه والحفاظ على وحدة الحزب كاداة رئيسية في الحفاظ على هذا التيار اذ بات من المؤكد ان الضمان لوجود التيار القومي الديمقراطي, في بلادنا هو تثبيت وتعزيز وجود التجمع الوطني الديمقراطي وهذا يعني انه ليس امام التجمع من خيار سوى التقدم ولا عودة الى الوراء, وليس من خيار للقوميين الديمقراطين والوطنين المتنورين الا الالتفاف حوله. حضرنا في حياتنا السياسية العديد من المؤتمرات الحزبية والاكاديمية وغيرها, وكانت المؤتمرات تتحول عادة الى مناسبة اجتماعية يتجمع فيها الحضور في الاروقة والمداخل اكثر مما يصغون الى الخطب الروتينية والمحاضرات, لكن ما يميز مؤتمر التجمع الثالث هو مشاهد مختلفة بالكامل لقد جلس اربعمائة مندوب من كافة انحاء البلاد طيلة يومين كاملين من الصباح حتى ساعات متأخرة من الليل بحالة تنبه واصغاء تامين لكلمة ونقاش كل مندوب, وكانت مساهمات المندوبين بشكل عام راقية ومسئولة, عندما اتفقت وعندما لم تتفق مع تلخيصات قيادة الحزب وكأن كل مندوب قد احس بثقل المسئولية وجسامه العبء على كاهله بهذه الظروف. لقد انتهت مرحلة تأسيس التجمع مرحلة تنافس التيارات في داخله وتساوي الحساسيات الشخصية مع القضايا العامة, ونشأ تجمعيون حسموا هويتهم السياسية, مازالوا في بداية الطريق ولكن وجهة طريقهم واضحة والخلاف فيما بينهم لايفسد القضية, والجديد خلافا لتقاليد الخلاف في المجتمع العربي, ان الحوار لايعني (الافحام) او احتقار الحقيقة بل يعني التعلم والانفتاح لاكتساب المعرفة اولا والخبرة ثانيا. وكم تنقصنا المعرفة فالتجمع حزب شاب والاهم من ذلك انه يتألف من اعضاء وعضوات في جيل الشباب غالبا. كانت الاحزاب الاخرى في الماضي تتغلب على قضية المعرفة بتلقين نصوص شبه مقدسة جاهزة (يؤمن بها) الحزب ولكن ليس لدى التجمع نص مقدس وجاهز فهو حزب قومي وديمقراطي ولكن النصوص القومية الايديولوجية لا تشكل مرجعية فكرية بالنسبة له والديمقراطية الليبرالية لاتعتمد نصوصا مقدسة, اما الفكر اليساري فالمطلوب انقاذ مايمكن انقاذه منه وتطويره لمتطلبات المرحلة وعلى ضوء تجارب تطبيقية. قد يحل التجمع المشكلة بداية بتجميع نصوص من مشارب مختلفة وتوجيه اعضائه للاستفادة منها دون تقديسها ولكنه لايستطيع ان يكون بديلا لحب المعرفة ولحب الاستطلاع وللدافع الذاتي للتعلم والاستفادة سيكون على التجمع ان ينظم دورات فكرية للشباب ونشيطي الحزب, ولكن هذه الدورات مفيدة اذا تسلحوا اصلا بالقيم الانسانية التي يدافع عنها ويمثلها التجمع, واذا طهروا عقولهم تماما من الفكر الغبي والاراء المسبقة واعتمدوا العقل النقدي اداة رئيسية في المعرفة. العقل النقدي لايؤدي الى قيم انسانية, والقيم الانسانية لاتؤدي الى العقل النقدي فهاتان ملكتان من ملكات النفس البشرية قد تتعايشان سوية وقد لاتتعايشان والمحك الوحيد لتعايشهما هو الممارسة السياسية, والممارسة السياسية التي تفتح اوسع واشمل احتكاك مع الواقع الحياتي هي الممارسة السياسية الحزبية, هذا المجال للتمييز بين الحلول الوسط التي يفرضها العقل وبين الانتهازية السياسية, وهنا المجال للتمييز بين القيم الانسانية التي تضع سعادة الانسان في المركز وبين تحويل القيم الى دين قائم بذاته بغض النظر عن حياة وسعادة البشر. لقد انتقل حزب التجمع الى مرحلة البناء وتوسيع التيار القومي الديمقراطي ونشر افكاره في كل مكان. الاطار الحزبي ليس هدفا بحد ذاته بل هو الوسيلة الارقى ونقطة الانتقال الاثبت للقوميين الديمقراطيين من اجل العمل على الحفاظ على الوعي القومي, ومن اجل الدفاع عن القيم المستنيرة في المجتمع العربي, ومن اجل اقامة المؤسسات الكفيلة بتنظيم المجتمع العربي تنظيما حديثا وديمقراطيا ومن اجل العدالة الاجتماعية الحوار مع القوى الديمقراطية اليهودية على قدم المساواة, ومن اجل تجنيد الراي العام وراء الحل العادل لقضيتنا الفلسطينية ومن اجل عدم التسليم بتفتت الامة العربية, التنظيم الحزبي يضع المهام والاستراتيجيات بالشمولية اللازمة وعلى القيادة المحلية في كل منطقة وفرع ان تجد الوسائل الخلاقة للتطبيق في لجان الطلاب ولجان اولياء الامور والجمعيات والنوادي, وفي المبادرة لاقامة مؤسسات غير قائمة وفي نشر الثقافة السياسية القومية المستنيرة والديمقراطية وفي المبادرات لمكافحة الطائفية وفي المبادرات الشعبية للدفاع عن الارض, فجدلية الحوار الحزبي الرئيسية يجب ان تكون مواجهة نحو الشارع السياسي نحو المجتمع ونحو الناس وليس نحو داخل الحزب فحسب ويكتسب الحوار الداخلي في الحزب معنى اذا كان يتم في ظل العمل والنشاط السياسي في اوساط الجماهير, وعندما يصبح له سياق ومعنى عندها فقط يصبح الحوار خلاقا. لقد اتممنا مرحلة التأسيس التي احتل فيها الحزب ذاته اولوية على جدول اعمال الحزبين, الفرع ينشغل بقضايا الفرع والحزب بقضايا الحزب, ونستطيع القول بعد المؤتمر الثالث ان الحزب موجود ويجب العمل على توسيعه وفولذته وتقويته وزيادة فعالية مؤسساته وتأكيد حضورها عبر الحوار الديمقراطي الذي لابد ان ينتهي الى قرار, وعبر القرار الذي لابد ان ينفذ وعبر الشارع السياسي والمجتمع, مسرح تنفيذ القرار, وعبر الدرس الذي يتم استخلاصه من التنفيذ نجاحه او فشله ومرة اخرى عبر وجود مؤسسات حزبية قادرة على ان تستفيد من الدرس وان تطور الحزب ذاته والعمل الحزبي على ضوء التجربة.