من الملف السياسي: مونت كارلو في عهدين، الإذاعات الموجهة سارت في ركاب العولمة على الطريقة الامريكية، بقلم فريدة الشوباشي

نبتت فكرة اذاعة مونت كارلو في ذهن زعيم فرنسا الراحل الجنرال ديجول, اواخر الستينات مدركا بحسه الاستراتيجي والسياسي النافذ اهمية الوطن العربي وضرورة ان تفتح فرنسا نافذة مشرعة لها على هذا العالم الذي يحتاج الى مصالحة حقيقية مع فرنسا في اعقاب الحقبة الاستعمارية التي كان من اقسى فصولها ماجرى في الجزائر. وانتهج ديجول مابات يعرف باسم سياسة فرنسا العربية معتبرا الاذاعة احدى القنوات الهامة واداة فعالة , في بناء جسر يساهم في تعميق الروابط مع هذا الشق من العالم وان تكون مرآة فرنسية للاخبار في مناخ من الحرية الكاملة لمنطقة متعطشة للحقيقة المفقودة في معظم الاقطار العربية تحت ركام الاعتبارات الشخصية للحكام, اذاعة تكسر النمط السائد الذي يكرس ثلاثة ارباع النشرة للحاكم وانجازاته وافكاره وفلسفته.. و.. و.. ويتجدد هذا القديم الممل يوميا دون ان يجد المستمع العربي سبيلا للفرار الى موجات اخرى ترفع عنه قليلا من حمله الثقيل من مآثر الحاكم وتحركاته التي لاتعني المتلقي في معظم الاحوال.. كان تأثير اذاعة الـ (بي. بي. سي) البريطانية قد خف خاصة في اعقاب العدوان الثلاثي على مصر.. اما اذاعة صوت امريكا فقد انصرف عنها الناس لتطابقها حتى في المفردات مع الاذاعة الاسرائيلية, جاءت اذاعة مونت كارلو اذن في أوانها تماما وقد سبقها رصيد هائل من الشعبية ارتكز على موقف ديجول من عدوان 67 الاسرائيلي ثم عدوان الطيران الحربي الاسرائيلي على الطائرات المدنية اللبنانية الرابضة في مطار بيروت الدولي.. امتن العرب لرجل اتسم بشجاعة قول الحق وسط ظلام الهزيمة الدامس واجواء المرارة والاحباط تجاه الغرب المتأمر المعتدي.. واذكر بهذه المناسبة كيف دوت قاعة مجلس الامة بعاصفة من التصفيق عندما اتى الزعيم الراحل جمال عبدالناصر على ذكر موقف فرنسا ولاسيما الجنرال ديجول وخصه بشكر عميق على موقفه العادل من من العدوان.. واتصور ان رد الفعل العربي حيال موقف الزعيم الفرنسي الكبير كان حافزا له على المضي في تنفيذ مشروع الاذاعة الموجهة لتكون صوت فرنسا في الوطن العربي وقد التحقت بالعمل في اذاعة مونت كارلو اواخر عام 73 وبهرتني حرية التعبير المطلقة والتي لاتخضع لقيود او ضوابط الا مايتصل منها بالامانة الصحفية والتنزه عن الغرض اضف الى ذلك ان الاغلبية الساحقة من العاملين بها كانوا من العرب المتشبعين بالفكر القومي التحرري حيث كان المد القومي على اشده بعد ان اعادت حرب الاستنزاف الثقة في النفس وفي القدرة على الدفاع عن الكرامة.. ويختلف المنهج الفرنسي عن المنهج الانجلوساكسوني في الاعلام حيث يحرر الاخبار صحفي بريطاني او امريكي على الاغلب ويقوم (المذيع) بقراءة النشرة, اما في الاعلام الفرنسي فإن الصحفي هو الذي يقرأ ما يكتبه وهذه ميزة بالغة الاهمية ـ لان الصحفي في مونت كارلو كان الاسرع في اعطاء الخبر اذ لم يكن محتاجا الى (اشراف) او (رقابة) وفي هذا المجال الاذاعي فإن الدقائق لها قيمة هائلة وقد تكفي ثلاثون ثانية لتحقيق الاذاعة سبقا صحفيا وكان هذا الاسلوب من اهم عوامل نجاح مونت كارلو رغم ضألة امكانياتها المادية مقارنة بالـ (بي.بي.سي) او صوت امريكا بالاضافة الى ذلك فإن المستمع العربي كان يدرك بحسه الواعي طبيعة ما يقدم له من اخبار فكان يغربلها وينتقي منها مايشعر انه صادق وكثيرا ما يكشف عن معلومات مدسوسة واساليب خبيثة, في تصنع الموضوعية لذلك اخذ رصيد مونت كارلو من المستمعين يتزايد وتنامت ثقته فيما تبثه من اخبار حيث يلتزم الصحفي في هذه الاذاعة امانة تامة وموضوعية كاملة مستندا الى ما تبثه وكالات الانباء ومعتمدا على حسه المهني في الفرز بين الغث والسمين وبين الخبر المعقول منطقيا والمدسوس كدس السم في العسل ويشحذ الشعور بالمسئولية همة الصحفي إذ تجعله يبذل كل مافي وسعه لتحري الدقة, فمقابل الثقة المطلقة الممنوحة له يكون العقاب صارما اذا جانب الامانة او الموضوعية وقد يصل هذا العقاب الى حد الشطب من جدول العاملين بالصحافة ولاشك ان هذا المنهج يطلق مكنون ملكات الصحفي وينجز طاقاته المهنية ويرتقي باحساسه بالمسئولية فيكون هو نفسه الرقيب والحسيب وضميره المهني وحده الحكم والفيصل. ايضا ينتج عن اسلوب العمل الصحفي بحرية (شخصنة) الاعلام بمعنى ان المستمع يستشف انتماء الصحفي وطريقة تفكيره وتناوله للنبأ والتعامل معه وبهذا يلبي هذا (التنوع) حاجة في نفس المستمع تنأى به عن التكرار الروتيني الممل والحرية هي السبيل الامثل لبناء النفس على اسس سليمة والمعلم الاكبر الافضل بينما القمع يجعل المرء ينشد السلامة ويدفعه الى التنازل عن المسئولية وكل مايتصل بهادرءاً لمالا تحمد عقباه. ظل هذا المناخ الصحي سائدا في الاذاعة حتى أواخر الثمانينيات فحتى عندما اقامت اسرائيل الدنيا ولم تقعدها ابان حرب 73 متهمة الصحفيين العرب (بالتحيز) والخروج عن الحياد المطلوب, وحصنت الوقائع هذه الافتراءات وتأكدت مصداقية طاقم الصحفيين.. لكن اسرائيل لم تنس هذا الفصل وبعد ان تنبهت الى تأثير الاذاعة القوي والفعال بدأت في التدخل والعمل من وراء الستار وعبر وسائل وحيل شتى في تغيير مضمون ما تقدمه الاذاعة.. ولما كان من الصعب بل من شبه المستحيل فرض رقابة على الصحفيين أو تحديد ما يرونه مناسبا من أنباء فقد تفتق ذهن أعداء (التقارب الفرنسي العربي) .. والموالون للّوبي الاسرائيلي عن تحجيم الاذاعة عبر طرح مفردات (النظام العالمي الجديد) وبالطبع ساعدت وكالات الانباء في هذا التوجه الخطير باعتماد التسميات الاسرائيلية.. فمثلا الشريط الذي تحتله اسرائيل في جنوب لبنان يسمى (الحزام الآمن) الضفة الغربية وغزة.. صارتا يهودا والسامرة.. القدس تحولت الى عاصمة اسرائيل وحزب الله الى الحزب الشيعي الموالي لايران وأخيرا وليس آخرا فان الفدائيين في فلسطين ولبنان اندرجوا تحت بند (الارهابيين) وأصبح كل من يتناول اعتداءات اسرائيل وجرائمها مثل مذبحة قانا مثلا (عدوا للسلام!!) وطالعتنا ادارات ومسئولون يلجأون الى الحيلة في افراغ الخبر من مضمونه عبر تحديد المساحة الزمنية لكل الاخبار بغض النظر عن أهميتها فبات التناول يقتصر على ما يشبه رؤوس الموضوعات دون استيفاء أي منها حقه.. ووصف (الخبراء الجدد) هذه التعديلات الجوهرية التي أفقدت الاذاعة روحها وطابعها بأنه (التطوير) .. وقد حدثت واقعة غريبة تستحق الاشارة اليها حيث حاولت الولايات المتحدة اذاعة (اعلان) في مونت كارلو يطلب من اللبنانيين (الوشاية) و(الابلاغ) عن أية معلومات تتصل بمختطفي الرهائن الأمريكيين بعد الافراج عنهم جميعا, مقابل مبلغ سال له لعاب الادارة ـ غير أن الخارجية الفرنسية تنبهت للفخ الذي أراد ضرب أكثر من عصفور بحجر واحد, أخطر ما فيه ان تظهر الولايات المتحدة فرنسا وكأنها داخل الحظيرة الواسعة وتشويه الصورة التي تكونت عنها لدى العرب خاصة في الحقبة الديجولية.. على أثر فشل هذا الفخ الخبيث بدأت حرب أمريكية خفية وعلنية ضد هذه الاذاعة العصية المتمردة وكان المدخل الأساسي هو الاعلانات التي تشكل بندا رئيسيا في دخل الاذاعة فضغطت واشنطن على المعلنين وأخذ دخل الاعلانات يتلقص تدريجيا فجف نبع هام من منابع الدخل.. تراكم العجز في ميزانية الاذاعة وأخذت أمورها المالية تتدهور مع ما يصاحب ذلك من اجراءات تقشفية قاسية انعكست سلبا على نفسية الصحفيين وعلى ادائهم المهني وتآكل حماسهم تدريجيا ـ بعد ذلك جاءت حرب الخليج الثانية واحتكار الولايات المتحدة لكل ما يتعلق بها من تفاصيل اعلامية.. ولم يعد لأية جهة قدرة على تناول وقائع الحرب وتداعياتها عسكريا أو مدنيا ووجد الصحفيون عامة انفسهم أسرى مفردات (العولمة) فالطائرات الحربية الأمريكية عندما تحرق المنشآت المدنية وتقتل آلاف الضحايا من المدنيين لا يجد الصحفي أمامه الا كلمة واحدة توجز كل هذه المآسي اسمها (أهداف جانبية) .. ولم يساعد اذاعة مونت كارلو على الافلات من هذا الطوق الحديدي الا وجود مراسلين لها في العواصم المعنية.. وهو ما عقدت زعيمة النظام العالمي الجديد (العزم على ألا يتكرر) .. وكان من بين الاسلحة الأمريكية تأكيد الهيمنة على العالم سلاح الاعلام الذي تدرك سلطات واشنطن مدى قوة تأثيره. شيذا فشيئا أخذ المستمعون في الانصراف عن الاذاعات الاجنبية الموجهة لعدة أسباب بينها انتشار قنوات التلفزيون وسطوة الصورة التي يشعر المشاهد معها بالمتعة والائتناس كما تتنافس الفضائيات العربية الان في تقديم مادة اخبارية مقنعة ومتسقة مع اهتمام المشاهد.. واذا كانت الاذاعات الموجهة ومنها مونت كارلو قد سارت في ركاب (العولمة) على الطريقة الأمريكية وجعلت الغلبة للشكل على حساب المضمون (أي تجديد الأدوات التقنية وتقوية محطات البث مع ابتسار الاخبار وتسطيحها واخضاعها لمعايير ذاتية لا تمت الى تطلعات المستمع العربي وهمومه واهتماماته) فقد بدأت بعض الاذاعات العربية تدخل حلبة المنافسة بقوة يدعمها اتساع الهامش الديمقراطي حقبة بعد اخرى من جهة ومن جهة اخرى فانها تقدم أخبارا محلية تشكل أولوية بالنسبة لجماهير الإقليم.. فعلى سبيل المثال.. لن يصبر مستمع مصري على الاستماع لنشرة تبدأ بفوز لاعب في أحد مجالات الرياضة بينما هز بلاده زلزال عنيف كما حدث عام 92.. واذا كانت (الحرية) كقيمة فرنسية قد فتحت قلوب وعقول وآذان المستعمين العرب لاذاعة مونت كارلو في فترة سابقة, فإن المفاهيم الجديدة لقياداتها خاصة (هوّاري) العولمة والنظام العالمي الجديد قد نزعت (الروح) التي كانت سمة الاذاعة ـ وكان يحزنني عندما يسألني احد لماذا لا أعود الى القاهرة فأرد بأنني أعمل في اذاعة مونت كارلو فتكون الدهشة: (هي مونت كارلو لسّة موجودة؟!) .. ومن دواعي أفول الاذاعات الموجهة كذلك انتشار موجات الأف أم التي توفر نوعية رائقة صافية من البث وتجذب المستمع بجودة ما تقدمه من مواد اخبارية وغنائية وثقافية وموسيقية ورياضية وغيرها.. وصفاء موجات الاف إم يجعل المستمع لا يفكر حتى في مشقة البحث عن موجة اذاعة موجهة يضيع منه بسبب سوء الارسال معظم ما تقدمه. واخيرا.. اذا كانت اعتبارات وعوامل عديدة متشابكة منها السياسي والمالي والتقني قد أثرت في مسار ومكانة الاذاعات الموجهة ومنها مونت كارلو التي عملت بها حتى عام 97 فإن حرية التعبير الوليدة في الوطن العربي والتخلص تدريجيا من قيد الممنوعات والمحظورات والمحرمات من شأنه اضفاء مصداقية جديدة على اذاعاتنا المحلية ومساعدتها على جذب المزيد من المستمعين وسحب البساط بالتالي من تحت اقدام اصحاب الاذاعات الموجهة.. والأمل الوحيد هو ألا عودة الى الوراء عن طريق الديمقراطية, في عصر ثورة المعلومات والاتصالات الذي نعيش تطوراته المتلاحقة.. اما الانفتاح الاعلامي المزيف الذي تصدع به ادمغتنا وسائل الاعلام الامريكية بشكل خاص والغربية عامة فلن يصمد طويلا لو تنبهنا الى ضرورة القبول بحرية التعبير حتى لا يلجأ المستمع العربي ابدا لمعرفة ما يدور في وطنه الى اذاعات اجنبية لايعرف اهدافها ومراميها الا الله.. ولاشك ان العودة قليلا الى الوراء ستكشف لنا ان ازدهار الاذاعات الموجهة كان الى حد بعيد راجعا الى اجواء التقييد والتضييق الى حد الاختناق تقريبا في اذاعاتنا المحلية.. وعندما تنفتح اذاعاتنا انفتاحا كاملا على الخبر ولا تعتبر نفسها وصية على المستمع فقد يكون ذلك ايذانا بأن عصرا قد ولى بالنسبة لتأثير الاذاعات الموجهة وسوف يصعب عندئذ (اختراق) اية جهة لجماهير المستمعين وقد تصالحت مع اذاعاتها الوطنية والقومية. * إذاعية سابقة بمونت كارلو

طباعة Email
تعليقات

تعليقات