لم اسمع قط رئيسا للجمهورية اللبنانية يخاطب شعبه كما يفعل اميل لحود. لا يكثر من الخطب, ولكن في كل خطاب رسالة واضحة ومباشرة لا لبس فيها ولا مواربة يتلقفها اللبنانيون بشغف.توجه في المرة الاولى الى الناس عند تسلمه مقاليد رئاسة الجمهورية منذ سنة, فتعهد ان يضع نهاية لدولة الطوائف والعشائر والفساد ليبنى مكانها دولة المواطن والقانون والمؤسسات. وصفق له الشعب طويلا وباشر حكمه وقد بلغت شعبيته حدا لم يبلغه اي رئيس للجمهورية في السابق. وبعد مرور سنة على ممارسته الرئاسة صارح اميل لحود الشعب في خطابه الثاني فابدى عدم ارتياحه للنتائج لكنه اكد تصميمه على بلوغ الهدف. لم يجمل الواقع, بل صور الصعوبات على ما هي من دون محاباة او مجاملة. حمل كل طرف المسئولية, سواء أكان في الحكم ام في المعارضة ام خارجهما. دعا الجميع الى المشاركة في معالجة الصعوبات وتقديم التنازلات لصالح القانون والمؤسسات (كوننا في سباق مع الزمن) . حذر اخيرا بأن المشكلات المطروحة ستبقى قائمة الا اذا اقتنع المواطنون بانهم (في مركب واحد, لا نجاة لأحد منهم الا بنجاته) . دعوة مفتوحة الى المعارضين للمشاركة في المسئولية, وتحذير الموالين والمعارضين بأن الزمن لا ينتظر, وبأن خلاص الواحد هو في خلاص الكل. في الموقفين لجأ رئيس الجمهورية الى لغة لم نسمعها من اسلافه, باستثناء خطب بشير الجميل اثر انتخابه لرئاسة الجمهورية التي حال اغتياله دون تسلمه مقاليدها. *** لقد اعتاد الحكام في لبنان ان ينظروا الى المعارضة بمنظاري الارتياب او التجاهل او الاثنين معا, فيعمدون الى اتهامها بالسلبية حينا الى درجة تخويف الناس منها, والاقلال من شأنها أحيانا الى درجة الاستخفاف بها, وكثيرا ما ينتقلون من سياسة التخويف الى سياسة الاستخفاف تبعا للظروف والتقلبات. اما اميل لحود فقد خرج في خطاب السنة الاولى عن المألوف. القى ثلث مسئولية المشاكل والتراكمات القائمة على كاهل الحكم, والثلث الثاني على كاهل المعارضة, والثلث الاخير على كاهل الحرب, وكأنه اراد ان يعدل في انتقاد الاخرين فانتقد نفسه وساوى بين الجميع وساوى الجميع بنفسه فما ظلم. كما اعتاد اللبنانيون ان يروا العديد من رؤسائهم يقدمون انفسهم بصيغة المنقذ الاستثنائي او الزعيم الملهم او الرئيس الذي لا يخطئ, لكن اميل لحود بحكم تربيته البحرية قدم نفسه كقبطان المركب: مستعد ان يقوده ويصل به الى بر الامان على الرغم من الرياح العاتية شرط ان يتعاون معه كل البحارة وكل المسافرين. فاجأ اللبنانيين وغير اللبنانيين بهذا الموقف. عسكري ينادي بالديمقراطية. وقوي يدعو المعارضة الى المشاركة. ومسئول يمارس النقد الذاتي وهو مازال في السنة الاولى من عهده في وقت ينظر الجميع الى السنة الاولى على انها سنة سماح, اما هو فارادها سنة انتاج فلم ترق له النتائج. الى جانب تشدده تجاه نفسه والاخرين, اظهر اميل لحود ادراكا متقدما للحالة اللبنانية, عندما قال: ان (الخيارات الاستراتيجية) هي (نصف الطريق) الى استقرار الدولة اما (النصف الاخر) فيكون في (المشاركة البناءة) . ان ما يسميه رئيس الجمهورية (بالخيارات الاستراتيجية) بات مفهوما ومحسوما يتلخص بتلازم المسارين بين لبنان وسوريا, ودعم المقاومة الوطنية حتى انسحاب الجيش الاسرائيلي من كل الاراضي اللبنانية المحتلة, والمطالبة بحق عودة الفلسطينيين الى ديارهم ورفض التوطين. ولكن الجديد في الامر ان يطلق رئيس الجمهورية مفهوما اخر اسماه (المشاركة البناءة) الذي يشكل في نظره الدعامة الاخرى لاستقرار الدولة والوجه المكمل (للخيارات الاستراتيجية) . بالطبع المفهوم الاستراتيجي مهم, لكن مفهوم المشاركة لا يقل اهمية عنه مادام يمثل النصف المتمم له. وبقدر ما يكون المفهوم الاستراتيجي واضح المضمون بقدر ما يحتاج مفهوم المشاركة الى توضيح وتحديد. واظن ان رئيس الجمهورية يربط مفهوم المشاركة بالعصرنة. فالعالم الاتي, كي لا نقول العولمة الآتية, يفرض قوانين العمل الجماعي والعقل الجماعي والحقوق الجماعية. وتحول لبنان من دولة بدائية الى دولة متقدمة يقضي بان يشارك المواطن في بناء الدولة وان تبني الدولة المواطن, فيتجذر ولاء المواطن لدولته, وتترسخ الحريات في المؤسسات العامة لصالح المواطن. كما ينبع مفهوم المشاركة من الوحدة الوطنية, وهي اللازمة التي لا بديل عنها لمواجهة الاستحقاقات الخارجية, لاسيما تلك التي ستهب علينا في العام 2000 مع احتمال انسحاب الجيش الاسرائيلي من جانب واحد. وتفترض التنمية الاقتصادية والبشرية بدورها قدرا وافيا من المشاركة, فلا تغدو التنمية آلية فوقية لتستفيد منها طبقة محدودة على حساب معظم ابناء الشعب, ولا يتحقق لصالح فئة او منطقة على حساب فئات ومناطق. المشاركة شرط ضروري لتكون التنمية شاملة ومتكاملة ومتوازنة. *** أهمية خطاب السنة الاولى انه ثبت الخيارات الخارجية المتوافق عليها, وفتح الحوار حول المشاركة الداخلية المطلوب التوافق حولها. لقد وعى القبطان مخاطر الرياح الخارجية وهو يعمل على منع تسرب المياه من ثقوب المركب العتيقة والمستجدة.