من الملف السياسي: اسرائيل والعرب في ميزان المعونة الأمريكية تل أبيب أكبر دولة تتلقى معونات في العالم، بقلم د.مغازي البدراوي

من المعروف ان اسرائيل هي اولى الدول في قائمة المعونات الامريكية وتليها مصر في الترتيب الثاني, ولكن الفارق بين نصيب الدولتين كبير جدا ويتعدى الاربعة اضعاف او اكثر, هذا الى جانب فوارق اخرى كثيرة بين المعونتين تجعل المعونة التي تتلقاها مصر من واشنطن تعادل في قيمتها اقل من عشرة في المئة من التي تتلقاها اسرائيل . وقد بدأت اسرائيل في تلقي المساعدات الامريكية منذ عام 1949 في حين لم تتلقاها مصر بانتظام الا بعد كامب ديفيد في اواخر السبعينات وهو انتظام نسبي حيث كثيرا ما تعرضت المساعدات الامريكية لمصر لاهتزازات وتخفيضات كثيرة حسب الظروف والاوضاع السياسية, وحسب تطورات العلاقات بين مصر واسرائيل وليس بين مصر وواشنطن. ومن المواقف الغريبة التي ترتب عليها تخفيض حاد في المعونة الامريكية لمصر, موقف الحكومة المصرية من مؤتمر الدوحة ومقاطعتها له مع مشاركة اسرائيل فيه وموقف مصر من ازمة الخليج وليبيا والسودان وغيرها من المواقف التي كان الكونجرس الامريكي يجتمع بعدها ليعيد النظر في المساعدات لمصر ويقرر تخفيضها او ايقافها. برنامج خبيث وقد تقدمت اسرائيل من عامين الى الكونجرس الامريكي ببرنامج (خبيث) تلتمس فيه تخفيض المعونة الامريكية التي تحصل عليها اسرائيل تدريجيا وعلى مدى عشر سنوات تم ايقافها نهائيا, وهذا البرنامج لايهدف في جوهره لاستغناء اسرائيل عن المعونة الامريكية السنوية التي تتعدى الثلاثة مليارات دولار فالمعونة سوف تستمر اسرائيل في الحصول علىها بشكل او بأخر حتى لو بدا رسميا وبقرار من الكونجرس انها توقفت, الا ان البرنامج يهدف الي الضغط على الكونجرس ليقرر حرمان مصر نهائياً من المعونة الامريكية, لانها مرتبطة من الاساس بالمعونة الامريكية لاسرائيل, ويصدر بها قرار واحد من الكونجرس كل عام. والواقع ان المعونة الامريكية لمصر لايمكن وصفها بأنها عمل خيري, وليست بدون مقابل تماما, لكنها جزء من علاقة استراتيجية ذات اهداف محدودة, وقرار الكونجرس الامريكي الخاص بالمعونة لمصر ينص على انه (نظرا لان مصر حليف استراتيجي, ونظرا لان الاستقرار السياسي في مصر يمثل اهمية كبرى لامريكا ونظرا للاهداف والمصالح المشتركة بين البلدين, لهذا فإننا نوافق على منح المعونة المقررة لمصر بالشكل المتفق عليه.. هذا النص يوضح ان المعونة الامريكية لمصر لم تمنح في الاساس لحاجة مصر اليها, ولكن لانها جزء من علاقة ثنائية ترتب فوائد للطرفين ويعكس هذا ايضا الطريقة التي تحصل مصر بموجبها على المعونة فحسب قرار الكونجرس فإن المعونة لمصر تزيد قليلا عن المليار دولار سنويا, ولكن الواقع ان مصر لاتحصل سوى على اربعمائة مليون دولار فقط, بينما يذهب الباقي الى الشركات والمصانع الامريكية التي تصدر لمصر منتجات اجبارية مقابل هذه الاموال. مجالات محددة في الوقت نفسه لاتمثل المعونة الامريكية لمصر اكثر من اثنين في المائة من اجمالي الانتاج المحلي في مصر, ويوجه اكثر من 90% من هذه المعونة حسب شروطها الى قطاع التجارة ولاتتضمن المعونة نقل اي تكنولوجيا حديثة من امريكا الى مصر, وغير مسموح بشراء هذه التكنولوجيا من دول اخرى بأموال المعونة الامريكية, كما انه محظور تماما استخدام المعونة الامريكية في التنمية الزراعية او الصناعية في مصر, وفي الوقت الذي نص فيه اتفاق المعونة الامريكية لمصر على التصدير من الولايات المتحدة الامريكية الى مصر, فإنه لم ينص على امكانية التصدير من مصر الى الاسواق الامريكية ولايتضمن اتفاق المعونة اية استثمارات امريكية في مصر, ومنذ بداية المعونة الامريكية لمصر لم تتوجه اية استثمارات امريكية الى مصر الا بنسبة ضئيلة لاتزيد على 4% من حجم الاستثمارات الأجنبية في مصر, وكلها محصورة في قطاع البترول. معونات بلا شروط اما عن المعونة الامريكية لاسرائيل فحدث ولاحرج, ففي الوقت الذي حصلت فيه مصر على مدى مايقرب من عشرين عاما مضت على حوالي ثلاثين مليار دولار معونات من امريكا, نجد ان اسرائيل قد حصلت على مايقرب من مائتي مليار دولار توجه معظمها في اعمال البناء والتعمير والبنية التحتية والتنمية الزراعية والصناعية, ولايدخل ضمن هذه القيمة المساعدات العسكرية والتي تخضع لبنود اخرى في العلاقة بين واشنطن وتل ابيب تجعل من الترسانة العسكرية الامريكية رهن اشارة اسرائيل في وقت احتدام الازمات مثلما حدث في 1967. وتحصل اسرائيل ضمن المعونة الامريكية السنوية على احدث ما وصلت اليه التكنولوجيا الامريكية في قطاعات الانتاج المختلفة, وكثيرا ما تتحول المعونة الى استثمارات امريكية مباشرة داخل اسرائيل, وان كان المجال لايتسع هنا للحديث عن خصوصية العلاقات الامريكية الاسرائيلية بشكل عام, الا انه في مجال المعونة والمساعدات يجدر القول بأن القوانين الفيدرالية التي تحكم المساعدات الامريكية ان توجه هذه المساعدات لسداد ديون هذه الدولة سواء الخارجية منها او الداخلية, وهذا ما حدث في روسيا عندما رفضت واشنطن منحها مساعدات مالية بهدف سداد الرواتب المتأخرة للمواطنين الروس, هذا في حين ان 90% من المساعدات الامريكية لاسرائيل بين عامي 1992 و 1997 خصصت لسداد ديوان خارجية قصيرة الاجل على اسرائيل لدول اخرى, رغم ان هذه النوعية من الديون بالتحديد لاتوافق اية جهة او مؤسسة مالية على توجيه مساعداتها او قروضها لسدادها, ورغم هذا لم يجرؤ اي نائب في الكونجرس الامريكي حتى الان على الاعتراض على هذا الخرق الواضح للقوانين الفيدرالية الامريكية ورغم الخلافات الحادة بين الجمهوريين والديمقراطيين داخل الكونجرس الامريكي, الا انهما يتفقان وبدون مناقشة في شأن المعونات لاسرائيل. اعفاء من الديون واكثر من ذلك كثيرا مايقرر الكونجرس الامريكي اعفاء اسرائيل من سداد القروض الممنوحة لها او اعفائها من سداد فوائدها او تحويل القروض قصيرة الاجل الى طويلة الاجل, وقد حدث هذا اكثر من عشرين مرة على مدى النصف قرن الماضي منذ تأسيس اسرائيل, هذا في الوقت الذي لم يحدث مع أية دولة اخرى تتلقى قروضاً من واشنطن الا خمس او ست مرات فقط, وبعد جدل ونقاش وخلافات حادة داخل الكونجرس ولهذا يرى الكثير من المحللين والمراقبين انه من الصعب تحديد الفوارق بين المساعدات والديون في العلاقة بين واشنطن وتل ابيب. وجدير بالذكر ان المساعدات الامريكية لاسرائيل لم تهتز ولم تتعرض للتوقف الا مرتين في عامي 1961 و 1964 بسبب حرب فيتنام وبعض المواقف المتميزة لحكومة الديمقراطيين في عهد الرئيس كيندي انذاك الا انه بعد ذلك عاد تدفق المساعدات الامريكية على اسرائيل بلا حدود, ولكن هذ لايعني ضعف تأثير اليهود على الديمقراطيين اكثر من الجمهوريين فكلا الحزبين يخضعان لنفس القدر من الضغوط والتأثير وكلاهما يشغل اليهود المناصب القيادية فيهما. ضمانات لاترد وفي الوقت الذي امتنعت فيه بعض الدول الكبرى عن تقديم مساعدات مالية لاسرائيل وخاصة في اعقاب حرب 1967 زادت نسبة المساعدات الامريكية لاسرائيل بشكل ملحوظ عوضها بكثير عما فقدت من مساعدات الدول الاخرى, وفتحت البنوك الامريكية ابوابها بلا حدود لتقديم قروض قصيرة وطويلة الاجل لاسرائيل, وساعد على ذلك ضمان الحكومة الامريكية نفسها لهذه القروض وفي عام 1996 حصلت اسرائيل من واشنطن على ما قيمته عشرة مليارات من الدولارات كضمانات لقروض حصلت عليها من بنوك امريكية لمدة عامين, ومضى العامان وتم تسديد القروض ولكن لم تعد العشرة مليارات دولار الضمانات لواشنطن ولايجرؤ احد في الكونجرس على المطالبة بها الان, وخاصة ان انتخابات الرئاسة الامريكية على الابواب والكل يسعى لكسب رضاء اليهود. وتقدر المساعدات العسكرية الامريكية لاسرائيل بأكثر من اربعين في المائة من الانفاق العسكري الاسرائيلي ولم تنخفض هذه النسبة بعد خروج مصر من المواجهة العسكرية مع اسرائيل بعد كامب ديفيد,. ويتوهم البعض خطأ كما ينشر في بعض وسائل الاعلام بأن المساعدات الامريكية لاسرائيل سوف تتوقف قريبا, والبعض يقول ان هذا بناء على طلب اسرائيل نفسها, ولكن هذا كذب وتضليل وكماذكرنا من قبل ان الهدف من وراء هذا هو الضغط على الكونجرس لكي يوقف المعونات لدول عربية اخرى وخاصة مصر. اعلى نسبة في 74 ومن المفارقات الملفتة للنظر ان دولة مثل اسرائيل يصل فيها متوسط دخل الفرد سنويا الى اكثر من 16 الف دولار والذي يعد من اعلى مستويات الدخول في العالم, الا انها مازالت حتى الان اكبر دولة تتلقى معونات في العالم تتم لحساب اسرائيل واكثر من 80% من هذه المعونات والتحويلات تأتي من الولايات المتحدة الامريكية وفي الوقت الذي حصلت فيه اسرائيل عام 1949 على جملة مساعدات خارجية بلغت 161 مليون دولار دولار من اكثر من ثلاثين دولة على رأسهما الدولتان العظميان الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الامريكية فقد بلغت المساعدات الامريكية وحدها لاسرائيل في عام 1997 حوالي 3.6 مليارات دولار. وتعد اعلى قيمة في المساعدات الامريكية لاسرائيل تلك التي حصلت عليها عام 1974 كتعويض لها عن خسائرها في حرب اكتوبر 1973 حيث بلغت ثمانية مليارات من الدولارات كتعويضات نقدية فقط, هذا بخلاف المساعدات العسكرية التي قدمتها واشنطن لاسرائيل لاعادة تسليحها بالشكل الذي يحافظ على تفوقها العسكري على جيرانها العرب. واذا كانت مصر هي ثاني الدول التي تحصل على مساعدات امريكية بعد إسرائيل وبهذا الفارق الكبير في القيمة وفي الشروط والتسهيلات فإن حجم المساعدات الامريكية لباقي الدول العربية التي تحصل منها على مساعدات لايزيد في مجموعه على 20% عما تحصل عليه مصر وحدها, وفي مقدمة هذه الدول الاردن ولبنان وتونس والمغرب ولكنها مساعدات غير ثابتة وتمنح حسب ظروف خاصة وتوجه الى مجالات محددة وبشروط خاصة. الكونجرس مواقف مؤيدة دائما لاسرائيل

طباعة Email
تعليقات

تعليقات