لاشك ان الاذاعات الموجهة كان لها ومازال دور كبير سواء بالنسبة لخدمة الاهداف والتوجهات السياسية للدول التي قامت بانشائها, او بالنسبة لتقديم خدمة اذاعية واعلامية متميزة, ولذلك كان حرص غالبية الدول على ان يكون لها مثل هذه الاذاعات واذا كانت اذاعة الـ (بي.بي.سي) تعتبر حتى الان هي الاشهر بين الاذاعات الدولية الموجهة من حيث الخدمة التي تقدمها وتواجدها بين جمهور المستمعين فانه على الجانب الاخر في وطننا العربي كان لنا تجربة فريدة بالنسبة للاذاعات الموجهة وهي اذاعة صوت العرب التي قامت بدور كبير في مساندة قضايا وحركات التحرر في العالم العربي وبعض دول العالم الثالث. (الملف) التقى الدكتورة جيهان رشتى عميدة كلية الاعلام السابقة والدكتورة شاهيناز بسيوني استاذة الاعلام بالكلية في محاولة لالقاء الضوء حول دور الاذاعة وهل تراجع في ظل الفضائيات العربية والعالمية وحول موقع اذاعة الـ (بي.بي.سي) من الاذاعات العالمية واستمرار شهرتها التي اكتسبتها في منطقتنا العربية, وتأثير تحولات السياسة الدولية على النشاط الاعلامي والكيفية التي تتعامل بها الاذاعات الموجهة مع القضايا العربية ومدى استقلالها عن سياسة حكوماتها, وهل يملك الاعلام العربي القدرة على منافسة هذه الاذاعات الموجهة؟. عصر الفضائيات بداية حرصت الدكتورة جيهان رشتى عميدة كلية الاعلام السابقة على ان تشير الى ان الاذاعة لم تفقد دورها في عصر الفضائيات العربية والعالمية لانها تعاملت مع هذه المستجدات بذكاء بأن هربت الى المحلية والتخصص بمعنى أصبحت الاذاعة تركز على القضايا المحلية التي تهم المواطن وتقدم له الخدمات التي يحتاجها, كما غرقت في التخصص بأن اصبح هناك محطات اذاعية تقدم الاخبار فقط, واخرى لتقديم انواع معينة من الموسيقى وهكذا, هذا التخصص جعل هناك ارتباطاً كبيراً من جانب المستمع بالاذاعة ولم تستطع الفضائيات ان تجذبه اليها بالصورة التي كان البعض يتوقعها, انني لا ابالغ اذا قلت ان المستقبل سيكون للاذاعات المحلية الصغيرة التي تبث برامجها على موجات الـ F.M والتي تغطي مناطق جغرافية محدودة, شريطة ان تصبح هذه الاذاعات ترجمة حقيقية لمفهوم ديمقراطية الاتصال. خدمة اعلامية واخبارية وحول الاسباب التي جعلت اذاعة الـ B.B.C تحتل مكانة متميزة بين الاذاعات الموجهة الاخرى تقول الدكتورة جيهان رشتى: اذاعة الـ B.B.C تقدم خدمة اعلامية واخبارية تبدو متوازنة, كما انها تتحدث للدول المستهدفة عن موضوعات تهمها فمثلاً عندما تخاطب العالم العربي تذهب الى الموضوعات التي تهم المستمع العربي وذلك بعكس الاذاعات الاخرى الموجهة مثل صوت امريكا, وموسكو وحتى مونت كارلو التي تهتم بالحديث عن سياسات الدول التي تصدر عنها, الـ B.B.C اذاعة ذكية عينها ومنذ بدايتها على الجمهور المستهدف وهي لا تتوقف عن عمل الدراسات لقياس الرأي العام المستهدف, فأنا لا أنسى ان هذه الاذاعة عندما بدأت كانت تعرف ان القرآن الكريم له وقع وقدسية عند المستمع العربي لذلك كانت تبدأ برامجها به, ايضاً ادركت منذ البداية ان المذيعين المغاربة الذي يعملون لديها لهجتهم غريبة على اذان اغلب المستمعين لذلك لجأت للمذيعين المصريين لأنها تعرف ان اللهجة المصرية معروفة عند كل الاخوة العرب, بالاضافة الى ان هذه الاذاعة اثبتت في مواقف واحداث كثيرة انها تتميز بوجود نوع من الاستقلال عن الحكومة البريطانية ففي عام 1956 واثناء العدوان الثلاثي على مصر رفضت ان تبث دعايات مباشرة ضد مصر, فاضطرت الحكومة البريطانية وقتها لعمل محطات اذاعة مجهولة المصدر وهذا اعطاها مصداقية كبيرة عند المستمع العربي, وهناك موقف اخر وهو الخاص بحرب فوكلاند حيث لم تتبنى الموقف البريطاني على علاته, ولذلك نالت قدرا كبيرا من النقد من جانب رئيسة الوزراء البريطانية مارجريت تاتشر, واخيرا هناك حرص شديد من جانب اذاعة الـ B.B.C على تقديم الرأي والرأي الآخر وهذا جعلها في نظر أغلب المستمعين خدمة اعلامية لايمكن الاستغناء عنها. اختلافات جذرية وفيما يتعلق بالتحولات السياسة الدولية وتأثيرها على النشاط الاذاعي توضح الدكتورة جيهان رشتى عندما نتحدث عن النشاط الاذاعي في الفترة السابقة ايام القطبية الثنائية, ونتحدث عنها الان لن نجد اختلافات جذرية, ففي عصر القطبية الثنائية كانت هناك اذاعات موجهة كثيرة مثل موسكو وغيرها من اذاعات الكتلة الشرقية, هذه الاذاعات لم يكن لها تأثير يذكر لأنها كانت تصدر من مجتمعات مغلقة لها ايدلوجيات معينة, ولذلك لم يتأثر بهذه الاذاعات الا من هم على علاقة ويدينون بهذه الايدلوجيات, اما الاذاعات الموجهة التي كانت تصدر عن المجتمعات الحرة فكانت تلقى قبولا كبيرا من جانب المسمتع العربي بكل طوائفه لان هذا المستمع كان لايثق في إعلامه ولديه شبق لمعرفة الحقائق لذلك كان يلجأ للاذاعات الموجهة مثل الـ B.B.C وهذا الحال لم يختلف كثيرا في الوقت الحالي فمازالت الاذاعات الموجهة التي من عالم الشمال والغرب مثل الـ B.B.C وصوت امريكا ومونت كارلو هي التي تستحوذ على اهتمام المستمع العربي, فهذه الاذاعات تتمتع بدون شك بدرجة عالية من المصداقية لدى المستمع وخاصة المستمع العربي بما تتسم به من ذكاء في اسلوب التناول للموضوعات التي تقدمها, وذلك بعرض كافة وجهات النظر المختلفة وهذا تقليد تحرص عليه هذه الاذاعات وخاصة الـ B.B.C منذ العشرينات من هذا القرن, فهم يهتمون بالتوازن ليس في مجال الخدمة الخبرية فقط ولكن في خدمة الرأي كذلك, هذا التوازن اعطى هذه الاذاعات مصداقية عالية فمثلا خلال الحرب العالمية الثانية كانت تذيع الـ B.B.C اخبارا عن المظاهرات التي تحدث في بريطانيا وقيام ربات البيوت الانجليز بقذف تشرشل بالبيض, هذه الاخبار كان لها وقع سلبي على الجنود الالمان عندما سمعوا ذلك, لانهم فارنوا ذلك بما يذاع في اذاعاتهم. وتضيف الدكتورة جيهان رشتى: لاخلاف على ان الاذاعات الموجهة مثل صوت امريكا, مونت كارلو والاذاعات الاوروبية الاخرى هي اذاعات رسمية تابعة لوزارات خارجية هذه الدول, ولكن اسلوب تناولها للاحداث فيه الكثير من التوازن الاعلامي وعدم حجب الرأي المخالف للدولة التي تصدر عنها هذه الاذاعة وهذا جعل المستمع العربي ينبهر بما تقدمه هذه الاذاعات, فهي من الناحية العملية ليست مستقلة ولكن طريقتها في عرض الاحداث والموضوعات جعلها تبدو وكأنها تعمل دون سيطرة او توجيه من احد, مع ان الحقيقة غير ذلك تماما. الاذاعات العربية تخضع للسيطرة وعن امكانية قيام الاعلام العربي بالمنافسة لهذه الاذاعات الموجهة ترى الدكتورة جيهان رشتى ان الاذاعات العربية لاتستطيع منافسة هذه الاذاعات, لانها تخضع لسيطرة ورؤية اعلامية رسمية لايمكن تجاوزها, اي ان هناك خطوطا حمراء امام الاذاعات العربية, اذا كنا نريد المنافسة لابد نعطي اذاعاتنا الحرية الكاملة, وان يتم تطوير ادائها بحيث تكون هناك تغطية سريعة للاحداث وتقديم تفسير اعلامي لها والتعليق عليها, ووضع هذه الاحداث في اطار له معنى تجعل المستمع يفهم الحدث مما سبقه ومما قد يليه, وان تقوم الاذاعات العربية بعرض الرأي والرأي الآخر, وعدم انتظار موافقة المسئولين لاذاعة الاحداث, لابد ان نفهم ونعرف لمن نتوجه برسالتنا الاعلامية والاذاعية حتى يكون تأثيرنا قويا, وعندنا تجربة اذاعة صوت العرب في عهد الراحل جمال عبدالناصر, فقد كان الخطاب الاعلامي الموجه للشعوب العربية يلقى قبولا كبيرا لانه كان يقول لهم مايريدون سماعه وغلب على المضمون الاذاعي لصوت العرب الحماس وهو ما كان مطلوبا في ذلك الوقت, لقد حدث تغيير كبير في الوطن العربي بسبب صوت العرب وكاريزما عبدالناصر. تخدم اهدافا محددة اما الدكتور شاهيناز بسيوني استاذة الاعلام بكلية الاعلام بالقاهرة فهي ترى ان جميع الاذاعات الموجهة تخدم اهدافا محددة وتتبع الخط السياسي للدول التي تصدر عنها, وان غالبية البرامج التي تقدم من خلال هذه الاذاعات تقوم بتحقيق هذا الغرض, فليس هناك اذاعة موجهة تعمل هكذا لخدمة المستمع فقط, ولكن هذا الامر يختلف من اذاعة موجهة الى اخرى فمثلا اذاعة مثل موسكو تقدم برامجها من صورة دعائية فجة مباشرة ولذلك فهي لاتلقى قبولا لدى المستمع بعكس اذاعة الـ b.b.c التي تقدم برامجها في شكل مدروس لخدمة توجهات معينة وبحيث تكون هناك صعوبة في اكتشاف هذه التوجهات من قبل المستمع العادي, ولكن الامر يختلف بالنسبة للمتخصصين والعاملين في مجال الاعلام فهم لديهم القدرة على اكتشاف هذه التوجهات, ايضا لتكسب اذاعة الـ b.b. c. اهميتها من كونها تبث برامجها على موجة متوسطة وبالتالي ارسالها مسموع وواضح, كما انها تبث لبعض الدول على موجة الـ f.m التي تقدم ارسالا اوضح حتى من الذي تقدمه الاذاعات المحلية كما انها اكتسبت مصداقية كبيرة من السرعة الفائقة في متابعة الاحداث من خلال شبكة المراسلين التي تغطي معظم المناطق الجغرافية في العالم, بالاضافة الى ذكائها في التعامل مع جمهور المستمعين في الوطن العربي فهي تقوم من وقت لآخر بعمل دراسات علمية لقياس رغباتهم ولذلك نجد الـ b.b.c. في الفترة الاخيرة ادخلت فترات طويلة من البرامج الغنائية واصبحنا نجد اغنيات مصطفى قمر وعمرو دياب وغيرهم الى جوار اغنيات ام كلثوم وعبدالحليم لان قياسات الرأي عندهم وجدت ان هناك اقبالا من فئة الشباب على هذه النوعية من الاغنيات, هذا ذكاء الـ b.b. c. اما الحديث عن الاستقلالية للاذاعة فلا يوجد, فالاذاعة تمويلها حكومي وليس قطاع خاص وهي تخدم التوجهات والمصالح العليا لبريطانيا وهناك تعليمات مستمرة تصلها من المسئولين البريطانيين واتحدى الـ b.b.c. ان تذيع برنامجا يتفق مع الموقف الفرنسي في معركته الحالية مع بريطانيا فيما يتعلق بازمة اللحوم. خدمة قضايا التحرر وحول امكانية ان تقوم الاذاعات العربية بمنافسة الاذاعات الموجهة تقول الدكتورة شاهيناز بسيوني في الخمسينيات من هذا القرن نافست مصر من خلال اذاعات صوت العرب وغيرها لانه في تلك الفترة كانت هناك قضايا التحرر الوطني في الدول العربية والافريقية, وكانت الـ B.B.C تمثل بالنسبة للمستمع العربي صوت المستعمر, ولذلك حققت الاذاعات المصرية في ذلك الوقت نجاحا ملحوظا في خدمة قضايا التحرر الوطني, ولكن الحديث عن المنافسة الآن فنحن لن نستطيع ذلك الا من خلال تدريب كوادر اعلامية تستطيع تقديم خدمة اعلامية متميزة فيها الرأي والرأي الآخر, فيها التغطية السريعة للأحداث, كوادر اعلامية تستطيع ان تعد رسالة اعلامية موجهة لا أهدافا محددة وترتكز على مرتكزات معينة وبأسلوب لا يعتمد على الدعاية الفجة, لابد ان يكون لدينا مكتبة اعلامية الكترونية كبيرة يعتمد عليها الاعلامي لتقديم المعلومات الفورية, ايضا نريد المعد المثقف الفاهم لطبيعة الاعداد الاذاعي كما ينبغي. مصداقية كبيرة وتوضح الدكتور شاهيناز بسيوني انه ومما لا شك فيه ان الاذاعات الموجهة الدولية ومن بينها اذاعة الـ B.B.C قد حققت مصداقية كبيرة عند المستمع العربي, وان هذه المصداقية لم تأت من فراغ, ولكن من خلال قيام هذه الاذاعات بتقديم الأحداث والأخبار بصورة سريعة وشاملة, في الوقت الذي يرى المستمع العربي ان اذاعاته لا تشفي غليله ولا تقدم له ما يحتاجه من معلومات عن الأحداث, كما تتأخر عليه في تقديم التغطية الاخبارية وعندنا الامثلة الكثيرة على ذلك مثل حادث الطائرة المصرية, والاحداث الخاصة بالعمال المصريين في الكويت, لقد لجأ المستمع المصري والعربي الى الاذاعات الموجهة حتى يعرف آخر التطورات لأنه وجد تأخرا واضحا في متابعة الاعلام العربي والمصري لها, ان الممارسة الاعلامية العربية غير سليمة ولم تعد في عصر السماوات المفتوحة والقنوات الفضائية وشبكات الانترنت وغيرها, لابد من اعادة النظر وتقييم اعلامنا واذاعاتنا العربية وايجاد الحلول لحالة البطء في التغطية التي يعاني منها الاعلام العربي. وتعتقد الدكتورة شاهيناز بسيوني ان دور الاذاعة لم يتراجع في عصر الفضائيات العربية والعالمية, بل ان كل ما حدث هو اتجاه الاذاعة الى برامج المحليات والخدمات التي تستحوذ على اهتمام قطاعات كبيرة من جمهور المستمعين, ايضا الاذاعة لم يتراجع دورها لأنه مازالت هناك نسبة كبيرة من الامية بين المتلقين العرب وهناك من لا يملكون الاطباق الفضائية وهؤلاء جميعا لا يجدون ضالتهم في الاذاعة.