كان لبنان ـ والى حد ما لازال ـ احد المراكز المهمة لتجمع الجواسيس من كل لون, ساعدهم على ذلك موقعه الجغرافي الحرج وظروفه التاريخية الملتبسة التي اغرت جميع القوى بتحويله الى ساحة لاختبار فحولتها السياسية. كان بلد لا احد تقريبا وبلد الجميع في الوقت ذاته . من هذه الفرضية القى كل بلد معني بمعادلة القوة ثقله فيه فاصبح وكيلا اقليميا لاجهزة المخابرات من كافة انحاء الكرة الارضية امريكية وسوفييتية فرنسية وانجليزية, مصرية وسعودية, سورية واسرائيلية .. الجميع كانوا هناك بطريقة او اخرى, وكل بحسب وزنه ودرجة اقترابه من الاحداث. حي الزيتونة الراقي في بيروت كان مرتعا للجواسيس في النصف الثاني من هذا القرن .. بفنادقه الفخمة ذات الاعمدة الرخامية وانديته الليلية والنهارية التي كانت تشغل بالبشر على مدار الساعات الاربع والعشرين لليوم. كان مشهدا عاديا للغاية رؤية عملاء اجهزة المخابرات وهم يتخفون وراء شخصيات رجال الاعمال او السياح او الدبلوماسيين والصحفيين, كان الجميع متأكدين ان الجواسيس موجودون حولهم في فنادق مثل النورماندي او البلازا وفي الشوارع والازقة وعلب الليل بشارع الحمرا, قبل اندلاع الحرب الاهلية واثنائها وبعدها. كان هناك امهر الجواسيس وابرعهم, بعضهم يتقن العربية كأهلها والبعض الآخر يحدث لغته الاصلية فقط. وقد عاثوا فسادا في لبنان وقاموا بخوارق لايقدر عليها الا الشياطين, من عمليات اختطاف وتخابر وتصفية جسدية ومطاردات وغراميات وخيانات وفضائح .. كل مايمكن ان يتصوره او لا يتصوره عقل, كانوا يختلطون بالقوميين العرب وينخرطون معهم في مناقشات ساخنة ويتغلغلون في اوساط المسيحيين والمسلمين ويؤدون معهم الفرائض قبل ان يلتقوا بعملائهم آخر الليل في الكازينوهات ويصعدون صباحا الى جبل لبنان حيث الطقس جميل اثناء النهار, في تلك الاجواء كان الجواسيس الذين تعج بهم بيروت يؤدون مهامهم على الوجه الاكمل وباتقان نادر يجمعون المعلومات عن القوى السياسية المتحاربة وعن دول الاقليم الذي كان يمحور بما في داخله كأنه مرجل يغلي غليانا ابديا, يسيطرون على اعصابهم بشكل لايصدق ويلتزمون قواعد اللعبة حتى النهاية فرادى وجماعات وكأنهم في صلاة خاشعة خافتة لايخرج احد فيها عن الصف, يضعون اهدافهم تحت المجهر ويسعون وراءهم في هدوء وادب جم ويقظة لامتناهية متزنون دائما في مواجهة العواصف والازمات ثابتون في اماكنهم . من اشهر الجواسيس الذين فاخروا بانهم اشتغلوا في بيروت الجاسوس المثقف كيم فيللي الذي ذاع صيته لاحقا بعد ان عرف انه كان يتجسس لحساب الاتحاد السوفييتي في الوقت ذاته الذي كان فيه عميلا لجهاز المخابرات البريطانية الذي زرعه كجاسوس تحت ستار مراسل صحفي لجريدة الاوبزرفر في بيروت. ايضا كان هناك الجاسوس الاشهر مايلز كوبلاند مستشار المخابرات الامريكية الاسبق سي. اي. ايه الذي عاش في القاهرة في فترة فوران الناصرية, والمد القومي العربي منذ تأميم قناة السويس وحتى العدوان الثلاثي عام 1956 , كوبلاند الذي تقاعد عن العمل ليؤلف كتابه الخطير لعبة الامم لم يبتعد كثيرا عن ملعبه الاثير فاختار بيروت ـ بئر الخيانة ـ ليعب منها بعد ان تعب من اللهاث وراء العملاء, كان هناك كذلك جواسيس الموساد الذين مرحوا جهارا نهارا واغتالوا عددا من قادة منظمة التحرير الفلسطينية امام اعين الجميع وكانوا يخترقون اراض لبنان جيئة وذهابا لتنفيذ عملياتهم القذرة غالبا. لم يكن العمل كله تحتيا في بيروت كما قد يتبادر الى الذهن اذ ان القوى الاستعمارية قررت ان تترك شواهد ظاهرة على اعتماد العاصمة اللبنانية وكرا رسميا للجاسوسية فكان هناك معهد لتفريخ الجواسيس هو معهد شملان الذي يقع في ضواحي بيروت الجبلية, واسمه الحقيقي معهد السلك الدبلوماسي الامريكي وتنفق عليه السفارة الامريكية لتخريج اجيال من الجواسيس الغربيين, كانت هناك ايضا اندية الروتاري نشطة لاتصد احدا ولاتقبله, لايتوقف حديثها عن ضرورة الاسهام في اقرار السلم الدولي على ايقاع اصوات تبادل طلقات الرصاص بين بيروت الغربية والشرقية خارج القاعات. ظلت بيروت هكذا فترة طويلة, بورصة للجاسوسية تتداول فيها النقود الملطخة من تحت الطاولات, بئر عميقة للخيانة ضد الجميع ولحساب الجميع, لم تهدأ حركة التداول الا مع مطلع التسعينيات حيث خفت حدتها شيئا فشيئا وان كان لم تتلاشى تماما بسبب حرج الموقف الجغرافي للبنان والتباس ظروفه السياسية والتاريخية.