يلاحظ المرء خلال الفترة الاخيرة ان التفاعل الايجابي بين الشماليين والجنوبيين اصبح ضعيفاً, وقد بدأ يرتفع (حائط برلين) بينهما وهو الذي شيدته ممارسات السنوات الاخيرة, فقد كان من العادي ان يكون الحضور الجنوبي في النشاطات التي يقيمها شماليون, ظاهراً ومؤثراً في سير النقاش او المشاركة أياً كان نوعها . ولكن في الفترة الاخيرة لم يعد اغلب الجنوبيين يهتم بأنشطة الشماليين, وحتى من يحضرون فإن هدفهم يكون دحض آراء الشماليين المتعلقة بقضية الجنوب. وهذه الظاهرة تبدو اكثر وضوحاً في المنافي الجديدة التي يعيش فيها الجنوبيون والشماليون. هذه الملاحظة ليست عابرة او سطحية, فقد رافق هذا الشعور المستجد موقف سياسي يؤكد ان القضية السودانية لم تعد قومية, بل هناك قضيتان تلتقيان في ضرورة اسقاط نظام الجبهة الاسلامية, وما عدا ذلك فالاختلاف عميق لا تردمه مواثيق اسمرا ولا لقاءات نيروبي او شقدوم, وهنا نطرح سؤالاً اولياً كان يجب ان يناقش منذ زمن ولكن مع تحرك المبادرات ومحاولات حل الازمة السودانية, يصبح السؤال ملحاً لماذا استمرت الحركة الشعبية لتحرير السودان وزعيمها قرنق في مفاوضة الحكومة ضمن الايجاد منفردة ولم تقترح وتصر على تمثيل شركائها من التجمع في جهود الايجاد؟ والاهم من ذلك كيف وافقت بقية فصائل التجمع الوطني الديمقراطي على استمرار الحركة في المفاوضات دون ان تشركها؟ غالباً ما يحاول التجمع عقب كل اجتماع او عند ظهور عقبات ان يبرر المسألة بالقول ان للحركة والجنوب خصوصية لذلك يمكن ان يسمح للحركة بعد موافقة التجمع, ان تفاوض منفردة, شرط ان تضع كل مقررات اسمرا في اعتبارها عند التعامل مع الحكومة, ولكنني اشك كثيراً في ان الحركة تشاور بقية فصائل التجمع حول أجندتها مسبقاً, وان كان من المحتمل ان تبلغه بما حدث بعد الاجتماعات. هذه الوضعية شاذة وغربية وليست شكلية فقط, لان انفراد الحركة بالتفاوض يكسر مبدأ التجمع القائل برفض اي تفاوض مع النظام لكي لا يعطيه ذلك شرعية واعترافاً. والمزعج في هذه الوضعية هو ان الحركة او قرنق يظهر وكأنه يفاوض شماليين بعضهم معارضة والبعض الآخر حكومة, وقد يكون هذا هو الشعور ضمنياً بين افراد الحركة خاصة وقد جربوا بعض حلفائهم في التجمع عندما كانوا في السلطة, وكيف تصرفوا تجاه مشكلة الجنوب, اذ بعد سقوط نظام النميري اضاعت الاحزاب الحل النهائي. تحفظ الجنوبيون على المبادرة الليبية ـ المصرية مفهوم حسب منطقهم, لان الايجاد موجودة منذ سنوات ولم يحرك الآخرون ساكناً, ولم يقل التجمع انها ناقصة الا الآن وللانصاف فقد كان الصادق المهدي يطالب بتوسيع الايجاد من حيث الموضوعات والعضوية, ولكنه في الوقت نفسه لم يعترض على حضور الحركة منفردة للمفاوضات, مما كرس حقها في التفاوض المنفرد, واخشى ان يضيف الصراع حول ضم مبادرات جديدة للأزمة بعداً خطيراً يتمثل في استقطاب عربي مقابل آخر افريقي والحديث عن ايجاد افريقية يضيق مجال توسيع القضايا القومية, باعتبار ان الدول الافريقية قد تعتبر مشكلة الحرب الاهلية عاجلة, اما الديمقراطية فيمكن ان يؤجل بحثها. واتمنى الا تكون المبادرات اضافة جديدة لانشقاقات وخلافات موجودة اصلاً والا تنعكس على علاقات الشماليين والجنوبيين بدعوى ان العرب يساندون اشقاءهم. اما اخطر ما يؤكد الانفصال النفسي هو ما تكتبه بعض الشخصيات الجنوبية التي عرفت بايمانها بالوحدة مثل بونا ملوال, فهم يرون ان الانفصال اصبح امراً واقعاً, ويجب الا نتهرب من هذه الحقيقة, ويدعو بونا ملوال الى الوحدة بين الجنوبيين مقابل بقية السودانيين بما فيهم المعارضون, ففي العدد الاخير من نشرته الشهرية Sudan Democratic Gazette يدعو الى اجماع جنوبي صارت الحاجة اليه ملحة اكثر من اي وقت مضى, ويطلب من الحركة الشعبية الدعوة الى مؤتمر شامل يضم كل القوى الجنوبية حتى تلك المنشقة عن الحركة او يعارضونها, والقصد من هذا المؤتمر ان يعطي الحركة تفويضاً بالدفاع عن مبدأ تقرير المصير حتى لا تتراجع عنه الاحزاب الشمالية تحت الضغط او الاغراء الذي قد تمارسه بعض الدول العربية من خلال مبادرات جديدة. في الختام لا بد من القول بأن القوى السياسية السودانية مطالبة بوقف تدهور العلاقات بين الشماليين والجنوبيين على مستويات اخرى, عبر اجتماعات ولقاءات القيادات السياسية, ولا بد من تكثيف التفاعل والنقاش والحوار مباشرة بين المواطنين العاديين من الشماليين والجنوبيين.