اللواء معاش خالد حسن عباس, أحد رموز العهد المايوي في السودان وأول وزير دفاع في حكومة جعفر نميري بعد استيلائها على السلطة في مايو 1969 والتي أطيح بها في انتفاضة ابريل 1985.. التقته (البيان) في حوار طويل وصريح كشف فيه الكثير عن أسرار مايو, ما لها وما عليها, وعن الانقلابات وأبرزها حركة الشيوعيين في يوليو 1971 وتحدث عن الجنوب وأوضاعه مشيرا إلى انه هو أحد أسباب قيام حركة مايو وعن المصالحة مع المعارضة أيام فترة حكم نميري والتي قال عنها انها لم تكن جادة بعكس رغبة جعفر نميري, وتناول في حواره علاقة مايو بالاخوان المسلمين ومشاركتهم في الحكم, وعن حكومة الانقاذ الحالية برئاسة الفريق عمر البشير قال انها لا تختلف عن مايو حيث التحرك العسكري يجمع بينهما ولكن الفرق الوحيد ان مايو كانت متفتحة بعكس حكومة الانقاذ التي حصرت تعاملها مع الاسلاميين. وقال اللواء معاش خالد حسن عباس في حواره مع (البيان) انه يرى المبادرة المصرية الليبية المشتركة فرصة لا تعوض لحل الأزمة السودانية معتبرا اياها مخرجا من التدويل الذي يوشك ان يقع فيه السودان. وكشف اللواء (م) خالد وهو حاليا نائبا لرئيسه السابق جعفر نميري في تنظيم قوى الشعب العاملة (المتوالي) الكثير عن أسرار تلك الفترة ودوره في استعادة السلطة بعد انقلاب الشيوعيين الذي استمر ثلاثة أيام. وتحدث عن الاعدامات وعن اخفاء الشيوعيين لزعيمهم عبدالخالق في مكان لا يخطر على بال أحد وهو القصر الجمهوري بجوار مكتب نميري في وقت تكثف فيه قوات الأمن البحث عنه, كما تناول في حواره اخطاء مايو والأسباب التي أدت الى الاطاحة بها في انتفاضة ابريل وفيما يلي نص الحوار: * إذا افترضنا ان قضية الجنوب كانت السبب في تحريك انقلاب مايو فالمعروف ان مايو جاءت ترفع ايديولوجية محددة ولا تخفى واجهتها الشيوعية؟؟ ـ مايو جاءت ولم يكن لها اتجاه كما يدعى بعض الناس لأن تنظيم الضباط الأحرار كان تنظيما وطنيا لم ينتم أو يرهن قراره لأي حزب من الأحزاب, جائز في داخله تجد بعض الأعضاء لهم ميول لاتجاهات محددة, ولعل الحديث عن شيوعية مايو سببه وجود بعض الضباط الشيوعيين داخل قيادة مجلس الثورة ومجلس الوزراء, لكن ذلك لم يكن يعني سيطرة من هذا الحزب على التنظيم أو توجيه نشاطه بدليل انه في سبتمبر 1969 عندما أعلن بابكر عوض الله (عضو مجلس قيادة الثورة في مايو ورئيس مجلس وزرائها) ان السودان لا يمكن ان يحكم بدون الشيوعية فإن مجلس الثورة اجتمع وقام باعفاء بابكر عوض الله من مناصبه, ولذلك فإن دخول بعض الأفراد في مجلس قيادة الثورة من المنتمين للحزب الشيوعي كان من منطلق قدراتهم الشخصية وليس من منطلق حزبي لأنه لم يكن هناك حزب يملك امكانية توجيه قيادات مايو في أعلى السلطة أو يستطيع فرض برنامج على مايو أضف إلى ذلك ان الحزب الشيوعي نفسه كان محلولا مثله مثل بقية الأحزاب التي صدر قرار بحظرها. * بهذه المناسبة يقال ان الرائد فاروق حمد الله لم يكن شيوعيا لكن في أحداث يوليو 1971 تم اعدامه ضمن الشيوعيين؟ ـ فاروق وبقية العسكريين لم يعدموا لأنهم شيوعيون ولكن قانون القوات المسلحة كان واضحا, وأقول بكل الصدق ان فاروق بالنسبة لي زميل ودفعة في الكلية وأكثر الناس نشاطا وحركة في العمل وتنظيم الضباط الاحرار, لكن في الفترة الأخيرة, نجح الشيوعيون في استمالته كما فعلوا مع عدد كبير من الكوادر, وأحب ان أشير هنا إلى ان فاروق حمد الله عندما كان وزيرا للداخلية أول ناس جمع منهم السلاح كان من الشيوعيين وفاروق لم يعدم لأنه شيوعي ولكن لأنه شارك في عملية أو انقلاب وتمت محاكمته بموجب قانون القوات المسلحة. المجازر * من الأحداث التي لا ينساها الناس ضرب الجزيرة أبا ومجاذر ودنوباوي مارس 1970 والتي انتهت بقتل الامام الهادي ومطاردة الانصار اكبر تيارات المواجهة الاسلامية في ذلك القوت ضد مايو وقادتها لماذا حرصت مايو على ضربهم وقتل الامام الهادي؟ ـ لم يكن لنا عداء ضد الانصار, بل كنا في غاية الحرص للقاء الإمام الهادي والتفاكر معه وأرسلنا له مناديب وزارة وفد برئاسة الرائد فاروق عثمان حمد الله وأبو القاسم محمد ابراهيم والتقوا به وبارك اللقاء وخرج رافعا يداه معهم, لكن حدثت بعد ذلك مستجدات واتصالات. * الشريف حسين الهندي الذي هرب إلى أثيوبيا واستطاع اقناع الامام الهادي بضرورة المقاومة مما عقد الامور بين مايو والانصار, لكن مايو ليس لها أصلا عداء مع دين من الأديان أو طائفة من الطوائف لا مع الأنصار ولا مع الختمية, أما محمد عثمان الميرغني زعيم الختمية كان من أوائل الذين أيدوا مايو. * مايو مرت بعدة منعطفات في تاريخها ما هو أحرجها؟ ـ أنا شخصيا أعتقد ان أكثر الأحداث التي مرت بها مايو وكانت لها تأثير عليها هي أحداث يوليو 1971 وهي حركة الشيوعيين لأنها ترتبت عليها أشياء كثيرة على مسيرة مايو واعتقد ان الشيوعيين كانوا قد اخطأوا خطأ كبيراً بهذه المحاولة طبعا استفادوا ان جزءاً منهم كان داخل تنظيم الضباط الاحرار وعرف كل صغيرة وكبيرة عن نشاطه وكوادره وبقية الاعضاء ولذلك عندما قادوا تحركهم في 1971 كان أكثر ناس تعرضوا للتصفية هم أعضاء تنظيم الضباط الأحرار في مجازر بيت الضيافة التي حدثت في تلك الايام كان 90% من الذين تم قتلهم داخل الغرف هم أعضاء التنظيم من الضباط الاحرار الذين قام الشيوعيون في وقت سابق باعتقالهم واحتجازهم في بيت الضيافة ومعظهم كانوا من الكوادر القيادية في تنظيم الضباط الاحرار لذلك فإن 1971 كانت أكثر الأحداث تأثيرا على مسيرة مايو. * هل صحيح ان الشيوعيين في تلك الأيام كانوا من الجرأة بمكان وانهم كانوا يخبئون عبدالخالق محجوب السكرتير العام للحزب الشيوعي داخل القصر الجمهوري ـ جوار نميري ـ بينما تبحث عنه أجهزة أمن مايو في الأرياف؟ مخبأ القصر ـ الحقيقة ان كل هذا يرجع لشيء واحد وهو ان قائد الحرس الجمهوري كان المرحوم أبو شيبة وهو من كوادر الشيوعيين المستترة وكل ما كنا نعرفه عنه انه ضابط ملتزم في تنظيم الضباط الاحرار ولم يخطر ببالنا لحظة الشك فيه ولعله استفاد من هذه النقطة وبدونها ليس بالامكان استطاعته اخفاء عبدالخالق داخل القصر الجمهوري ولكن استغل الشيوعيون وضع ابو شيبه وقربه من قيادات تنظيم الضباط الأحرار ومشاركته في مايو لتنفيذ هذه الخطة التي لم تكن تخطر ببال أحد. انقلاب الشيوعيين * بحكم قربك من أحداث 1971 التي استطاع خلالها الشيوعيون الاستيلاء على الحكم لثلاثة أيام ما الاسباب التي ادت لأن تخرج الأمور من أيديهم من جديد؟ ـ الثلاثة أيام كانوا فيها في حالة من الوجل, وبقاؤهم خلالها ليس من موقع قوة أو استيلاء على الأمور ولكنهم لأنهم كانوا قادة للقوات المسلحة أول شيء أن حركتهم لم تجد تجاوباً من الشارع منذ اللحظة الأولى ولم تجد تجاوباً من القوات المسلحة. قوات من سيناء * في ذلك الوقت كنت وزيراً للدفاع عندما وقعت أحداث يوليو 1971 ما هو الدور الذي قمت به؟ ـ أنا في الحقيقة عندما بدأت هذه الحركة كنت في لندن وكنا في تلك الفترة نناقش مع السلطات البريطانية موضوع مشاريع السكر وحقيقة كنت في رحلة اقتصادية أكثر منها عسكرية وكنا من المفترض ان نتحرك الى يوغسلافيا ومنها الى الاتحاد السوفييتي حيث علمت بما يجري داخل السودان, ومن بلجراد بدأنا التحرك ورجعت للقاهرة حيث كانت لنا قوات موجودة في الجبهة (في سيناء) واتصلت بالرئيس المصري انور السادات وأخبرته بأننا نطلب هذه القوات لترجع السودان وبالفعل وافق الرئيس السادات على طلبنا, وتم حشدها للتحرك للخرطوم في يوم 22 يوليو وهو نفس اليوم الذي حدث فيه التحرك الداخلي وأدى لاعادة مايو فرجعنا نحن يوم 23 يوليو وهذه القوات ساعدت في اعادة السيطرة. حماد * يقال ان اعادة مايو يرجع الفضل فيها لتحركات قادها الضابط حماد الاحيمر وهو ليس من المايويين؟ ـ حماد الاحيمر يعتبر من كوادر صف الضباط الذين اشتغلوا معي فترات طويلة جداً وكان معي في مدرسة المدرعات وأحد المعلمين منذ أن كان في رتبة الوكيل عريف الى ان وصل الى رتبة الرقيب داخل مدرسة المشاة ولعلمك حماد الاحيمر كان جزءا من التنظيم وكانوا على صلة بنا وكان أكثر شخص عمل في حماية الرئيس نميري ولذلك فان الرد الذي قام به باعتباره جزءا من مايو. * من المفارقات ان أحد الضباط الذي شاركوا في اعادة مايو للحكم في 1971 شاركوا ايضاً في انقلاب لاسقاطها في 1975م ومن بينهم حماد الاحيمر هل بدل هؤلاء قناعاتهم في مايو؟ ـ حماد الاحيمر في 1975 اشترك في حركة المقدم حسن حسين وربما هنا تغلبت عليه العنصرية أو بعض الاخطاء في القوات المسلحة في التعامل مع الناس لأن حماد الاحيمر حتى عندما التقى به أبو القاسم محمد ابراهيم (عضو مجلس قيادة ثورة مايو السابق), وكان حماد يسيطر على مباني الاذاعة في ذلك الصباح (5 سبتمبر 1975) اعتقد ابو القاسم انه جاء للدفاع عن مايو ومواجهة المجموعة الانقلابية وحاول مصافحته حتى خرج الاحيمر من دبابته ووجه بندقيته لأبي القاسم قيادة الحرس الذي كان مرافقاً لأبي القاسم باطلاق النار عليه في تلك اللحظة عرف أبو القاسم لأول مرة أن الاحيمر مع المجموعة الانقلابية, لكن أنا شخصياً وحتى هذه اللحظة اعتقد أن حماد الاحيمر كان هناك خطأ ادى لانضمامه للجهة المناوئة. الغزو * في أحداث 1976 استطاعت الاحزاب الاستيلاء على السلطة لكنها افتقدتها في وقت وجيز كيف كنت تراها؟ ـ أحداث 1976 كانت غزواً من الخارج تم الاعداد له في ليبيا نسبة لظروف كانت حادثة في ذلك الوقت أدت الى سوء العلاقات بين ليبيا والسودان, لكن أعتقد أنه في 1976 كانت جبهتنا الداخلية متماسكة, وزيادة على ذلك ان يأتي غزو من الخارج ويستهدف القوات المسلحة في الأول أي أنه كان أكبر خطأ قاموا بارتكابه لأنهم بدأوا عمليتهم بمحاولة القضاء على الوحدات المسلحة. المصالحة * مصالحة 1977 لاتزال (لغزا بلا تفسير) ما هي اجندتها ولماذا لم تقد الى وفاق مع المعارضة؟ ـ انا اعتقد أن بعض الناس الذين دخلوا المصالحة كانوا غير جادين وفي تقديري أن نميري عندما طرح موضوع المصالحة وجد معارضة كبيرة من قبل قيادات مايو الحريصة, لكن نميري كان يرى ان الانتصار الذي حققته القوات المسلحة وحققه الشعب السوداني يوجب على كل الأطراف أن تنضم له وتنسى خلافاتها ومرارات الماضي وتندمج في العمل الوطني لكن اعتقد أن بعض المتصالحين لم يدخلوا بنوايا صادقة وانما كان هدفهم الأساسي الاستفادة في وجودهم داخل التنظيم للتخريب وكان هذا سبب فشلها. شروط المعارضة * هل تمت المصالحة بشروط لم تلتزم مايو بالايفاء بها؟ ـ لم تتم بأي شرط وحتى المتصالحين كان أغلبهم يرى أن الصادق المهدي رئيس حزب الأمة المعارض حالياً قد انفرد بهذا القرار دون الرجوع لبقية القيادات رغم ان المصالحة تم تقديمها لكل الناس بدليل أن الإخوان المسلمين (الحركة الاسلامية الحاكمة الان) انضموا لها في ذلك الوقت مع الصادق سوياً. النقابات والاحزاب * اللواء (م) عمر محمد الطيب النائب الأول للرئيس نميري كان شاهداً على تطور الأحداث لكنها ظلت تتصاعد حتى اسقطت مايو هل ضعف القيادة علامة بزوال مايو وفشل وسائلها في اضعاف الانتفاضة؟ ـ هذا الذي تقوله يعتبر أحد الأسباب, أن الذين كانوا موجودين لم يكونوا في مستوى المسئولية التي ينبغي أن تكون متوفرة فيهم لأن انتفاضة 1985 كانت حدثا شبيهاً لما حدث في 1975 لكن كان وزير الدفاع آنذاك اللواء الباقر هو النائب الأول وكانت القيادة الموجودة بمستوى المواجهة لمواجهة الاحداث في 1975. خيار التعددية * يقال ان تسجيل مايو كحزب قد وجد معارضة من قبل الكثيرين من قياداتها لماذا انقسم المايويون الى مجموعة مؤيدة للتوالي السياسي واخرى رافضة له وثالثة فضلت الاندماج في الانقاذ؟ ـ نحن لن نحجر على احد في اتخاذ الموقف الذي يراه مناسبا له, نعم هناك مجموعة من انصار مايو لاتزال ترفض تسجيل مايو كحزب سياسي واخرى اندمجت في الانقاذ ولكل مجموعة الحق في اتخاذ القرار الذي تراه مناسبا لان مايو ليست طائفة لكنها مجموعة افكار. المحاكمات * بعد انقضاء 14 عاما على سقوط مايو مازال البعض يطالب بمحاكمتها خاصة في احداث الجزيرة ابا؟ ـ نحن جاهزون للمحاكمة ان كانت هناك تهم والحقيقة التي يجب ان يعلمها الجميع ان الاحزاب عندما جاءت للحكم بعد 1986 طالبت بمحاكمة مايو وعقدت محاكم لقياداتها ولم تستطع ادانة واحد منا بخلاف تهمة فرق الدستور في مايو 1969 في اشارة الى التحرك الذي قاده الضباط الاحرار واطاح بنظام حكمها لكن لم يستطيعوا محاكمة واحد من قياداتها بتهمة الفساد رغم طيلة بقائها ( اي مايو) في السلطة التي امتدت الى نحو 16 عاما كأطول فترة حكم في تاريخ السودان لم تتوفر لاي نظام آخر حتى الآن. الوفاق * نسأل عن رأيك في المبادرة الليبية المصرية لتحقيق الوفاق؟ ـ اعتقد ان مصر وليبيا هما اكثر الدول معرفة بطبيعة مشاكل السودان ولذلك فإن هذه المبادرة تحتاج الحكومة والمعارضة الى اقتناصها كفرصة لايجاد حلول لمشاكل السودان خاصة وان طبيعة التدويل التي اخذت تتميز بها طبيعة العلاقة بين الحكومة والمعارضة قد تقود الى جر البلاد الى شرور كثيرة في ظل مناخ الاستقطاب الحادث الآن والامر يحتاج من الطرفين حكومة ومعارضة الوعي بطبيعة المخاطر وتقديم تنازلات لمصلحة السودان وضمان وحدته وصيانته من التمزق والاحتراب واحداث استقرار سياسي يفتح المجال أمام التنمية والتطوير لمصلحة المواطن البسيط ولا اعتقد انه يوجد خلاف في هذه النقطة بين الطرفين. خالد حسن عباس جعفر نميري عمر محمد الطيب ابوالقاسم محمد ابراهيم فاروق حمدالله او هاشم العطا او عبدالخالق محجوب