تختلف الادارة الروسية لحرب الشيشان الحالية عن ادارتها للحرب الاولى التي نشبت في أواخر عام 1994 واستمرت حتى توقيع اتفاق السلام بين الجانبين عام 1996والشيء الواضح للعيان هو تركيز روسيا وبصورة مكثفة على استخدام الآلة العسكرية والاصرار على المضي قدما في الخيار العسكري حتى نهاية الشوط وبالتزامن مع هذا الخيار بدت روسيا بها وعلى غير العادة تكشف دعايتها الخارجية لابداء وجهة نظرها في الازمة التي تعتبرها شأنا داخليا خاصا بها, وتتهم في الوقت نفسه المقاتلين الشيشانيين بأنهم حفنة من الارهابيين. روسيا جلست مسبقا مع من تسميهم بالارهابيين هذه الايام فهل ستكرر نفس الشيء لانهاء الازمة؟ ثمة وجه للشبه بين اتفاق السلام السابق مع الشيشانيين يتكرر هذه الايام متمثلا في التوقيت, فلقد وقعت موسكو اتفاق 1996 والانتخابات الروسية على الابواب لكن الانتخابات الروسية القريبة والمقرر اجراؤها في العام المقبل لا تجعل القيادة الروسية النافذة في الكرملين مصرة على الحسم العسكري بدلا من الجلوس الى طاولة الحوار مع الرئيس الشيشاني اصلان مسخادوف الذي سلبته موسكو شرعيته كرئيس منتخب واختارت عميلا لها. استمرار هذا الاصرار الروسي يظل مرهونا بسير ردود الطرف الاخر فموسكو لم تقبل بتوقيع الاتفاق السابق لانهاء الحرب الاولى الا بعد الهجوم العسكري الذي شنه القائد شامل باسييف ورفاقه في 14 يونيو عام 1995 على مستشفى مدينة بودونفيسك الواقعة داخل الحدود الروسية الى الشمال من جمهورية الشيشان واعتقال 2000 روسي كرهائن. هذه العملية هي التي سرعت بقبول روسيا الجلوس الى طاولة المفاوضات وايقاف الحرب لاسيما بعد فشل محاولات القوات الروسية لانقاذ الرهائن والتي ادت الى مقتل عدد من المدنيين الروس. شكل هذا الهجوم حجة لدى الطرفين اللذين كانا يريدان بدء المباحثات حول وقف اطلاق النار واقترح رئيس الوزراء الروسي في ذلك الوقت تشيرنوميردين بدء المباحثات لاطلاق الرهائن. الاتفاق العسكري قضى الاتفاق العسكري الذي تم التوصل اليه في يونيو 1995 بتوقيع اتفاقية لوقف اطلاق النار واصدار كل طرف قرار كما نص على تطبيق خطة متضمن ثلاث مراحل لاجل نزع الاسلحة وانسحاب القوات الروسية. ومن ابرز النقاط التي تضمنها الاتفاق العسكري اطلاق سراح الاسرى على اساس الكل مقابل الكل, قضى بتقديم الجانب الروسي الفيدرالي ضمانات بعدم استخدام القوة في حل المشاكل السياسية في الجمهورية بعد تأمين السلام في الشيشان, ورغم وصول الطرفين الى اتفاق عسكري الا انهما لم يتمكنا من حسم خلافاتهما السياسية حول علاقة الشيشان بالاتحاد الروسي, فالشيشانيون يتمسكون باستقلالهم دون تقديم تنازل ويرون ان اي اتفاق لا ينتهي بالاستقلال يدخلهم في الفيدرالية الروسية ثانية ومن ثم فلا يبقى أي معنى او مبرر للحرب التي خاضوها من أجل الاستقلال. بين التتار والشيشان بعد تفكك ما كان يعرف بالاتحاد السوفييتي تم توقيع اتفاق تكوين الفيدرالية الروسية من قبل 18 جمهورية الا ان التتار والشيشان لم يوقعا عليها, وبعد مباحثات مضنية بين التتار وروسيا تم السماح للتتار بحكم ذاتي واسع النطاق يقضي بأن يقتصر الارتباط بالفيدرالية الروسية على الدفاع والداخلية وحصص النفط. كان الروس يميلون قبل اندلاع حرب الشيشان الاولى الى تقديم نفس الوضعية للشيشان ايضا الا ان الشيشانيين كانوا يصرون على الاستقلال الكامل اكثر من التتار. وبعد اندحار الموقف العسكري الروسي في جروزني ومقتل الرئيس الشيشاني جوهر دوادليف قبلت القيادة الشيشانية الجديدة ممثلة في الرئيس جوهر دوادليف وضعا شبيها بجمهورية التتار رغم رفض تحفظ بعض العناصر الشيشانية على هذه الصيغة الا انه كفل انهاء الحرب التي عادت لتشتعل مؤخرا في اعقاب ازمة داغستان. موسكو تنتظر ضربة موجعة رغم العمليات العسكرية المكثفة التي تقوم بها القوات الروسية تبدو موسكو غير عابئة بنداءات الاسترحام الغربية التي تصدر على استحياء فيما يؤكد زعماء الثوار الشيشانيين ان المعركة الحقيقية لم تبدأ بعد, في اشارة ضمنية لامكانية القيام بعملية تشبه عملية احتجاز الرهائن التي قام بها شامل باسييف عام 1995. وبنفس الحجم. فقيام المقاتلين الشيشانيين بذلك من شأنه ان يجعل موسكو تراجع نفسها بعض الشيء وتجلس الى طاولة المفاوضات, لكن اقصى ما يمكن التوصل اليه من هذه الحالة لا يعدو اتفاقا يمنح الشيشانيين سقفا من الحقوق اقل مما كان عليه الحال في الاتفاق الذي انهى الحرب الاولى. لكن خميرة الصراع ستظل موجودة وتتمثل في مصادرة الرغبة الشيشانية في اقامة دولة مستقلة كاملة السيادة, وسيزيد من تعقيد الامر ميراث الثأر الطويل الذي اتسع نطاقه هذه الايام والتي تشهد موجه قتل وتهجير لقطاع كبير من المدنيين الامر الذي يعني الدوران في حلقة مفرغة من الحرب والهدوء ثم الحرب بما يؤكد استمرار حالة التوتر في القوقاز لفترة طويلة لن تحسم من الاجل المنظور على الاقل. باسييف