امتدت قضية (حماس) في الأردن على مساحة زمنية طويلة قبل ان تصل إلى حل ما, كان الهدف السياسي من وراء ذلك رفع الحرج الذي أوقعت به الحكومة الأردنية نفسها فيه, وقد بدأت الحكاية قبل شهرين ونصف بغارة على مكاتب (حماس) في عمان, واعتقال بعض العاملين في المكتب, وتوجيه تهديد لقيادات حماس الذين كانوا حينها في زيارة لإيران, بأنهم ان عادوا فسوف يودعون السجن, و لما تحدى قادة حماس ذلك التهديد وعادوا إلى عمان, وضع خالد مشعل وابراهيم غوشة في السجن, أما أبو مرزوق فقد غادر إلى دمشق كمحطة أولى. ولست هنا بصدد الخوض في عدالة ما عومل به قادة حماس أو الدفاع عنهم, فهذه القضية تصدى لها قادة الاخوان المسلمين في عمان, وبعض رموز المعارضة الأردنية, وبدون جدوى, وبعد انتظار دام شهرين ونصف, تم الافراج عن أكثر من عشرين شخصا, ونفي أربعة من قادة حماس إلى دولة قطر التي قبلت استضافتهم. والواقع ان الحكومة الأردنية وفي تصريحات مختلفة لرئيسها عبدالرؤوف الروابدة, ووزير اعلامها أيمن المجالي, لم تخف رغبتها في التخلص من حرج عودة قادة حماس إلى الأردن, وذلك لأن عودتهم تخلق اشكاليات جديدة. والمشكلة الأولى هي تلك المقارنة بين ما فعله المغفور له الملك حسين عندما دافع عن حياة خالد مشعل, واصر على ان تقدم حكومة نتانياهو آنذاك المصل المضاد للسم الذي دسه بعض عناصر الموساد في رقبته, وقد حصل هذا فعلا. أما الصورة الآن فهي معكوسة, إذ ان الحكومة الحالية قامت بسجن مشعل, ومن ثم اخراجه من المملكة الأردنية الهاشمية, بينما كان ثمن الاعتداء الاسرائيلي على مشعل نفسه هو انقاذ حياته واطلاق سراح الشيخ أحمد ياسين من السجن الطويل في اسرائيل. وأما الحرج الثاني فهو ان خالد مشعل مواطن أردني يحمل الجنسية الأردنية, وقد هدد رئيس الوزراء عبدالرؤوف الروابدة بسحب الجنسية من قادة حماس عقابا لهم على ما اقترفوه, ولكن والحمد لله اكتفى بطرد مشعل وغوشة ورفيقيهما خارج وطنهم, وبهذا تكون الحكومة الأردنية قد خالفت أحكام حقوق الانسان وهددت أهم حق يتمتع به مواطن أي دولة, وهو عدم طرده من بلده إلا بمحاكمة, هذا ان اجازت حقوق الانسان اخراجه من بلده بأي نص قانوني أو عرفي. وأما الحرج الثالث فكان الفشل في اعداد لائحة اتهام يمكن ان تصمد أمام القضاء مع الموضوعية في تناول هذا الموضوع فإن فشل المدعي العام الأردني في اعداد لائحة اتهام مقنعة لا يعني ان أعضاء حماس بريئون, أو مذنبون, ولكن هذا الفشل كان محرجا للحكومة الأردنية خاصة وان قادة حماس ثابروا على تصميمهم في العودة للأردن, وعلى مواجهة الحكومة في ميزان القضاء والعدل. ومع ان الخلاف حول تقويم ما جرى قد يستمر طويلا, إلا أن الحقيقة المفجعة التي فجرتها هذه القضية هي المخاوف التي أكدتها لدى كثير من المواطنين الأردنيين بأن الجنسية التي يحملونها ليست حقا, بل امتيازا ممنوحا لهم من قبل لجان الجنسية المختلفة, أو القوانين المرعية أو بقرارات استثنائية أحيانا, ان المواطن الأردني الشاب الذي لا يعلم له وطنا غير الأردن ليفجع حين يعلم ان مكان ولادة أبيه يحدد حقوقه, ويوضح مدى التطاول الذي قد تصل إليه الجهات الرسمية في انكار تلك الحقوق واهمالها, وهو يتساءل عن (المجتمع المدني) الذي يسعى إليه الأردن ويطمح إلى بنائه. ان مصلحة الحكم في عدالته, وأساس السياسة هو المصلحة, وليس من مصلحة الحكم في الأردن ان يحجل على قدم واحدة, حتى ولو كانت اليمنى, والظروف المقبلة ستحكم على النجاح بمقياس العدالة في بلد شهم ومضياف ورحيم, كان أما وأبا لكل أبنائه, وكان كذلك في قضية خالد مشعل حين تعرضت حياته للخطر, وتم الدفاع عن حقوقه كمواطن أردني مستحق لتلك الحماية, لقد نجح أعضاء حركة (حماس) في التمسك بالقانون وحقوق الانسان والشفافية, وفشلت الحكومة الأردنية في ذلك وأمام الرأي العام في الداخل والخارج. إذا كان الكبرياء لا يسمح باعادة مشعل وصحبه إلى بلدهم فإن المطلوب من الحكومة اقناع الأردنيين بأن ظروفا استثنائية سياسية, اقليمية أو دولية هي المسئولة عن قرارها نحو حماس, وان مسيرة الأردن في الحفاظ على حقوق أبنائه الأساسية بغض النظر عن المنابت والأصول, ستبقى مرعية ومصونة, وأنها سوف تبنى وتعزز وما قول رئيس الوزراء الروابدة ان خروج قادة حماس قد تم بناء على رغبة قادة الاخوان المسلمين بشاف للغليل ان الوحيدين الذين يؤخذ رأيهم في الخروج من عدمه هم المبعدون أنفسهم.