احمد قريع (أبو العلاء) عضو في اللجنة المركزية لحركة فتح ومدير عام الدائرة الاقتصادية لمنظمة التحرير الفلسطينية ومؤسسة صامد الاقتصادية التابعة لفتح قبل ان يصبح رئيس أول مجلس تشريعي فلسطيني, لكن هذا التاريخ لم يدفع به الى دائرة الاضواء مقارنة بدوره في اتفاق أوسلو . شارك في غالبية المفاوضات التي تلت أوسلو حول اتفاق باريس الاقتصادي وأوسلو ـ 2 وواي ريفر.. ومن واقع خبرته في كل ما جرى قال بعد ثماني سنوات على مؤتمر مدريد: ان الفلسطينيين ذهبوا لهذا المؤتمر كي لا تضيع (فرصة الانتفاضة) , اضافة لكسر عزلة المنظمة بعد حرب الخليج, مشددا على ان المنظمة وافقت على الذهاب للمؤتمر بعد قرار كافة الاطراف العربية ومن ضمنها سوريا. وطالب أبو العلاء بقمة عربية أو حتى لجنة عربية تلزم الوفد الفلسطيني للمفاوضات النهائية بخطوط حمراء لا يقدر على تجاوزها في مواضيع أهمها القدس.. والى نص الحوار: * لماذا ذهبنا لمؤتمر مدريد للسلام بالشروط القاسية المفروضة علينا آنذاك؟ هل كانت مدريد فرصة تاريخية حيث نضجت المعطيات الدولية لتسوية سياسية, أم انها كانت بالنسبة لمنظمة التحرير فرصة لانقاذ الرقاب بعد ان اشتدت حولها الحبال وفرصة لانقاذ المنظمة من عزلتها المتفاقمة بعد حرب الخليج؟ ـ كانت هناك مجموعة متشابكة من العوامل أدت بنا للمشاركة في مؤتمر مدريد للسلام, ولا يمكن الحديث عن عامل واحد وحيد كان وراء المشاركة الفلسطينية في ذلك المؤتمر, الانطلاقة. كان لابد ان نسعى أولا لجني الثمار: ثمار الكفاح الفلسطيني الطويل الذي قادته منظمة التحرير وفصائلها الوطنية حيث قدمنا آلاف الشهداء ولم يتوقف شلال الدم يوما واحدا, حسب التعبير المحبب للرئيس أبو عمار, وكان لابد ان نسعى لقطف ثمار الانتفاضة وتضحياتها وهي الحدث الذي هز العالم بأسره وكان الابداع الفلسطيني المتميز في مجرى نضالنا الطويل, وسيكون الامر مأساويا لو تحولت الانتفاضة الى فرصة ضائعة مثل العديد من الفرص الضائعة في تاريخنا العربي والفلسطيني, فمن يزرع لابد ان يحصد. هذا هو العامل الأول الذي دفع بنا في مجلسنا الوطني لاقرار مبدأ واضح وهو مشاركة المنظمة في أي مؤتمر دولي يبحث قضية فلسطين, اذ لا مجال لأي موقف سلبي في هذا الصدد. أما العامل الثاني فهو المتغيرات العربية والدولية التي فرضت نفسها ودفعت بالجميع لاعادة الحسابات وقراءة الواقع القائم من منظور مختلف, وخاصة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي الذي كان صديق العرب وكانوا يبنون عليه آمالا كبيرة لاحداث التوازن مع واشنطن ـ حليفة اسرائيل ـ ولعلك تذكر محاولات الوصول لمؤتمر دولي لبحث قضية فلسطين باصرار سوفييتي في ذلك الزمان ولم يتحقق ذلك لمعارضة اسرائيل وواشنطن. ولا أنكر حرب الخليج ونتائجها وحتى لا نغطي وجوهنا بالغربال قد ساهمت في عزلة المنظمة وفي حصارها ماليا خاصة من الدول الداعمة تقليديا للمنظمة منذ عقود من الزمن وأقصد دول الخليج وعلى رأسها المملكة العربية السعودية. هذه الدول أوقفت دعمها للمنظمة وصارت المنظمة معنية بفك عزلتها وحصارها, نعم حدث ذلك وهو أحد عوامل المشاركة في مدريد لكنه ليس العامل الوحيد. ولا تنس شيئا هاما وهو ان منظمة التحرير كانت آخر الاطراف العربية التي أعطت الموافقة على المشاركة في مدريد, وقمنا بمساومات عديدة متواصلة مضنية للحصول على أفضل شروط المشاركة. * لكن السوريين يقولون انهم آخر من أعطى الموافقة على الذهاب لمدريد وطلب مني مسؤول سوري كبير ان اراجع الارشيف للتأكد من ذلك؟ ـ أرجو ان تدقق في ذلك, لقد قمنا باعطاء الموافقة لوزير الخارجية الامريكي جيمس بيكر بعد الجميع, وكانت لديه موافقة سورية, أما صدور التصريحات الرسمية فذلك موضوع شكلي, كان لدى الوزير الامريكي موافقة سوريا قبلنا, وانت تعرف ان الكل وافق على الذهاب لبحث السلام النهائي مع اسرائيل, الا نحن فقد ذهبنا للتفاوض على مرحلتين: انتقالية ونهائية. * في دراسة منشورة لزيد الرفاعي رئيس الوزراء الاردني الاسبق قال ان الاردن في عهد رئاسته للوزارة رفض في مفاوضاته مع الادارة الامريكية أواسط الثمانينات وبعد الاتفاق الاردني الفلسطيني, فكرة التفاوض على مرحلتين: انتقالية ونهائية الا اذا كان واضحا قبل الانطلاق طبيعة ونتائج المفاوضات النهائية, فاروق الشرع وزير الخارجية السوري قال لي ان دمشق اعترضت على مسألة المرحلتين في حوارها مع جيمس بيكر أثناء جولاته المكوكية, وقال لهم بيكر: (الفلسطينيون وافقوا على ذلك وانتهى الموضوع) .. كيف تقول في ذلك؟ ـ الذهاب للتفاوض على مرحلتين ليس وليد مؤتمر مدريد. لنعد للوراء قليلا فقد كان مطروحا بعد حرب اكتوبر وعند بدء التشاور مع مصر بأن يشارك الفسطينيون في اطار وفد عربي عبر شخصيات معينة وعلى مستوى منخفض ولا يكون لهم علاقة مباشرة كقيادات في منظمة التحرير. جاء اتفاق كامب ديفيد وتحدث عن مرحلة انتقالية وكان مناحيم بيجن يتحدث عن حكم ذاتي للسكان وليس الأرض, الى ان وصلنا للمحادثات حول مدريد واكتشفنا استحالة التفاوض على كافة الامور الصعبة والمعقدة مرة واحدة, فذلك ليس في صالحنا مع وجود اختلال في موازين القوى. عتاة اليمين الاسرائيلي هم الذين احتجوا على وجود مرحلة انتقالية يأخذ خلالها الفلسطينيون الارض ويبنون وجودهم وكيانهم ثم يذهبون لمفاوضات قضايا الوضع النهائي أقوياء, ولهذا طالب ارييل شارون بالغاء الانتقالية, وهذا ما دعا له بنيامين نتانياهو منذ اليوم الأول لوصوله للسلطة, وهذا ما يحاول, بالمناسبة, القيام به ايهود باراك الآن. * لكن ما حدث على الأرض نسف فلسفة أوسلو: فلسفة المرحلة الانتقالية التي نأخذ فيها الأرض والوجود ونبني معالم الكيان.. ها نحن نقترب من دخول مفاوضات المرحلة النهائية قبل ان يكون بأيدينا نصف أرض الضفة الغربية على أقل تقدير.. ما رأيك في ذلك؟ ـ هذا موضوع آخر, أنا لست نادما في التفاوض الذي شاركت فيه حول المرحلة الانتقالية, لكن المشكلة من شقين: الشق الأول هو عدم التزام اسرائيل بتنفيذ ما نتفق عليه, والشق الثاني هو قبول الطرف الفلسطيني التفاوض حول ما تم الوصول لاتفاقات بشأنه. انني ضد اعادة التفاوض على أية قضية تم التفاوض حولها, تحت أي ظرف من الظروف, لسبب بسيط ان ذلك سيؤدي حتما لتنازلات جديدة والا لماذا يطلبون اعادة التفاوض لو كانوا سينفذون ما هو منصوص عليه في الاتفاقات. * هل لديك أمثلة محددة؟ ـ نعم, اتفاق الخليل الذي كان نتاج اعادة تفاوض في بداية عهد نتانياهو أسوأ من الاتفاق الانتقالي حول الخليل. * أين هي بالضبط الفروق بين الاتفاقين؟ ـ لا ضرورة للحديث في التفاصيل, اتفاق غزة ـ أريحا أسوأ من اتفاق اعلان المبادىء. اتفاق شرم الشيخ أسوأ من اتفاق واي ريفر, اعادة التفاوض على قضايا تم التفاوض عليها ربما فرضتها ظروف معينة, لكنها في الحقيقة ليست لصالحنا ولهذا اعتقد انه لا يجوز قبول مبدأ التفاوض على قضايا تم التفاوض عليها. لو كان لدينا اصرار على ذلك واكتشف الطرف الآخر اصرارنا النهائي, لربما تغيرت الامور. * لقد ذهبنا لمدريد, وقبلت المنظمة استثناء نفسها بنفسها في حينه وقبلت استثناء القدس وتمثيل الشتات ايضا. هل كان هناك خوف من قبول فلسطينيين آخرين المشاركة في مدريد متمردين على المنظمة وهل كانت هناك امكانية لانعقاد المؤتمر دون الفلسطينيين؟ ـ كان لابد لنا من المشاركة وليس المقاطعة, القراءة الدقيقة للمرحلة التاريخية أملت علينا المشاركة في مؤتمر مدريد, حتى نؤكد اننا جزء من حقائق المنطقة التي قبلت مدريد وأصبحت مدريد ممرا اجباريا بتوافق العالم بأسره. كيف سنقف ضد هذا التيار الجارف ولماذا نقف طالما أننا امام فرصة تاريخية غير مسبوقة لطرح قضيتنا بأنفسنا امام العالم بأسره. * لقد دققت في قرارات المجلس الوطني, سبتمبر 1991, التي نعتبرها الأساس الشرعي الفلسطيني الذي اتاح لنا المشاركة في مؤتمر مدريد. هناك ستة شروط وضعها المجلس الوطني ولم يتم تحقيقها, أليس كذلك؟ ـ كانت تلك شروط التفاوض وليست شروط الذهاب للمؤتمر وهي شروط الحد الاعلى كما تعرف وقد حققنا منها ما استطعنا تحقيقه. * دعنا ننتقل لأوسلو: ما صحة ما يقال ان القيادة في تونس دفعت الوفد الفلسطيني المفاوض في واشنطن للتشدد من اجل دفع الأمور في أوسلو للوصول لاتفاق ولإشعار الاسرائيليين بأنه لا أمل بالوصول لأي اتفاق إلا مع قيادة المنظمة بشكل مباشر وحيث ستكون المواقف اقل تشددا, وذلك ما كتبه العديد من المفاوضين الاسرائيليين في رواياتهم لقصة أوسلو؟ ـ لا أعتقد ان هذا الاستنتاج تدعمه الحقائق, اذ حتى الأسبوع الأخير في أوسلو كان الاتفاق ان نقدم ما نتفق عليه كورقة للمتفاوضين في واشنطن للتوقيع عليه, وحدث التحول بعد أحاديث ومفاوضات الاعتراف المتبادل. التفاوض في واشنطن كان تفاوضا مع الاعلام والتفاوض في أوسلو كان تفاوضا حول القضايا الفعلية بعيدا عن الاعلام ولهذا نجحت أوسلو وفشل غيرها. * لكن واشنطن تم فيها عرض نقل الصلاحيات للفلسطينيين... لماذا لم يوافقوا على ذلك؟ ـ لم يحدث ذلك بالفعل. حتى الفترة الأخيرة في واشنطن كان روبنشتاين يرفض الحديث عن الشعب الفلسطيني ويستخدم مصطلحات يهودا والسامرة. حتى في مجال الشكل, ظلت المفاوضات حتى اللحظة الأخيرة تحت مظلة اردنية وهذه قضية شكلية لكن مضمونها سياسي, أي التنكر للوجود والكيان الفلسطيني. * لكنه استلم رسائل من الوفد في واشنطن تتضمن تعبيرات واضحة حول الشعب الفلسطيني والسلطة وغير ذلك؟ ـ نعم, لكن لم يكن هناك شيء محدد ملموس معروض على الطاولة حتى يقال اننا قبلنا أو رفضنا. تفاوض امام شاشات التلفزة حيث يؤكد كل طرف مواقفه وتبقى الهوة واسعة لا يمكن جسرها الا بمفاوضات هادئة بعيدة عن وسائل الاعلام. * كل شيء حول أوسلو منشور الآن وهو يشير لإمكانية ان ينتزع الفلسطينيون شروطا أفضل... هل اتفاق أوسلو أوطأ سقفا من فرصة أوسلو؟ ـ بعد الاتفاق, أي اتفاق, يمكن ان يقال هذا الكلام ويقال لو تشددنا في هذا الموضوع أو ذاك, لربما كانت النتائج أفضل. أهمية أوسلو انها حققت بعض الانجازات دون ان تفرط بأي حق من حقوقنا. * أما كان يمكن الاصرار, على سبيل المثال, على وقف الاستيطان الذي تصاعد في السنوات الست الأخيرة مستندين لعدم وجود نصوص تمنع ذلك؟ ـ لقد جرى التفاهم غير المكتوب على وقف الاستيطان, اسحاق رابين قال لأبوعمار بعد أوسلو مباشرة انني سأضع سياجا حول كل مستوطنة يبعد فقط خمسين مترا عن آخر بيت في المستوطنة. ومفهوم اننا حين نجلس للتفاوض حول قضايا الوضع النهائي فيجب ألا يقوم أي طرف بإجراءات تغير من الوضع قبل الجلوس على الطاولة. * ما قيمة ذلك طالما انه غير مكتوب؟ ـ لم نستطع إلزامهم بذلك كتابة لاعتبارات الوضع الداخلي لديهم. لقد قال لي نتانياهو, وأنشر ذلك لأول مرة: لماذا تثيرون هذه الضجة حول المستوطنات, انها لا تتجاوز 1% من مساحة الضفة الغربية, وحين راجعته مرة ثانية وذكرته بما قال تنصل وقال: لا تسجلوا عليّ كل كلمة. * أرجوا ان يتسع صدرك لبعض الملاحظات: يوري سافير في كتابه الأخير يقول انه لمس منك اعتدالا غير متوقع منذ أول جلسة في أوسلو, وأنك بدأت الحديث معه بأن العرب لم يحققوا لنا نحن الفلسطينيون أي شيء ونريد الاتفاق معكم وحين قرأ شيمون بيريز هذا الكلام طالب سافير بالاستمرار لأن الحصول على اتفاق أصبح أكثر امكانية؟ ـ سافير يتحدث لجمهوره بما يريد. قبل فترة قصيرة في ندوة (ست سنوات) على أوسلو قال سافير نفسه في مركز بيريز للسلام الذي نظم الندوة ان أبا علاء سألني في أوسلو: من أين أنت؟ قلت: من ألمانيا, قال: ما علاقتك بفلسطين, أنا أجدادي منذ آلاف السنين عاشوا في فلسطين, ويرقدون في أرضها. في اللقاء الأول بيننا كان الحديث عن الأمن وبشكل مبالغ فيه وقلت له: أنا أضحك عندما أسمعكم تتحدثون عن الأمن. قال: حينما يحدث انفجار في أية مدينة اسرائيلية لا استطيع النوم حتى تعود ابنتي للمنزل, بينما عندما تحدث معركة بين الجيش الاسرائيلي وأي جيش عربي فأنا لا أقلق على ابنتي, ومن هنا اهمية السلام مع الفلسطينيين, وقال لي ايضا: انني اشعر بالعار حين اذهب ممثلا لدولة الاحتلال, اريد ان اكون ممثلا لدولة اسرائيل الديمقراطية المتعايشة مع جيرانها. هذا كان محور الحديث وليس في ذلك حديث عن العرب, في الجلسات التالية اكدت له ولهم موقفنا بأن لنا عمقا عربيا سنعتمد عليه وهو يشكل الثقل الاستراتيجي. بالنسبة لسافير كان منصفا معي في الكثير من الامور ولكن هذه الواقعة ليست صحيحة وليس من الضروري ان أرد عليه فهو يكتب لجمهوره الاسرائيلي وحين اكتب روايتي قد لا يعجبه كثير من الامور. * لنعد لموضوع الأسرى: تقول روايات اوسلو ـ الاسرائيلية ـ انهم لم يشعروا ان الاسرى خط احمر بالنسبة للمفاوض الفلسطيني يستحيل تجاوزه ويعزون السبب بأن مفاوضي اوسلو من الخارج وليس لهم ابناء في السجون لذلك لا يعرفون المعاناة كما يعرفها اهل الضفة والقطاع؟ ـ اوسلو اعلان مبادىء, والتفاوض التفصيلي في اتفاق طابا تم فيه بحث الاسرى وكان المفاوض من الداخل والخارج. يجب ان نشير لتعقيدات مفاوضاتنا, اننا نفاوض قوة احتلال غير عادية وهذا امر لا يعرفه على حقيقته الا من يدخلون غمار مثل هذه المفاوضات القاسية ويبقى الامر نظريا بالنسبة للعديدين. لم اسمع من قبل بهذه المساومات على عذابات السجناء الا من المفاوضين الاسرائيليين الذين يقدمون صفقة متكاملة, والاسرى جزء من الصفقة التي تضم ازالة حاجز عسكري على سبيل المثال, لا يفاوضون حول الاسرى, أو غير الاسرى, كموضوع منفصل. لأعطيك وأعطي القراء مثلا ساطعا. لقد اتفق أبوعمار مع اسحاق رابين اتفاقا واضحا ان يكون هناك جندي فلسطيني مع الجندي الاسرائيلي على (الخشب) أي بداية نقطة العبور وحتى هذه اللحظة لم ينفذ ذلك, لا بيريز ولا نتانياهو ولا باراك. * لكن حجتهم ان ذلك غير مكتوب ولا قيمة قانونية له, كما يتحدثون حول الأسرى في واي ريفر على سبيل المثال؟ ـ لأننا ما زلنا في مرحلة انتقالية تحتاج للثقة, ليس ا لثقة بالمعنى المطلق بالطبع. في البداية قلنا لهم ان الهم الفلسطيني هو تحرير الارض وتحرير المواطن الذي يعني الاسير واللاجىء ويعني حرية التنقل والاقامة والحركة, وبالنسبة لكم فهو الأمن وأذكر انني قلت لارييل شارون: أنت كجنرال, تريد امنا لاسرائيل يمتد من اليمن حتى المغرب, لا بد لك ان تدفع الثمن واذا كنت تفكر بأن الامن الاسرائيلي يتحقق دون ذلك فأنت مخطىء, لا يتحقق أمنكم بضم كيلومتر هنا وآخر هناك في الضفة الغربية فهذا لا يحمي أمن أحد في عصر الصواريخ عابرة القارات. * ولكن في الاتفاق الانتقالي, بقيت قضية الاسرى غير محسومة... أليس كذلك؟ ـ أصبح هناك وضوح بإطلاق سراح المرضى وكبار السن وصغار السن وهم عدد كبير, ثم لجنة شئون الآخرين على ان ينتهي كل شيء قبل انتهاء المرحلة الانتقالية في 4 مايو 1999, جاء نتانياهو وتجمد كل شيء. * وفي واي ريفر لم يكن هناك نصا اصلا على الأسرى... لماذا حدث ذلك؟ ـ أثرنا الموضوع بقوة شديدة وغير عادية وتدخل الرئيس الامريكي بيل كلينتون وقال لي ولأبومازن حرفيا انه سيتدخل بشكل مباشر وسيحاول تطبيق نموذج ايرلندا وكانت أولبرايت تقف معنا في مواقفنا حول قصة الايدي الملطخة بالدم غير المقبولة لاحد في عصر السلام. * هل تعتقد انه من الصواب سياسيا ان ندخل مفاوضات المرحلة النهائية قبل استكمال تنفيذ استحقاقات المرحلة الانتقالية؟ ـ لايجوز ذلك اطلاقا. لابد اولا من استكمال استحقاقات المرحلة الانتقالية ومن ضمنها بل اهمها اعادة الانتشار الثالث (وليس النبضة الثالثة من اعادة الانتشار الثانية) , حسب الاتفاق لابد من اعادة كامل الارض في المرحلة الانتقالية باستثناء القضايا العالقة للتفاوض النهائي: المستوطنات, المواقع العسكرية المحددة والقدس. * لكن البعض ممن حاورتهم يقولون ان اتفاق اوسلو نفسه ينص على بدء مفاوضات المرحلة النهائية مع بدء السنة الثالثة من المرحلة الانتقالية اي ان المفاوضات تبدأ جنبا الى جنب: الانتقالية والنهائية؟ ـ هذا صحيح لو تم تنفيذ الاستحقاقات الانتقالية كما هو منصوص عليها, حيث تكون اعادة الانتشار الثالثة موضع التنفيذ ويكون الاسرى جميعا قد اصبحوا احرارا ومستحقات عديدة يكون قد تم الوفاء بها. * بالنسبة لمفاوضات المراحلة النهائية ... الا تعتقد ان المطلوب هو اعادة هيكلة التفاوض بما يتطلب وجود ممثلين لدول عربية يعيش اللاجئون فوق ارضها منذ نصف قرن على طاولة المفاوضات حتى يصلوا لحلول بمشاركتهم وحتى لا يحملوا الطرف الفلسطيني مسئولية التنازلات؟ ـ لست مع وجود مفاوضين عرب معنا على الطاولة ولكنني مع ماهو اكثر من التنسيق لتقييد ايدينا اذا صح التعبير: لا بد من موقف عربي اسلامي بالنسبة للقدس يكون خطا احمر لمفاوضنا يستحيل اجتيازه, القدس ليست قرارا فلسطينيا. لماذا لا تكون هناك قمة عربية لتحديد الموقف من القدس ومن اللاجئين ويكون ملزما لنا وللجميع, واوافق على القول الذي يتردد بان مفاوضات الوضع النهائي تؤثر على امن الدولة المحيطة, المستوطنات ليست خطرا على الفلسطينيين وحدهم, بل هي خطر على الأمن العربي. الموقف الاسرائيلي على سبيل المثال يقول ان الحدود مع الاردن اسرائيلية وغور الاردن منطقة عازلة وتحت سيادة الأمن الاسرائيلي, هذا خطر على الاردن فالحدود مع الاردن فلسطينية. لابد من مرجعية عربية ونتمنى وجود لجنة عربية تتمثل فيها الاردن ومصر وسوريا ولبنان وممثل عن دول الخليج وآخر عن دول المغرب العربي وتعمل بموازاة مفاوضات الوضع النهائي فذلك يعطي قوة للمفاوض الفلسطيني ونأمل ان ترى هذه الفكرة وأية افكار في هذا السياق, النور. * هل انت مع استفتاء شعبي فلسطيني لاقرار اية اتفاقات نهائية؟ ـ نعم, لان مثل هذا الامر عبء كبير لا تستطيع اية قيادة ان تتحمله منفردة, لابد من موافقة اغلبية الشعب الفلسطيني على مثل هذا الحل الذي يمس مستقبل اجيالنا القادمة. * دعنا ننتقل للمجلس التشريعي الذي تترأسه: استطلاعات الرأي العام الفلسطيني تشير الى عدم وجود تقدم في الرضا الشعبي عن اداء المجلس .. لماذا برأيك؟ ـ لانه لا يمكن ارضاء الناس جميعا. لقد سألت حول ذلك مجلس العموم البريطاني وعمره ثمانمائة سنة, سألت المسئولين فيه عن ظاهرة الاستطلاعات الشعبية بالنسبة لادائه, رأيت ان الاستطلاعات لديهم لاتعطيه نتائج افضل من المجلس التشريعي, رغم فارق الوعي والسبب ان المواطن يعتبر ان الموظف في السلطة التنفيذية تم تعيينه, اما النائب فهو خيار الشعب ويتوقعون منه اشياء كثيرة فهم الذين حملوه الامانة واختاروه باستفتاء شعبي .. انني بصراحة ودون تفاؤل راض عن اداء المجلس. * ما الذي انجزه المجلس التشريعي؟ ـ في اطار صلاحياته وهي صلاحيات واسعة خاصة في مجال التشريع والمحاسبة. ولكن وضعنا معقد. لدينا ستة انواع من القوانين: عثمانية وبريطانية ومصرية واردنية واومر عسكرية اسرائيلية كان الرئيس عرفات قد اصدر مرسوما بالغائها قبل العودة لارض الوطن, ولدينا مراسيم رئاسية تحمل صفة القانون ومن حق أي رئيس اصدار مراسيم يتم عرضها على البرلمان فيما بعد. توحيد هذه القوانين ليس عملية سهلة, لقد انجزنا سبعة وعشرين قانونا من القوانين الاساسية المهمة, لم يوقع الرئيس بعضا منها, حيث تم توقيع تسعة عشر قانونا وبقي تسعة قوانين ومع القانون الاساسي تصبح عشرة لم توقع بعد. القانون الاساسي هو كما تعرف دستور المرحلة الانتقالية وقانون سلطة القضاء لم يوقع ولدينا قوانين هامة تم انجازها تنظم عملية الاراضي في فلسطين وتضبط بيع وشراء الارض وقانون الاستثمار الذي وقعه الرئيس والموازنة والخدمة المدنية وكلها وقعها الرئيس, لدينا الآن ثلاثون قانونا تمت احالتها الى اللجان للشروع في دراستها وهذه انجازات كبرى لمجلس عمره ثلاث سنوات ونصف ويعاني من تعقيدات القوانين الموروثة وقد ساهم معنا مجموعة من الخبراء العرب والدوليين ولولا جهودهم لما انجزنا قانون استقلال القضاء وقانون الخدمة المدنية وغيرها من القوانين. شارك معنا خبراء مصريون لمدة ثلاثة شهور في ورش عمل ومناقشة حول القانون الاساسي وشارك معنا خبراء من جنوب افريقيا وامريكا واوروبا وكان لهم اثر كبير في انجازات المجلس. * وماذا عن تقارير الفساد التي تحدثت بها السلطة نفسها من خلال مؤسسة رقابة الدولة وتحدثت بها لجنة خاصة من المجلس التشريعي .. لماذا لم تحدث محاسبة لأحد؟ ـ انني اقارن الامور بطرح السؤال : ماذا لو لم يكن هناك مجلس تشريعي ... هل كانت الامور ستكون أفضل؟ * لماذا لاتطرحون الثقة بالوزراء الذين ظهر تقصير مرعب في ادائهم؟ ـ لا اريد الخوض في مثل هذا الامر, لكن وضعنا معقد ويجب ان نكون حذرين في اي تصرف يضعف السلطة في مواجهة تحديات المفاوضات. * ماذا تتوقع من نتائج تفاعلات المجتمع الاسرائيلي .. هل يتجه نحو اليمين وهل باراك ونتانياهو وجهان لعملة واحدة؟ ـ لا اعتقد ان المجتمع الاسرائيلي يتجه نحو اليمين حتى في موضوع القدس, هناك استطلاعات قيل انها سرية تقول ان 30% من الاسرائيليين يريدون تسوية في القدس وهذا موضوع مهم للغاية. اما باراك ونتانياهو فانني اعتقد ان باراك يسير وفق نظرية سياسية ليست مختلفة كثيرا عن نتانياهو. باراك ليس مغرما باتفاق اوسلو ولايوافق حتى الآن على اعادة الانتشار الثالثة وهو من انصار اتفاق واحد ويريد اتفاق الاطار مع النبضة الثالثة لدمج الانتقالي بالنهائي حوار: توفيق أبوبكر