اكدت دراسات كثيرة ارتباط مصطلح (عولمة الفساد) بـ (النظام العالمي الجديد) وارتباطه بالمتغيرات والتطورات التي جرت على الساحة العالمية في الاعوام الاخيرة. ورأى باحثون انه مع ظهور مفاهيم وشعارات مثل العولمة وحرية التجارة واقتصاد السوق والانفتاح على الآخر, فان البيئة اصبحت اكثر من ملائمة لنمو وانتعاش ظاهرة الفساد التي اصبحت عالمية تعرفها المجتمعات المتقدمة والنامية على حد سواء ., ولايخفى على احد ما للفساد من اثار سلبية تمتد لكافة المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بل وتؤثر على الحياة اليومية للمواطن العادي فتجعل اهتزاز الثقة في نزاهة الاجهزة الحكومية اهم سمات التعامل بين الاثنين كما انها تهدر مبدأ العدالة. وكلفة هذا الفساد المعولم تتعدى الاثار المعنوية الى الاثار المادية فتعيق مشروعات النمو لارتفاع كلفة الرشاوى وينتج عن ذلك هروب الاستثمارات. وفي ندوة تناول فيها مجموعة باحثين هذا المصطلح واثار وطرق معالجاته عقدها مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية, اكد الباحثون على ان وجود حالات الانحراف والفساد توقف النمو وتؤدي بالتالي الى افقار الدولة. واشارت الدراسات الى المتغيرات الداخلية التي حدثت في الدول, فمن ظل النظام الاشتراكي الى نظام السوق الحرة, اضافة الى عوامل اخرى, فقد تنامى الفساد وكاد ان يشل بعض اجهزة الدول النامية الامر الذي يترك مجالات للتدخل السياسي, والارتباط الاقتصادي بالدول القوية تحت عنوان انتشال الاقتصاد فانها تقيده ونعرض هنا لملخصات البحوث المقدمة والتي ناقشت الظاهرة اسبابها, ومعالجاتها. في مصر يشير اللواء هتلر طنطاوي رئيس هيئة الرقابة الادارية الى وجود حالات انحراف وفساد داخل كل مجتمع على مستوى العالم, مثلما يتطرق الى وجوده في مصر. ويقول ان الفساد قد يختلف في حجمه واسلوبه وتأثيره من مجتمع لاخر, وان كان تأثيره يظهر بوضوح في المجتمعات بالدول النامية حيث يؤثر الى حد كبير على طموحات هذه الدول في تحقيق معدلات مقبولة للتنمية الاقتصادية. ويرى ان (الفساد) مصطلح فني يستخدم حين تنتشر جرائم الاتجار بالوظيفة العامة او الاعتداء على المال العام في شكل ظاهرة يعاني منها المجتمع. ويعتبر الفساد الاداري هو أشد صور الفساد تأثيرا وخاصة في المجتمعات النامية ومن اخطر صور الفساد الاداري او الوظيفي الاختلاس او الاستيلاء او تسهيل الاستيلاء على اموال الدولة اضافة الى قبول الرشوة لتصب في الثروات الخاصة لموظفي الدولة بهدف تسهيل انهاء مصالح المواطنين. وتتعدد اسباب انتشار ظاهرة الفساد في المجتمعات المختلفة, ومنها القصور في تطبيق القوانين واللوائح في اجهزة الدولة, وعدم فاعلية الرقابة الداخلية والتساهل والتغاضي عن اخطاء الموظفين العموميين والبيروقراطية وتعدد الاجراءات الحكومية واحتياجها الى فترة زمنية طويلة لادائها, وانخفاض اجر الموظف العام واخيرا غياب القدوة والشعور بعدم الانتماء للمجتمع. اهتزاز الثقة ويشير اللواء هتلر طنطاوي الى ان الاثار السلبية للفساد تمتد لتشمل المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بل وتؤثر على الحياة اليومية للمواطن العادي ولعل اهمها هو اهتزاز الثقة لدى المواطنين في نزاهة الاجهزة الحكومية وكفاءتها واهدار مبدأ العدالة كنتيجة للفساد حيث يتم مشاركة الفقراء في ارزاقهم, وارتفاى التكلفة الاستثمارية واعاقة المشروعات نتيجة لاضافة نسبة للتكلفة الفعلية لمواجهة الرشاوى والعمولات مما يؤدي الى تردد وهروب المستثمرين عن البدء في اي مشروع جديد وهو مايؤثر على النمو الاقتصادي للدولة. وعن انتشار ظاهرة الفساد على المستوى الدولي يقول اللواء هتلر طنطاوي ان السبب هو ظهور التكتلات الاقتصادية الكبرى واتجاه الدول الى تحقيق الاسواق المفتوحة في ظل الاتفاقيات الدولية ومشاركة بعض المستثمرين برؤوس اموال ضخمة في شركات متعددة الجنسيات وتحرك رؤوس الاموال بحرية بين الدول الامر الذي انعكس على ظهور الجريمة الاقتصادية المنظمة التي تتعدى حدود تلك الدول, واصبح التأثير السلبي لظهور الفساد في اي دولة, لايقتصر عليها فقط بل يمتد اثره للدول الاخرى المتعاملة معها, الامر الذي يؤكد حقيقة تضافر الجهود الدولية لمحاربة الفساد على مستوى العالم, مما يستوجب توافر الارادة السياسية لدى الحكومات المختلفة للتصدي لمظاهر الفساد. ويضيف طنطاوي ان التصدي لظاهرة الفساد يحتاج الى ارادة سياسية قوية تنتهج مبادىء الشفافية, وتقتضي تنفيذ برنامج قومي متكامل يأخذ في الاعتبار كافة الجوانب المرتبطة بهذه الظاهرة, خاصة وان هناك اتجاها لعدم قيام المؤسسات المالية الدولية بمنح قروض او مساعدت للدول التي لايكون لديها ارادة قوية ونظم واجهزة تعمل على مكافحة الفساد فيها, وقد اوقف البنك الدولي مساعداته لاوغندا لعدم جدية مكافحة الفساد. .. ويرى اللواء طنطاوي ضرورة ان يشتمل البرنامج القومي لمكافحة الفساد في اي دولة على عدد من الاجراءات التنفيذية, ومنها وجود اساليب ونظم حكومية تتسم بالصراحة والعدالة والفاعلية بقطاعات الدولة المختلفة, وكذا تعيين مسئولين يتمتعون بمستوى عال من الصلاحية والنزاهة, وايضا وجود نظم وقواعد تكفل تحقيق اخلاقيات الادارة, ونهج واتباع اساليب واجراءات ادارية ونظم مراجعة مالية يكون من شأنها كشف حالات الانحراف والفساد والابلاغ عنها والتصدي لها, اضافة الى ضمان ان القائمين بالتحري والعاملين بالاجهزة الرقابية والقضائية يتمتعون بالحياد الكافي الذي يمكنهم من تطبيق القانون في مواجهة الفساد وبفاعلية وعلى الوجه الامثل.. ايضا ضمان ان القانون الجنائي والمدني يتضمن عقوبات وصلاحيات بالقدر الكافي وبما يكفل ردع حالات الفساد بصورة فعالة وملائمة, وخاصة في مجال تتبع حالات الفساد المستحدثة مثل (غسيل الاموال) , و (جرائم الحاسب الالي) وتحقيق سرعة الفصل فيها.. وقيام وسائل الاعلام المختلفة بدورها في توعية المواطنين, وضمان حصول عامة الشعب ووسائل الاعلام على مطلق الحرية في تلقي وتداول المعلومات المتعلقة بموضوعات الفساد وبما لا يخل او يؤثر على سير التحقيقات. ويؤكد طنطاوي اخيرا على ضرورة تطوير التعاون الدولي في مجالات محاربة الفساد من خلال اعداد اتفاقية دولية يشرف عليها احد اجهزة الامم المتحدة تتيح للدول التي توقع عليها تتبع الاموال المهربة من حدودها الداخلية والعمل على استردادها, وكذلك العمل على تشجيع عقد اتفاقيات ثنائية وجماعية بين الدول لنقل الخبرات وتبادل المعلومات فيما يخص محاربة الفساد, وتوسيع قاعدة التوعية بين الدول بأحدث الطرق في ارتكاب جرائم الفساد الدولية والعمل على التصدي لها باساليب فعالة ظاهرة أم جذر وحول اسباب تنامي الفساد في دول العالم يؤكد الدكتور محمد خليفة مدير مركز الدراسات الشرقية بجامعة القاهرة, على (عولمة الفساد) ويقول ان هذه الظاهرة جذبت بانتشارها على نطاق واسع انتباه بعض المؤسسات الدولية, حيث قامت منظمة الشفافية الدولية بنشر تقريرها السنوي مؤخرا عن استشراء الفساد الدولي والذي يهدف الى الكشف عن مظاهر الفساد والقيام بدور الحماية الدولية ضد الفساد من السياسيين وكبار المسئولين في نظم الحكم المختلفة في العالم ومن زعماء تنظيمات الاجرام المنظم الذين يسعون الى تقويض اسس الادارة السليمة في العديد من دول العالم. واضاف ان هذه المنظمة قامت بدراسة حالة الفساد في 85 دولة, وقامت بتصنيف دول العالم وفقا لمؤشر الفساد بداية باكثر الدول استقامة ونهاية باكثرها فسادا, وتحتل مصر موقعا متوسطا بين دول العالم في هذا التقرير. ولا يحتاج الامر الى تصنيف او تقرير دولي للكشف عن تنامي ظاهرة الفساد في مصر, فالظاهرة واضحة للعيان وتحتاج الى متابعة ودراسة وتحليل ووضع خطط للحد من شأن الفساد ولتحسين ترتيب مصر في هذا التقرير الدولي.. وتعتبر مصر من الدول المتقدمة في مراقبة الفساد ومتابعته من خلال عدة اجهزة حكومية مسئولة, ومع ذلك فالظاهرة متنامية لاسباب من اهمها المتغيرات التي طرأت على مصر خلال نصف القرن الاخير ومنها المتغيرات الداخلية المرتبطة بتغير النظم الاقتصادية من الانغلاق الاقتصادي في ظل النظام الاشتراكي الى الانفتاح ومنه الى نظام السوق الحر في ظل نظام العولمة العالمي وما يقتضيه من اجراء تغيرات اقتصادية داخلية تتواءم مع النظام العالمي الجديد والعولمة الاقتصادية. ويطرح د. محمد خليفة خمسة اسباب ادت الى تنامي الفساد في المجتمع المصري, وهي على الترتيب الآتي: اولا: تراجع العامل الديني والاخلاقي كعامل رقابي ذاتي. ثانيا: تراجع الدور الرقابي للاسرة. ثالثا: تراجع الدور التربوي والرقابي للمدرسة والجامعة. رابعا: ازمة القيم ودورها في تنامي الفساد. خامسا: العولمة وتنامي الفساد. ويبرز الدكتور خليفة في ورقته دور العولمة باعتباره عاملا جديدا لتنامي الفساد من خلال مجموعة قيم جديدة فرضتها العولمة على العالم, ومن اهمها التركيز على قيمة الفرد في مواجهة قيمة الجماعة وقيمة المصلحة الشخصية في مقابل المصلحة الجماعية ودور هذا في توليد اشكال للفساد الشخصي والسياسي والاداري من ناحية, والفساد الاجتماعي الناجم عن سوء توزيع الثروة في المجتمع من ناحية اخرى. ويؤكد على ضرورة وضع سياسة محددة لمواجهة الاثار الاجتماعية السلبية للعولمة, والاهتمام بالبعد الاجتماعي في السياسات الاقتصادية المرتبطة بالعولمة, وذلك للتخفيف من حدة الفساد الاجتماعي الناتج بالضرورة عن العولمة كحامل لقيم ومبادئ غريبة على المجتمع المصري, وايضا كمصدر جديد للقيم يضاف الى المصادر التقليدية ويناقضها بالاضافة الى الفساد المتولد من زيادة حدة التفاوت الاقتصادي والاجتماعي بين فئات المجتمع وهو الفساد التقليدي الناتج عن ظاهرتي الثراء الفاحش والفقر الشديد فكلاهما مولد للفساد في أشكاله المختلفة.. تداعيات الفساد وعن تداعيات انتشار الفساد في اي مجتمع من دول العالم يقول الباحث احمد السيد النجار ان هذه التداعيات لا تقتصر فقط على الجانب الاقتصادي وانما لانتشاره تداعيات اجتماعية وسياسية هائلة, فالفساد يضرب قاعدة المساواة بين المواطنين لان من يمتلك نفوذا سياسياً يستغله لتحقيق منافع خاصة لا يستحقها حارماً منها من يستحقونها وفقاً للمعايير الموضوعية, ومن يمتلك المال يمكن ان يحصل على منافع وتعامل مميز من خلال الرشوة, ومن يدخل ضمن دائرة المعارف والاقارب لاصحاب النفوذ يمكنه الحصول على عقود اعمال وعلى مناصب عامة مهمة ليس اهلاً لها, وهذا يعني ان المواطنين من خارج هذه الدوائر وهم الغالبية الساحقة من الشعب يكونون خارج دائرة الامتيازات ومحرومون من التعامل العادل على قدم المساواة مع المواطنين اصحاب النفوذ او اقاربهم, وبالتالي تتحول هذه الغالبية الساحقة من المواطنين الى مواطنين من الدرجة الثانية.. ويؤدي الفساد وبالذات ما يتعلق منه باستغلال النفوذ والرشوة الى تدمير احترام القانون واللوائح والضوابط والنظم في الدولة طالما انه يتم اختراقها بشكل منظم من قبل اصحاب السلطة واقاربهم واصحاب النفوذ المالي, وهذا يخلق حالة من عدم احترام القوانين والنظم ومن الرغبة في التحايل عليها, وفي هذه الحالة يصبح الاقوى والاكثر نفوذاً على الاصعدة السياسية والمالية, اقوى من اي قوانين او ضوابط ويتحول اختراق القانون الى قاعدة. ويضيف ان الفساد يؤدي ايضاً الى تسهيل الجريمة وبالذات عندما ينخر عظام الاجهزة المعنية بمكافحة الجريمة لتتحول اجزاء منها الى راعية ومسهلة للجريمة مقابل رشاوى واتاوات. ومن آثاره انه يخفض كفاءة الادارة العامة لأن الامتيازات في المناصب العليا تكون عادة مرتبطة بالمحسوبية على حساب الكفاءة, وذلك يؤدي الى كوارث مالية واقتصادية اذا انتشر في القطاع المالي والمصرفي خاصة عندما يؤدي الى منح الائتمان من قبل الجهاز المصرفي الى مقترضين مميزين بدون ضمانات كافية مما قد يتسبب في كلف ديون مشكوك في تحصيلها وهذا يقود لأزمة مالية او حتى افلاس وسقوط بعض المصارف مما قد يثير ازمة مالية شاملة اذ تنتج عن ذلك حالة عامة من عدم الثقة في الجهاز المصرفي وفي التعاملات الاقتصادية بصفة عامة كذلك فإن انتشار الفساد في القطاع المصرفي بالذات يمكن ان يحوله الى مغسلة للاموال القذرة التي تكونت من الجريمة مما يشجع على انتشار الاجرام من جهة, ويفتح الباب من جهة اخرى امام اساطين الاجرام لاستخدام التراكم الذي حققوه من الجريمة بعد غسله في الجهاز المصرفي في انشاء مشروعات تشكل غطاء لاعمال اجرامية, او تنقل عتاة المجرمين بنفس ثقافتهم الاجرامية الى الهيمنة على بعض النشاطات الاقتصادية مما ينتج عنه مشاكل وهزات اقتصادية عنيفة في الدولة. ويضيف الباحث احمد النجار ان الفساد يشكل آلية رئيسية لتحقيق التراكم المالي الذي يتم تهريبه غالباً للخارج لغسله او للهروب من المساءلة عن مصدره او للاستمتاع به في الخارج, مما يشكل في النهاية نزحاً للموارد الوطنية من الدولة التي حدث فيها الفساد وجرى تهريب التراكم المالي الناتج عنه.. كما يؤدي الفساد الى اضعاف الاقتصاد الوطني وانكشافه امام الاجانب واخضاعه لنفوذ الشركات العملاقة الدولية التي يسهل عليها استخدام آلية الرشوة للهيمنة عليه وحيازة وضع احتكاري فيه والتلاعب السياسي به والعبث حتى ببنيته الاجتماعية على غرار ما يحدث في افريقيا. اساليب ومعالجات ومن جانبه يتطرق الباحث المصري الدكتور محمد السيد سعيد الى طرح سؤال حول كيفية مواجهة الفساد وانتشاره في المجتمعات؟ ويقول ان الاجابة عن هذا السؤال حيرت اجيالا من الساسة والمفكرين في ارجاء آسيا وافريقيا خلال نصف القرن الماضي, ولعلنا نتذكر ان كافة الانقلابات العسكرية قد اعلنت في بيانها رقم (1) انها جاءت لمواجهة الفساد والقضاء عليه, ومن نظام عسكري الى آخر اخره ومن نظام مدني يتلوه آخر لم يهتز الفساد قط, ولاشك ان العسكريين قد بدأوا محاولة مواجهة الفساد من خلال الشدة واستعمال اقصى درجات القوة, بما في ذلك عمليات الاعدام واحكام الحبس الطويلة وفشل هذا المنهج يؤكد ان مواجهة الفساد ليست في شدة العقاب او سرعته وصرامته, وبالتزامن مع ذلك التشدد القانوني فقد طبق العسكريون في افريقيا وبعض مناطق آسيا العقاب الصارم خارج القانون, او تطبيق القانون العسكري وقد ضاعفت هذه الحقيقة من المشكلة بدلا من ان تحلها, ذلك ان الطعن قي القانون العادي (العام) قد فاقم من واقع عدم احترامه ومهما تشدد القانون العام فليس بوسعه وحده القضاء على الفساد. ويتحدث الدكتور محمد السيد سعيد عن شكلين اجتماعيين رئيسيين للفساد ويسميهما (الفساد الصغير) و(الفساد الكبير) ويقول انه غالبا ما يطلق على الفساد السلطة او المكانة الادارية لتحقيق منافع خاصة واكثر هذه المنافع بسيطة في قيمتها وصغيرة في حجمها وان كان شيوعه وكونه يمثل حالة عامة تؤدي الى اهدار هائل. وتتمثل الجذور الحقيقية للفساد الصغير في بروز حالة او موقف من عدم التناسب الجذري بين تكاليف المعيشة ومستويات الاجور والموظف الصغير هو الاكثر حساسية لهذه الفجوة والتي اذا ما وصلت الى درجة معينة تتصدع مقاومته ويفتح احضانه للرشوة وعندما تصل الظاهرة الى حجم معين, فإنها تصبح قانونا عاما ولا يستطيع الافلات من دوائرها إلا عدد محدود من البشر. اما الفساد الكبير فإنه يعني اساءة استخدام السلطة او المكانة السياسية للحصول على منافع خاصة حيث كل من السلطة والمنافع يمثلان اعلى مستويات العلاقة بين السلطان والثروة في المجتمع.. واذا ما ارادت الدولة مواجهة هذا النوع من الفساد.. فعليها ان تكون مستقلة وظيفيا عن رجال الاعمال ويعني ذلك بدوره ان تخضع الدولة لسلطة مختلفة ومستقلة وهو ما يمكن تحقيقه من خلال الانتخابات الديمقراطية وتوسيع القاعدة الاجتماعية وتدريب نخبة السلطة. وبقدر ما تتنوع ابعاد ظاهرة الفساد تتنوع مظاهر العلاج فلا شك ان للظاهرة بعدا اخلاقيا لانها تكشف عن تصدع وازدواجية اخلاقية فادحة وعلاج هذا الجانب يكون من خلال مناهج الدين والاخلاق كجزء لا يتجزأ من علاج شامل للظاهرة. ولا شك ان للظاهرة ايضا بعدا ماديا يتعلق بظهور فجوة كبيرة بين تكاليف المعيشة ومستويات الاسعار من ناحية ومستويات الاجور والمرتبات من ناحية اخرى.. والقضاء على تلك الفجوة يتطلب انهاء الازمة المالية للدولة ويتحقق ذلك جزئيا بتحسين تحصيل الضرائب ودفع النمو الاقتصادي غير انه في حالات معينة مثل حالة مصر لابد من نقل اعداد كبيرة جدا من الموظفين ـ تعد بالملايين ـ الى القطاع الخاص ويتطلب ذلك بدوره التركيز على تحسين وتحديث النظام الاداري والاكتفاء بالمهارات الادارية الارقى.. ولكن ـ كما يضيف الدكتور محمد السيد سعيد ـ العلاقة بين الدولة من ناحية والسوق الخاص من ناحية اخرى هي المجال الاهم للبحث عن حلول وتتنوع مستويات الحل والمجابهة بين الاصلاحات الشاملة والاصلاحات الجزئية والاصلاح السياسي الشامل والضروري لمواجهة الفساد. أما من الناحية السياسية فلابد ان تستند الديمقراطية على منظومة تشريعية تضمن الشفافية والمحاسبية على جميع المستويات, وبالمقارنة فإن الاصلاح الاقتصادي الشامل لابد ان يضمن الانتقال من مرحلة الفوضى إلى مرحلة مؤسسة التطور الاقتصادي الرأسمالي.. حيث ان الخصخصة تمثل مرحلة انتقالية مهمة في انضاج التطور الرأسمالي النزيه لأن القطاع العام هو أهم حقول الفساد, ولكن الخصخصة وحدها لا تكفي, فالانتقال إلى اقتصاد وتنافس على أرضية تشريعية ملائمة هو أمر غاية في الأهمية. أما على المستوى الجزئي, فهناك طائفة كبيرة من الاجراءات التشريعية والرقابية والتوازنية التي يجب الأخذ بها, ومع ذلك كله, وحتى لو تم الأخذ بهذه الاجراءات فإن اعتياد الفساد قد يتطلب احداث قطيعة مع مرحلة معينة, وقد يتم ذلك عن طريق حركة سياسية قوية تقوم بها الدول لضبط الأداء في الفضاء العام, ويتم ذلك على أساس اجراء سلسلة من المحاكمات التطهيرية, ثم الانتظام في مكافحة كل مظاهر الفساد بصورة متكاملة ونزيهة ومنتظمة, وأيضا حركة ثقافية تقتضي اعادة الاحترام للمال العام ولمجالات النفع العام وهو أمر يحتم التعاون بين الصحافة ورجال الأدب والفنون والقانون والدين. وفي ختام حديثه يرى الدكتور محمد السيد سعيد ان تزامن هذه المداخل هو أمر غاية في الأهمية, حيث يتم اصدار تشريع يشدد العقوبات على مظاهر الفساد واهدار المال العام في الوقت نفسه الذي يتم فيه تحسين مرتبات وأجور الموظفين العموميين مع ضبط أداء قطاع الأعمال من خلال سلسلة من التشريعات التي تضبط المنافسة العادلة مثل المواصفات القياسية للاجراءات وقوانين مكافحة الاغراق, وأخرى لمكافحة الاحتكار وتشريعات لضمان نزاهة المنافسة. وفي سياق ذلك كله يدعى رجال الدين والمثقفين والصحفيين لحملات متوالية لفضح الفساد وتأكيد قيمة المال العام ومرافق النفع العام في المجتمع وغرس قيمة النزاهة في الثقافة القومية.