أدمنت الشرعية الدولية النظر إلى العالم العربى بأعين فرانكشتين وأنياب دراكولا, فلا قرار تصدره الأمم المتحدة يتضمن اعدام بلد عربى, أو استئصال عاصمة عربية, أو اضطهاد شعب عربى إلا وتحركت (ميدوزا) الشرعية الدولية, برأسها الذى يغطيه شعر من الأفاعى حسب الأسطورة اليونانية, وهى تمنح صفة القداسة لقرارات مجلس الأمن وتأكل فى طريقها الخارجين على القانون الدولى . وإذا كـانت الـقـرارات الصـادرة عـن الـمـجلـس نفسه تمنح الحياة لأرض عربية وتعيد الحقوق لشعب عربى يعانى من الاحتلال الاستيطانى الغاشم فإن هذه (الميدوزا الوحشية) تصبح خارج نطاق الخدمة وتنكسر أنياب (دراكولا القانون الدولى) , فيما يفقد فرانكشتين عبقريته فى إحلال السلام العالمى. هذا المشهد الأسطورى صار ظاهرة شائعة فى علاقة الأزمات العربية بالقرارات الصادرة عن مجلس الأمن الدولى, حتى تـلك الـقـرارات التى تنص صراحة ودون لبس أو غموض وبعبارات حاسـمـة عـلى اسـتعادة الأراضى الـعـربـية, وانـسحـاب الـجـيـوش المحتلة, وتدمير الاستعمار الاستيطانى فى الأراضى التى احتلتها اسرائيل بعد حرب يونيو عام 1967. ومع انطلاقة مـفاوضات الوضـع النهـائي عـلى الـمسار الفـلسطينى, وارهاصات العودة إلى مائدة التفاوض على المسارين السورى واللبنانى, وإصرار الولايات المتحدة على تفعيل المـفاوضـات الاقـليـمية متـعددة الأطـراف, اندلعت مجددا معارك القرارات الدولية الصادرة بشأن القضية العربية فى الأمم المتحدة منذ عام ,1947 ورغم الاجماع الدولى الذى صدرت من خلاله هذه القرارات عن مجلس الأمن سمح قادة الدولة العبرية لأنفسهم اعادة تفسير تلك القرارات على مزاجهم الخاص وتحديد ما يجوز ولا يجوز تطبيقه من قواعد الشرعية الدولية. حزمة هائلة من القرارات الدولية صدرت بشأن الصراع العربى الإسرائيلى, على رأسها القراران الشهيران 242 و338 الصادران عقب حرب يونيو عام 1967 واللذان ينصان صراحة على انسحاب اسرائيل التى احتلتها خلال حرب الأيام الستة, وعودة الحدود فى الشرق الأوسط إلى الأوضاع التى كانت عليها يوم الرابع من يونيو قبل وقوع تلك النكسة الكبرى فى التاريخ العربى المعاصر. وإلى جانب هذين القرارين الشهيرين أصدرت الأمم المتحدة مجموعة أخرى من القرارات التى تمثل الشرعية الدولية كلها تنحاز الى الحق العربى وتفرض سقـفا محددا للمواقف التى ينبغى على اسرائيل اتخاذها للوصول إلى تسوية سلمية للصراع العربى الاسرائيلى واحلال السلام الشامل والعادل فى الشرق الأوسط. فقد افترضت الأمم المتحدة فى القرارين السابقين أنه لا يمكن التوصل الى تسوية سلمية بدون استعادة الأطراف العربية لأراضيها المغتصبة, كما افترضت الأمم المتحدة أيضا أنه لا يمكن احلال السلام العادل بدون عودة جميع اللاجئين الذين تم تشريدهم عن ديارهم خلال حرب 1948 وجـميع الـنازحـين الذيـن أحبرهم العدوان الاسرائيلى على هجر أراضـيهم خـاصـة بعد عـدوان 1967 وسـلـسلة المذابح الاسرائيلية فى الأراضى الفلسطينية المحتلة, ولذلك كان صدور القرار الدولى رقم 194 الخاص بحق العودة للاجئين غير قابل للمساس أو التعديل, وجامعا مانعا فى التأكيد على أنه لا سلام بدون عودة هؤلاء اللاجئين. ولم تكن القرارات 242 و338 و194 هى الوحيدة على اجندة الصراع, لسبب واحد بسيط هو أن الصراع لم يتوقف على الاطلاق عند نقطة معينة رغم صدور تلك القرارات الدولية, فما لبثت اسرائيل أن اجتاحت لبنان لاستكمال سلسلة العدوان المتواصلة وقد أصدر مجلس الأمن الدولى بعد هذا العدوان 1982 قرارا عاجلا رقم 425 يؤكد على حتمية الانسحاب الاسرائيلى دون قيد أو شرط, وصدر فى أعقاب ذلك مجموعة من القرارات على رأسها القرار رقم 426 الذى يتضمن اضافات هامة فى فـرض هـذا الانسحاب على القوات الاسرائيلية ويلزم اسرائيل بعدم تكرار هذا الاجتياح, بل ويفتح الباب إلى إمكانية طلب تعويضات دولية على ما تكبده لبنان من خسائر خلال هذا العدوان الجائر على أراضـيه وعـلى استمرار اسرائيل فى احتلال قراه الجنوبية كل تلك السنوات. وبينما انطلقت مسيرة السلام فى مدريد عام 1991 على مرجعية تلك القرارات الدولية الحاسمة, كان هذا المؤتمر هو الفرصة الأولى للقيادة الاسرائيلية فى تقديم تفسيراتها الخاصة للقرارات الدولية, فطوال سنوات الصراع لم تكن الدولة العبرية تعترف بهذه القرارات من الأساس, وتحت الضغوط التى مارستها الولايات المتحدة الأمريكية لعقد مؤتمر السلام لاستيعاب حالة الاحتقان العربية بعد حرب تحرير الكويت, انتقلت تل أبيب من موقع الرفض الكامل إلى موقع اعادة تفسير تلك القرارات بصورة تفرض الحل السلمى على طريقتها الخاصة. ورغم أن القرار الوحيد الذى اعترفت به اسرائيل هو قرار تقسيم فلسطين الصادر عن الأمم المتحدة عام ,1947 قاومت الدولة العبرية المحاولات العربية التى استهدفت احياء هذا القرار الدولى ومحاولة الاستناد عليه فى مجرى المسار الفلسطينى, واعتبرت تل أبيب, وفق نـظرية التفـسير الأحـادى للشرعية الدولية, أن هذا القرار سقط بالـتقادم ولا يـجـوز الاعتماد عليه, معللة ذلك بأن الدول العربية جميعا رفضت قرار التقسيم وقررت خوض حرب شاملة ضد الاستعمار الصهيونى الاستيطانى فى الأراضى العربية. وفى تقدير الدكتور مصطفى علوى ـ أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة ـ أن عودة حرب تفـسـير القرارات الـدولية تشـتعل دومـا عند دخول مسيرة التسوية للصراع العربى الإسرائيلى منعطفاً جديداً, وقد اشتعلت تلك الحرب حاليا لعدة أسباب أهمها انطلاق مفاوضات الوضـع الـنهائي على المسار الفلسطينى, والإعداد لبدء المفـاوضات الاقـليمـية مـتعددة الأطـراف الـتى تـم الاتـفاق عـلـيها خلال مؤتمر السلام فى مدريد عام ,1991 والحديث عن قرب بدء المفاوضات على المسارين السورى واللبنانى. وفى رأى الخبير السياسى, فإن معركة تفسير القرارات الدولية كانت (شبه مؤجلة) منذ مؤتمر مدريد خاصة أن أطراف الصراع جرى بينهم اتفاقا ضمنيا يؤكد على جدولة مراحل التفاوض بحيث تتم مناقشة القضايا بصورة عكسية, أى أنه ليس شرطا أن تتم مناقشة القضية من أساسها, وهو حدوث عدوان غير شرعى على أراضى الغير, ولكن تتم المفاوضات وفق أولويات الأمر الواقع, أى أن يجرى الاعتراف باسرائيل, ثم تحل القضايا تصاعديا حسب درجة تعقيدها, فتتم مناقشة الانسحاب التدريجى, والأطر الأمنية, وطبيعة الدور الدولى فى التفاوض, وتحديد الأجندة التفاوضية, ثم تؤجل القضايا النهائية الحاسمة لحين (تطبيع العلاقات على طاولة التفاوض) وفرض مناخ ايجابى على أطراف العملية التفاوضية, ولذلك كان طبيعيا أن تبرز معركة تفسير القرارات الدولية حاليا مع تصاعد التوقعات بتنفيذ الحل الشامل للصراع. هذا التأجيل للقضايا الأساسية يعد من قبيل الخدعة الكبرى فى تقدير الدكتور محمد السعيد إدريس, الخبير بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية فى الأهرام, فقد كان طبيعيا أن يفتح هذا التأجيل الباب واسعا للخلاف حول تفسير القرارات الدولية ومماطلة اسرائيل فى تنفيذها والالتفاف عليها بصور متعددة. وقد تضاعفت فرص إسرائيل فى فرض قراءتها الخاصة للقرارات الدولية 242 و338 و194 بعد توقيع اتفاق اعلان المبادئ فى أوسلو عام 1993 والذى سمى اعلاميا باسم اتفاق غزة أريحا أولا, فأحد أبرز عيوب هذا الاتفاق هو خضوعه لمنطق الابتزاز الاسرائيلى وتلويحه بـ (جزرة العودة) وإنهاء القضية على المسار الفلسطينى بصورة سريعة دون التعرض لأى نوع من النقاش حول الوضع ا لنهائي ومدى التزام الدولة العبرية بتنفيذ القرارات الدولية التى تنص على انسحابها من الضفة وغزة دون قيد أو شرط وعودة الأوضاع إلى ما كانت عليه يوم الرابع من يونيو عام 1967. ومن أبرز عيوب هذا الاتفاق أيضا هو اصراره على تأجيل التفاوض على قضايا الوضع النهائي إلى فترة لاحقة بعد تنفيذ مراحل هذا الاتفاق وملاحقه السرية التى لم يتم الكشف عنها فى حينها, وهو ما جعل القضية برمتها مؤجلة حتى الآن, وبدا فى الصورة العامة أن إسرائيل منحت الكثير من الأرض الأمر الذى يرفع عن كاهلها الكثير من الضغط الدولى, ويمنحها الفرصة لاصلاح علاقاتها مع دول العالم التى كانت تتعاطف مع القضية العربية, ولكن فى الحقيقة يمكن الادعاء بأن المفاوضات على المسار الفلسطينى لم تبدأ حتى الآن, وأن القضايا الأساسية التى تعنى بالنسبة للعرب جوهر الصراع هى التى سيتم طرحها على طاولة مفاوضات الوضع النهائي وهى القدس والمستوطنات واللاجئون والمياه والحدود النهائية للدولة الفلسطينية, والغريب أن تلك القضايا الخمس هى نقاط الخلاف الجوهرية فى الصراع وليس بناء مقر للحكم الذاتى فى غزة أو قصر للرئيس عرفات فى أريحا كما حدث منذ أوسلو وحتى الآن. هذا التشويش المتعمد فى مؤتمر مدريد, وهذا التنازل الكبير الذى قدم على مائدة أوسلو كان أحد أسباب تأجيل معركة تفسير القرارات الى الآن, ولأن المفاوضات الحقيقية قد بدأت رسميا على الوضع النهائي صارت تلك القرارات هى مجال الخلاف الرئيسى, ولأن إسرائيل ترى أنها تتفاهم بصورة أسهل مع سلطة الحكم الذاتى بعيدا عن فرمانات مجلس الأمن, وأن المفاوضين الفلسطينيين يقبلون ما تمنحه اسرائيل بصرف النظر عن مرجعية الشرعية الدولية أو سقف الحقوق العربية فى تلك الأرض, فقد كان من السهل على باراك أن يقدم تفسيره الخاص للقرار 242 ويزعم أنه لا ينطبق على المسار الفلسطينى رغم أن الصراع برمـته انـدلع مـنذ البداية من أجل تلك الأرض الفلسطينية المغـتصبـة. ولأن المسار الفلسطينى شهد كل هذا التشويش وخلط الأوراق منذ مدريد مرورا بأوسلو وحتى اتفاقى واى ريفر والقاهرة فقد كان طبيعيا أن تتأثر مسارات التسوية الأخرى بهذه القراءة الاسرائيلية المزاجية للقرارات الدولية, كما يرى الخبير السياسى الدكتور رفعت سيد أحمد, وكان طبيعيا أيضا وفق منطق الانحياز الأمريكى الطبيعى للكيان الصهيونى أن تجد تل أبيب كل مساندة من واشنطن والبيت الأبيض فى إعادة تفسير القرارات الدولية, وقـد تـأثر المسـارين السورى واللبنانى بهذا المنهج الملتوى,فرغم أن اسرائيل تؤكد أنها تعترف بالقرار 425 القاضى بانسحابها من الأراضى اللبنانية المحتلة دون قيد أو شرط فإنها تصر على أن يكون هناك تفسير خاص لهذا القرار يسمح للكيان الصهيونى بالمطالبة بشروط أمنية معينة, ويفرض على لبنان القبول باستيعاب جيش لحد العميل لإسرائيل فى الجنوب, وفرض نفس الشروط التطبيعية التى تم فرضها على العرب الذين جلسوا إلى مائدة التفاوض مع قادة الكيان الصهيونى الذين يحظون برعاية خاصة من البيت الأبيض. وبنفس المنطق لا تريد اسرائيل الاستجابة لمرجعية القرارين 242 و338 ويقدم باراك تفسيره الخاص لتلك القرارات وكأنه لا يعنى الفلسطينيين ولكنه يبرق برسالة خاصة الى سوريا بأن عليها أن تفهم أن المفاوضات لن تجرى وفق مقررات الشرعية الدولية, وأن هناك شرعية جديدة فى الشرق الأوسط هى الشرعية الأمريكية والاسرائيلية,وأن على سوريا أن تفهم أنها لن تدرك كل حقـوقها الـتى ينـص عليها القرار 242 على وجه الخصـوص وأن عـليهـا أن تـقدم بـعـض التـنـازلات فى الأرض والتـطـبـيع ومحطات الانذار المبكر وشروط نزع السلاح وتواجد قوات المراقبة الدولية التى ستكون أمريكية فـقـط بكل تأكـيـد. وفى تقدير الدكتور محمد السعيد ادريس أنه إذا كانت مشكلة التفسير الخاص للقرارات الدولية ستؤدى إلى تعقيد لا نهاية له على طاولة الوضع النهائي فإن القرار 194 الصادر بشأن حق العودة قد يؤدى إلى كارثة حتمية, فالدولة العبرية تعيد تفسير القرار على هواها أيضا, وتريد أن تعتبر أن البند المنصوص عليه فى القرار بخصوص حق التعويض يجعل من التعويض المادى بديلا عن حق العودة للاجئين, وبهذا المعنى فإن اسرائيل لن تقبل عودة ملايين اللاجئين الى ديارهم وأراضيهم,وستزعم أن موقفها مشفوع بما نصت عليه القرارات الدولية بأن يكون التعويض بديلاً عن العودة إلى الأرض, ووفق رأى الدكتور ادريس فإن هذا الموقف سيؤدى أيضا إلى مشكلات كارثية أخرى بالتأصيل الدولى لفكرة التوطين واستخدام التعويضات التى قد تبادر واشنطن بدفعها بدلا من تل أبيب فى عمليات توطين اللاجئين الفلسطينيين فى الأماكن التى يعيشون فيها اليوم. ولذلك فإن مشكلة اعادة تفسير القرارات الدولية تبدو من وجهة نظر الدكتور ادريس ليست مجرد مناورة سياسية للحصول على بعض المكاسب السياسية على طاولة التفاوض بقدر ما تحمل فى طياتها خطراً واسعاً على جوهر القضية, وتؤدى إلى إقرار سلام شكلى يحمل فى داخله عوامل تفجيره, ويضيف أن اسرائيل تراهن فى هذا الاطار على قدرتها على اقناع العرب على القبول بهذا المنهج لتسريع ايقاع المفاوضات والوصول الى تسوية على جثة الحقوق العربية التى تعترف بها الشرعية الدولية. لكن إلى أى مدى يمكن أن يستسلم العرب لمواصلة اسرائيل منهج قلب الحقائق وخلق تفسيرات خاصة للقرارات التى كانت تمثل درعا واقية وأساسا شرعيا لكل مراحل العمل العربى ضد الاحتلال الاسرائيلى؟! فى رأى الدكتور رفعت سيد أحمد فإن عدم الاكتراث الاسرائيلى بقرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن فيما يتعلق بالمسارين السورى واللبنانى سيجعل هذين البلدين أكثر حذرا عند الجلوس الى طاولة التفاوض, فسوريا ولبنان لن يتبعان بسهولة المنهج الفلسطينى المختل الذى يعتقد أن (نصف العمى ولا العمى كله) الذى يتجاهل أن حكمة العوام لا تنطبق بالضرورة على القضايا السياسية الكبرى من هذا النوع الصراعى الشامل مع الحركة الصهيونية العالمية والاستعمار الغربى وفى طليعته اسرائيل, ومن هنا فإن اصرار اسرائيل على الالتفاف على هذه القرارات الدولية وضرب بنودها الصريحة ومحاولة اتباع تفسير خاص لن يؤدى إلى أى نوع من التقدم على المسار السورى الملتزم بالقرارين 242 و338 والمسار اللبنانى الذى لن يرضى بديلا بالقرار 425 والانسحاب من الأراضى المحتلة دون قيد أو شرط. وحسب رأى الدكتور مصطفى علوى فإن الفلسطينيين قد يظهرون بعض التشدد على المسار الفلسطينى بشأن قضايا الوضع النهائي والعمل على الاستفادة من القرارات الدولية فى انتزاع بعض الحقوق,لكن كل ذلك يبقى رهن للقدرة التفاوضية الفلسطينية واستعداد السلطة الوطنية لتقديم التنازلات فى سبيل اعلان الدولة المستقلة على أرض ذات حدود وملامح, ويرى علوى أن السلبيات التى أفرزتها تجربة التفاوض خارج هذه المرجعية الدولية ينبغى تداركها بقوة فى الفترة المقبلة, فقد نجحت اسرائيل فى تمييع تلك القرارات الدولية وإظهار الصراع خاصة على المسار الفلسطينى باعتباره صراعا ثنائيا معزولا عن مجاله الطبيعى, وبالتالى كانت الحجة دائما أن الفلسطينيين يوافقون على ذلك ولا مبرر لدى أىة قوة فى الأرض بما فيها الأمم المتحدة أن تزايد على ما يوافق عليه الفلسطينيون أنفسهم. وفى اطار هذا المسلسل كان التفاوض ثنائيا وحسب أولويات وشروط الواقع وليس حسب المقررات الدولية ومنطق التحرير الشامل من الاحتلال, وبما أن الباب قد انفتح للخروج على قرارات مجلس الأمن بهذا الخصوص دون معارضة كبيرة, وبما أن اسرائيل نجحت فى وأد الحملة العربية لاحياء قرار التقسيم, فقد كان الوقت ملائما لباراك وقادة اسرائيل فى الكشف عن منهجهم بكل وضوح والتأكيد على أن قرارات حل الصراع الصادرة عن المجتمع الدولى يمكن اخضاع بنودها للمساومات أيضا. وفى رأى الدكتور محمد السعيد ادريس فإن هذه الوضعية تفرض اعباء على سوريا ولبنان, كما تفرض صورة قاتمة على مفاوضات الوضع النهائي, إلى جانب النتائج المظلمة التى ينتظرها اللاجئون والقدس على وجه الخصوص, ولذلك لا ينبغى ألا يترك الأمر هكذا بدون وقفة عربية شاملة, ويرى ادريس أن جامعة الدول العربية والعواصم العربية المعنية بقضية الصراع عليها دور كبير فى اعادة التأكيد على وجوب تنفيذ القرارات الدولية كأساس لحل النزاع وتحقيق السلام الشامل والعادل. وينبغى على الجامعة العربية أن تبذل دورا كبيرا على الصعيد العالمى باعادة طرح نصوص هذه القرارات الدولية والترويج لتفسيراتها الصحيحة التى تنتصر للحق العربى وتنص على عودة الأرض الى اصـحابها الشرعيين, لأن استمرار التفسيرات الأحادية من طرف اسرائيل قد تؤسـس لشـرعية واقعية جديدة والخطر كل الخطر, كما يرى ادريس, فإن من بين النخب العربية الآن من يميل دوما إلى الاستسلام للشرعية الواقعية التى يفـرضها علـينا الآخـرون دون أن يحاول بذل أى نوع من الجهد للحصول على الشرعية الحقيقية التى تمثل جزءا من عقيدته وركنا من أركان الشرعية الدولية أيضا. ومن المقـترحات التى يقدمها الخبراء فى هذا الاطار ألا تكتفى الدول العربية بالرد الاعلامى على تفسيرا قادة الدولة العبرية للقرارات الدولية, وتبيين مدى خطورة ذلك على مسيرة التفاوض واحلال السلام الشامل والعادل, وتوسيع نطاق الاتصالات الدبلوماسية على الصعيد الدولى لتعزيز هذه المرجعية, وعقد المؤتمرات الدولية التى تؤكد على شكل الحل النهائي الذى ترضى عنه العرب وكما ترسمه القرارات 242 و338 و194 و425 و426 وغيرها من القرارات الصادرة عن مجلس الأمن أو التوصيات التى أصدرتها الجمعية العامة طوال سنوات الصراع. مؤتمر مدريد 1000 M توقيع الاتفاق الاردني الاسرائيلي توقيع اتفاق شرم الشيخ