دلت تجربة الاحزاب التي تكونها الانقلابات العسكرية في الوطن العربي ان الحزب مجرد اداة من ادوات السلطة الجديدة تستعمله لترويج سياساتها ولاظهار شعبيتها في الاحتفالات والمناسبات العامة, اما اتخاذ القرار السياسي فكان شأنا خاصا بمجلس الثورة في المرحلة الاولى ثم اصبح خاصا بقائد الثورة يستشير فيه من يرى ويأخذ فيه برأي من يرى. الذين ادركوا هذه الحقيقة البسيطة واستطاعوا ان يتعايشوا معها طالت اعمارهم السياسية مع السلطة الانقلابية وقائدها المفدى والذين ظنوا انهم رفاق سلاح وكفاح وان القرار شورى بينهم بالتساوى قطعت ورؤسهم السياسية او الجسدية في وقت مبكر. ولعل التجربة الناصرية وصنيعتها الحزب الاشتراكي العربي هي اشهر التجارب الانقلابية في الوطن العربي وأكثرها بريقا, وقد وصف الدكتور مفيد شهاب وزير التعليم العالي حاليا ومسئول قطاع الشباب في الستينيات الاتحاد الاشتراكي بقوله: ان الاتحاد الاشتراكي لم يصنع قرارا واحدا في حياته, كان الامر في يد (الريس) ومن تبقى معه من أعضاء مجلس الثورة. جاء ذلك في معرض التقويم الشامل الذي امر به الرئيس السادات والذي ادى الى اتخاذ نظام المنابر السياسية ثم الى نظام الاحزاب المحدودة. ويبدو ان الفريق عمر احمد البشير يتطلع الى وضع مثل هذا لذلك قال لبعض اهل البيت من قادة المؤتمر الوطني حين احتدم الخلاف بينه وبين الدكتور حسن الترابي انه لن يكون الرجل الثاني في السلطة, وصرح ذات مرة لوسائل الاعلام: ان الحزب يحكم بحكومته لا بأمانته, يعني امانة المؤتمر الوطني التي يسيطر عليها الدكتور الترابي. ولكن الاختلاف كبير بين انقلاب الانقاذ في السودان وانقلاب الضباط الأحرار في مصر, فالرئيس البشير ليس هو عبدالناصر الانقلاب بل لعله اقرب ان يكون محمد نجيب الانقلاب, والجبهة الاسلامية القومية ليست هي جماعة الاخوان المسلمين التي تحالف معها عبدالناصر مرحلة قصيرة من الوقت بل هي اقرب ان تكون تنظيم الضباط الاحرار نفسه بالاضافة الى هيئة التحرير (أول تنظيم شعبي اقامته حركة الضباط الاحرار) التي اصبحت فيما بعد الاتحاد الاشتراكي العربي. وحزب المؤتمر الوطني الحالي هو اخر مراحل تطور الحركة الاسلامية من الاخوان المسلمين الى جبهة الميثاق الاسلامي الى الجبهة الاسلامية القومية الى المؤتمر الوطني, فهو كسب الحركة الاسلامية اكثر منه كسب سلطة الانقاذ الجديدة. ولذلك لا ينبغي للرئيس البشير ان يستغرب انحياز المؤتمر التأسيسي للحزب الذي عقد في بداية اكتوبر الماضي لجناح الترابي فقد ظل الترابي زعيما للحركة الاسلامية بلا منازع منذ ثورة اكتوبر 64 والى اليوم وهذا ما يحول ان يصبح المؤتمر الوطني, او على الاصح الحركة الاسلامية التي هي الدينمو المحرك له, حزبا تابعا للحكومة تفعل به ما تشاء. وقد تغلغل الحزب في كل اجهزة الدولة بحيث يصعب على الرئيس البشير ان يتخلص من كافة عناصره او حتى من تلك التي تدين بالولاء للدكتور الترابي. لقد قبل الرئيس البشير في السنوات الاولى من الانقلاب وحتى حادثة محاولة اغتيال الرئيس حسني مبارك في يونيو 95 بأديس أبابا ان يكون جزءا من مجموعة اتخاذ القرار التي يترأسها الدكتور الترابي, بل ان بعض القرارات الهامة كانت تصنع من وراء ظهره لان الحلقات التنظيمية كانت تتخلل كل مرافق الدولة ولا يدري هو عنها شيئا. وبدأ البشير يتململ من ذلك الوضع بعد ان ظهرت اخطاء بعض تلك القرارات, وبعد ان رفعت اليه عدة مذكرات تشكو من ضعف الشورى والمؤسسية في التنظيم وان القرارات التي ترفع اليه باسم التنظيم هي في الحقيقة قرارات الشيخ الترابي وحده, وبعد ان كسب الى جانبه بعض كبار اعوان الدكتور الترابي الذين ضاقوا بأسلوبه الاستفزازي في التعامل معهم وبتفرده في اتخاذ القرارات التي لا تخلو من مغامرة. ومن هنا بدأ الاحتكاك بين الحكومة والتنظيم الذي بلغ اوجه في المؤتمر التأسيسي للحزب في اكتوبر الماضي. استطاع الترابي ان يكسب الجولة في المؤتمر التأسيسي لانه اعد للامر عدته بالتجوال في كل الولايات والاشراف على مؤتمراتها التنظيمية وبرفعه لشعارات جذابة: تقوية الحكم الاتحادي وانزال السلطة الى الولايات, تحقيق الوفاق الوطني, حاكمية التنظيم على الحكومة, بسط الحريات العامة, حل قضايا الجماهير: وجاء الترابي بعد المؤتمر التأسيسي امينا عاما للحزب يترأس هيئة القيادة (60 عضوا) التي هي اعلى جهاز تنفيذي في الحزب وهي التي تضع السياسات العامة وتجيز حملة المناصب الدستورية في الحكومة والجهاز التشريعي. ورضي البشير ان يكون رئيسا للقطاع السياسي يعمل تحت قيادة الامين العام. وسار الترابي ابعد من ذلك حين حاول تحريك المجلس الوطني (البرلمان) في اتجاه مناهض للجهاز التنفيذي فكون لجنة للوفاق في حين ان هناك لجنة اخرى كونها مجلس الوزراء برئاسة الفريق البشير, وكوّن لجنة للنظر في التعديلات الدستورية مع العلم ان رئيس الجمهورية كوّن لجنة لذات الغرض برئاسة وزير العدل. ورفعت لجنة المجلس الوطني تعديلين هامين للمجلس بقصد اجازتهما, يقضى التعديل الاول باختيار رئيس لمجلس الوزراء من داخل البرلمان ويخضع لمحاسبة البرلمان, والثاني يقول بانتخاب الوالي مباشرة من الناخبين في استفتاء شعبي بدلا من انتخابه من داخل المجلس الاقليمي وبترشيح من رئيس الجمهورية. ورفض الدكتور الترابي ارجاء المداولة حول التعديلين كما طلب رئيس الجمهورية. الغريب ان الترابي وقف ضد هاتين المادتين حين تضمنتهما مسودة الدستور التي تقدمت بها اللجنة القومية برئاسة خلف الله الرشيد في مطلع عام 98, وكرر رفضه للمادتين عند المداولة في المجلس الوطني على مسودة الدستور. ولكن كلا التعديلين يجدان ترحيبا من المعارضة ومن أبناء الاقاليم ومن القوى الديمقراطية عامة. وعبر الرئيس البشير عن غضبه من سلوك الترابي بالتغيب عن اجتماع هيئة القيادة الذي ناقش موضوع التعديلات الدستورية, وقد سبق له ان تغيب عن جلسات اليوم الثاني للمؤتمر التأسيسي مع انه كان رئيسا لتلك الجلسات بعد ان احس ان المؤتمر يقف بجانب الدكتور الترابي. تدل المؤشرات السابقة على ان المؤتمر الوطني برئاسة الترابي لن يكون حزبا تابعا للحكومة وأداة طيعة في يد الرئيس البشير, ولكن هل يعني هذا ان الحكومة ستكون تابعة للحزب تأتمر بأمره؟ ليس هناك ادنى فرصة ان يحدث ذلك, فالاحزاب السودانية في احسن حالاتها وتحت الاوضاع الديمقراطية ما كانت تستطيع ان تهيمن على الحكومات التي تحكم باسمها. وعندما اتفقت قيادة الحركة الاسلامية مع قادة الانقلابات في بداية حكم الانقاذ ضعفت مؤسسات الحركة وذهبت الشورى ادراج الرياح بل تم حل مجلس شورى الحركة لبضع سنوات, وكما قال احد القياديين بالحركة ان الحركة الاسلامية هي اول ضحايا الانقاذ! لن يستطيع المؤتمر الوطني وهو تنظيم هلامي فضفاض يعيش على التغذية المستمرة من ثدى الحكومة ان يسيطر على الحكومة خاصة في ظل علاقة متوترة بين قيادة الحكومة وقيادة الحزب. ومن ناحية اخرى فان معظم العناصر القيادية تقف بجانب الرئيس البشير ولن يجد الترابي بدائل لها الا اذا استعان بعناصر من الاحزاب الاخرى مثل حزب الامة والاتحادي الديمقراطي والاحزاب الجنوبية, ولعل هذا يفسر حماسة الدكتور الترابي للوفاق والمصالحة. ويستطيع الرئيس البشير ان يستعمل اغراء السلطة في جذب العناصر المفيدة له في الصراع مع الدكتور الترابي. وان عجز الترابي من السيطرة على الحكومة او التأثير عليها الا انه يستطيع ان يعكر مزاجها ويفسد عليها بهجة السلطة ويؤلب عليها الرأي العام وهذا ما يقوم به الان بجدارة واقتدار!. وماذا يستطيع الرئيس البشير ان يفعل ازاء هذه المناورات الماكرة؟ يستطيع ان يرد الصاع صاعين, وهو ان يتبع مناورات اكثر مكرا. لو تجنبنا الرد العسكري الذي لا يخلو من مخاطر جمة فان الرد السياسي يعني ان يكون الرئيس البشير لنفسه قاعدة سياسية خاصة به داخل وخارج المؤتمر الوطني ولا يعتمد فقط على العناصر العسكرية والتنفيذية المحيطة به وهي لا تملك قواعد سياسية خاصة بها وان تمتعت بمقدرات ادارية وخلقية طيبة. وبناء القاعدة السياسية يحتاج الى الخروج من البزة العسكرية التي يلتصق بها حاليا, ويتخذ مبادرات سياسية تضم اليه جماهير اخرى خارج دائرة المؤتمر الوطني, ويضع لنفسه برنامجا سياسيا يتجاوب مع تطلعات الجماهير ويسعى بقوة وحزم لحل بعض القضايا المستعصية كقضية السلام في الجنوب وتخفيف ضائقة المعيشة وتحسين خدمات التعليم والصحة الخ... وقد يكون لقاء الرئيس البشير بالصادق المهدي يوم الخميس الماضي في جيبوتي هو احدى المبادرات الجيدة المطلوبة ولكن الى اي حد يستطيع المسير في هذا الاتجاه؟ هذا ما ستجيب عليه الأيام المقبلة!.