لم افاجأ بسقوط المرسوم الاميري حول حقوق المرأة الكويتية في عالم السياسة, تحت ذريعة معارضة اصدار مراسيم تجهض دور مجلس الامة الكويتي, والسعي لاستبدال المرسوم بقانون يفصله المجلس وفق آلياته وضوابطه.وقد كنا نتوقع النتيجة ليس لان الحكومة لم تبذل جهدا خارقا كما يتصور البعض, وليس لان المزاج الكويتي تأثر كثيرا بالندوات واللقاءات المتعددة والتي حاولت التأثير على الرأي العام لخلق جو معارض ومقاوم لحقوق المرأة, وانما لان هناك الخلل الكبير في التجربة البرلمانية الكويتية. جاء دستور الكويت في عام 1963 مكونا من حصيلة عالية من المبادىء التي يرتكز عليها العمل السياسي في الكويت, فاتحا فصلا جديدا في حياة الكويت بعد ان اكتملت البنية السياسية للدولة المستقلة. وفي بداية العمل السياسي الكويتي انضمت شخصيات كويتية لها مكانتها السياسية والاجتماعية والفكرية إلى لائحة النواب في المجلس الذي دشنه سمو الامير الراحل الشيخ عبدالله السالم, واضفى عليه الكثير من صفاته الشخصية في الموضوعية والجدية ونبذ الجدل العقيم وفي ترسيخ مفاهيم الدفاع عن الدولة الكويتية الحديثة. منذ 1963 إلى ,1999 مرت مياه عاصفة تحت جسر الكويت, افظعها الغزو العراقي الذي ادخل الكويت في تحولات جذرية غير مسبوقة ازالت الكثير من التحرجات السياسية والاجتماعية السابقة, واتت بعناصر مستجدة على الساحة السياسية الكويتية مستفيدة من الجروح الغائرة التي اضعفت البنية القائدة في السياسة الكويتية. واذا كان نواب الامس يراعون الروح قبل الاحتكام إلى النص, ويعتبرون التمسك باخلاقيات الحوار كمرجعية اساسية, فان الحال اليوم تختلف كثيرا, فلم يعد هناك قيود على التعبيرات والمفردات, ولم تعد هناك الكوابح المعنوية والقيمية التي صارت جزءا من تراث الماضي, وحلت مكانها المواجهة ونزعات التحدي والصراخ والاعتراضات والمداخلات العنيفة التي ولدت مناخا منفرا فيه الكثير من الفوضى السياسية. وبالطبع فان مثل هذه الاجواء ومثل هذه المواقف المشحونة بالحدة بعيدة كل البعد, وبمسافات لا يمكن عبورها, عن الروح التي ارادها مؤسسو الحياة البرلمانية الكويتية. كانت روح الامس هي البحث عن التوافق في اطار تفاهم واحترام متبادل, يسعى إلى المصلحة العليا, وصارت اجواء اليوم توجهات سياسية وحزبية بالوان مختلفة, تحتكم إلى النصوص, ولا تعبأ بروح التوافق, تلجأ إلى سلاح الارباك مستخدمة تفسيرات غير موضوعية للائحة الاجراءات, وتمارس اساليب المقاطعة والغياب, والخروج والانسحاب من اجل افشال البنود التي لا تحبذها. وسط هذا الجو المملوء بالفوضى والارباك, جاءت مراسيم الرغبة الاميرية حول الحقوق السياسية للمرأة الكويتية, وكما كنا نتوقع, اصطدمت بحقائق التحالفات بين الكتل, وفشلت لان مصيرها وقع في يد المناورات السياسية بصرف النظر عن الجدوى العقلانية والسياسية للمشروع. ولا اعرف كيف تستطيع الحكومة الكويتية ان تنجح في تمرير اي مشروع مهما صغر حجمه, دون ان تملك الاغلبية البرلمانية المطلوبة لتمرير هذا المشروع. مشكلة الواقع السياسي الكويتي ان الحكومة لا تملك التفويض البرلماني في ممارسة حق التشريع, ولا تملك الاطمئنان البرلماني لممارسة حق التنفيذ دون تدخلات تعيق عملها, ولهذا تلجأ الحكومة إلى التعامل مع النواب بأسلوب الباحث عن حلول توفيقية, بدلا من الالتزام بقناعاتها. في جميع الدول الديمقراطية تشكل الحكومة من تجمع يملك اغلبية في البرلمان, وذلك ليتمكن هذا التجمع من ممارسة حقه في التشريع وحقه في التنفيذ, والحكومة التي لا تملك اغلبية تسقط مهما تبنت من اساليب المناورة, واذا لم تسقط, تظل رهينة رغبات البرلمان وتستمر ضعيفة غير مؤثرة وغير قادرة على ممارسة حق التشريع. يتولى حزب العمال في بريطانيا حقوق التشريع والتنفيذ لانه يرتكز على اغلبية برلمانية تؤهله لان يقود بريطانيا وفق فلسفاته وقناعاته, وفي الهند تعتمد الحكومة على ائتلاف يتكون من ثلاثين تجمع يسهل عملها في التشريع والتنفيذ, ويسقطها عن الاختلاف. لا اعرف كيف ستكون الحالة الكويتية اذا ما استمر الوضع كما نشهده, الان من تعارض حاد بين فلسفات وتوجهات الحكومة وبين اجتهادات النواب. حقوق المرأة الكويتية وليد حكمة التاريخ ومنطق التطور, جاءت اخفاقاتها بسبب ضعف جوهري في دستور الكويت, الذي لا يوفر اغلبية لحكومة تريد ان تسن القوانين وتبدل اللوائح وتدخل في فصول الخصخصة والعولمة, وتنسجم مع الالتزامات الدولية المفروضة على الكويت بسبب عضويتها في المنظمات الدولية, ومنها منظمة التجارة العالمية. كيف ستتعامل الدولة الكويتية مع حقوق الملكية الفكرية التي يدخل الالتزام بها مع العام الجديد, وذلك تنفيذا لاتفاقية الجات الموقعة في ,1994 وكيف ستتعامل الكويت مع قوانين الاستثمار الاجنبي وحقوق الغير في الدخول إلى اسواق الكويت بما في ذلك البنوك والاتصالات والنظام المالي واسقاط الدعم والتعرفة امام الصناعات الاجنبية؟ في الاسبوع الماضي, جلسنا مع عبدالوهاب الوزان وزير التجارة والصناعة في الكويت نتحدث عن مؤتمر التجارة العالمية في مدينة سياتل الامريكية الذي سيعقد هذا الاسبوع, واهمية التحضير للمشاركة الكويتية لاطلاع المؤتمر على الخطوات التي اتخذتها الكويت تنفيذا للاتفاقيات الموقعة مع منظمة التجارة العالمية. ومع الحماس الذي استولى على مداولاتنا, لابد من الاعتراف بصعوبة العمل السياسي الكويتي, في ضوء عدم توفر الاغلبية البرلمانية المطلوبة لدعم توجهات الحكومة. اتوقع أن يأتي الوقت الذي سيدعو فيه المجتمع الكويتي إلى دراسة الدستور الكويتي واعادة النظر لتصويب بعض بنوده وادخال مواد اخرى اثبتت التجربة التي امتدت اكثر من ثلاثين سنة الحاجة الضرورية اليها, من اجل تفعيل العمل السياسي على اسس ديمقراطية سليمة تمكن الحكومة من التشريع والتنفيذ.