المعونات الامريكية غير نزيهة ولها اغراض سياسية، واشنطن تجلد الدول بواسطة صندوق النقد والبنك الدولي، بقلم هارون محمد

من الصعب تصور معونة امريكية, سواء تصدر عن وزارة الخزانة او الكونجرس او صندوق النقد او البنك الدولي, لطرف ما او دولة معينة, نزيهة وخالية من الاغراض والاهداف السياسية, ومن غير المنطقي الاعتقاد ان ما تقدمه واشنطن على شكل مساعدات او قروض للدول مجرد هبات او منح لاترتبط باشتراطات محددة او قواعد ضبط , ذلك ان الولايات المتحدة الامريكية لها استراتيجية ثابتة دشنتها عام 1945 تاريخ انتهاء الحرب العالمية الثانية, وما تزال تعمل بها, تقوم على نظرية (لكل مساعدة او معونة اقتصادية ثمن سياسي) ويختلف هذا الثمن من دولة الى اخرى حسب المصالح والحسابات الامريكية الانية اوالمؤجلة. وفي نهاية العام 1997 اكد الرئيس الامريكي بيل كلينتون وهو يدعو دول العالم الى الانخراط في سياسات الانفتاح والتجارة الحرة ضمن التوجهات التي تقودها واشنطن نحو العولمة اهمية التركيز على المصالح الاقتصادية وتشكيل سوق رأسمالية موحدة هي الوحيدة التي بقت واستمرت بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ومنظومة الدول الاشتراكية في أوروبا الشرقية, والابتعاد قدر الامكان عن الدوافع والاستحقاقات السياسية, غير ان تجارب العامين المنصرمين التي اعقبت خطاب الرئيس الامريكي والتعاملات الكثيرة التي كانت واشنطن طرفا فيها بددت تلك الدعوة وما تضمنتها من تمنيات وامال, وفي الشهر الماضي تعهد الرئيس كلينتون تخصيص 970 مليون دولار لاعفاءات الديون وهو مبلغ كاف لشطب ديون أغلب الدول الفقيرة, لكن القوة الرأسمالية المتنفذة في الكونجرس طلبت وضع ما اسمته بضوابط محددة, بحيث يتم شطب ديون دول ذات توجهات سياسية مقبولة من الدوائر الامريكية, والابقاء على ديون الدول التي يطلق عليها تسميات (المشاكسة) مما دعا عدد من اعضاء الكونجرس ومن بينهم الجمهوري سبنسر باكوس الذي يمثل ولاية اباما الى بدء صيام عن الطعام من اجل جذب الانتباه الى قضية ديون الدول الفقيرة وعددها 40 دولة, التي سيناقشها الكونجرس الشهر المقبل. واتفق باكوس مع ثلاثة نواب آخرين على الصيام عن الطعام لمدة يوم كامل كل اسبوع لحين البدء بمناقشة الموضوع في الكونجرس للفت اهتمام الرأي العام الى ضمان تنفيذ تعهدات الرئيس وممارسة ضغوط على الكونجرس للموافقة عليها. وتعتمد الولايات المتحدة الامريكية في تقديم المساعدات والقروض الى الدول, على ذراعيها (البنك الدولي, وصندوق النقد الدولي) لتنفيذ السياسة التي ترسمها واشنطن, في التعاطي مع الدول رغم ان هاتين المؤسستين تضم دولا غيرها, الا ان القرار في النهاية هو امريكي, بحجة ان امريكا هي صاحبة غالبية الاسهم والاموال فيهما, وبالتالي يجب ان تكون صاحبة النفوذ ايضا. وعادة تشترط المؤسستان في المفاوضات مع الدول التي بحاجة الى قروض ومعونات, تحقيق مسألتين الاولى السماح لرؤوس الاموال الخارجية بالتدفق, والثانية تحرير التجارة وفتح الاسواق للسلع من امريكا او الدول الصناعية الاخرى, والهدف واضح من الاجراءين في استنزاف الكوادر الوطنية وشل الانتاج العام والاعتماد على الخارج ولاتكتفي الولايات المتحدة الأمريكية في فرض شروطها وتلبية مطالبها على الدول والهيئات التي تتعامل معها, وانما تلجأ الى التدخل في الشئون الداخلية عن طريق تعديل قوانين الاستثمار في البلدان, بشكل يتيح للمستثمر الأجنبي الملكية الكاملة للمشروعات والاعفاءات الضريبية, وحرية خروج الأموال, وهي الشروط التي طالبت ماليزيا مثلاً بتخفيضها قبل عامين, وردت عليها واشنطن بسلسلة اجراءات مضادة, هزت الاقتصاد الماليزي وألحقت به خسائر كبيرة. ويقول الدكتور دانيال لانج استاذ الاقتصاد في جامعة كمبردج البريطانية, ان الأزمة الاقتصادية الأخيرة التي شهدتها دول شرقي اسيا, قبل ثلاثة أعوام, كانت نتيجة وثمناً باهظاً دفعتها مجموعة الدول التي اعتمدت على الجمع بين التجارة الحرة والاستثمارات الخارجية, التي أوصى بها البنك الدولي, وكانت النتيجة اضعاف تلك الدول وزيادة أزماتها. وقد عمدت واشنطن في السنوات القليلة الماضية الى تقليص حجم المعونات لبعض الدول, واقتصرت على مساعدات عسكرية لها أهداف معينة, كاسرائيل التي تحتل المركز الأول في تلك المساعدات التي تصل أحياناً الى 10 مليارات دولار سنويا, وتأتي مصر بعدها وتتلقى بين 3-4 مليارات سنوياً, أما المساعدات التي تمنح للاردن والمغرب واليمن وتونس ولبنان, فهي أرقام صغيرة تنحدر سنة بعد سنة, وليست لها اهمية, وتستخدم عادة في دفع رواتب الموظفين واكمال نواقص بعض المشروعات. وكان المفكر الفرنسي جارودي قد دعا في سلسلة من مقالات نقدية قبل سنوات الدول والحكومات التي تتلقي مثل هذه المساعدات الى رفضها لأنها في رأيه, عملية افساد, تعمد الولايات المتحدة الى اتباعها لأغراض دعائية ورشوة المسئولين في البلدان النامية والفقيرة, ولم تكتف الولايات المتحدة الأمريكية, في ربط مساعداتها وقروضها الخارجية, بشروط سياسية فحسب, وانما تقوم بعمليات تخريب علاقات متكافئة ومتوازنة بين الدول في مجالات المشاريع المشتركة والتمويلات التي تقوم بين دولتين أو مجموعات دولية خارجة عن سيطرتها, وتعمد في أحيان كثيرة الى ممارسة ضغوط على اليابان وأوروبا وكندا لالغاء اتفاقيات وعقود تجارية, ومنعها من المساهمة في مشاريع انمائية في العديد من الدول التي لا تنسجم سياساتها مع واشنطن. كما انها طورت التجسس الصناعي الذي اصبح علامة مميزة في سعيها لتخريب اقتصاد الدول, ورصد حجم التبادلات التجارية بين البلدان, واقصاء المؤسسات غير الأمريكية عن العمل والمشاركات في برامج صناعية وتجارية في الدول النامية. ولايقتصر تجسس واشنطن الصناعي على مراقبة الدول والمؤسسات التي لاتسير في الفلك الأمريكي, وانما يشمل ايضاً وبكثافة الدول الصديقة والحليفة لها, ويقول الخبير الاقتصادي السوري سمير صارم في كتابه (التجسس الاقتصادي) ان أقوى دول العالم وأكثرها حرصاً على اداء مهام التجسس الاقتصادي والصناعي بفاعلية هي الولايات المتحدة, ويشير الى ان الرئيس كلينتون وجه تعليمات الى (السي أي أيه) لاستخدام مهارة موظفيها والموارد المتاحة لها في دعم بلاده في مفاوضات (الجات) وكشف ما اسماه بالحيل التي تمنح الشركات الأجنبية ميزة على الشركات الأمريكية. وللتدليل على توظيف واشنطن معوناتها الى الدول المختلفة لتنفيذ سياساتها الخارجية, أمامنا الان مثالان, الأول في نيجيرا التي غادرها الحكم العسكري منذ مايو الماضي, وكان يشكل عائقاً في عدم حصول نيجيرا على المساعدات الأمريكية, كما أعلن في أكثر من مناسبة مسئولو البنك الدولي وصندوق النقد. فمنذ خمسة أشهر وعقب تولي اولو سيجون اوباسانجو الحكم في نيجيرا عقب انتخابات تشريعية انهت 15 عاماً من الحكم العسكري والوفود الأمريكية تتقاطر عليها دون نتائج ملموسة, غير ان زيارة رئيس البنك الدولي جيمس وولفنسون, منتصف الشهر الحالي, حددت الشروط التي يجب ان تخضع لها نيجيريا لمنحها قرضا قدره مليار دولار قبل نهاية العام الحالي, والتفاوض على جدولة ديونها الخارجية البالغة 30 مليار دولار. فقد طالب المسئول الامريكي بخصخصة شركات النفط الوطنية المملوكة للدولة, ومراجعة نظام المشتريات العامة في نيجيريا, وهيكلة عدد من المؤسسات الصناعية, وهي شروط صارمة تلحق اضرارا بالغة بالاقتصاد النيجيري المنهك اصلا بفعل الانقلابات العسكرية والمنازعات القبلية وكثرة الاعباء والديون. والمثال الاخر, الصين السوق الواعدة, التي تسعى الولايات المتحدة للهيمنة عليها واحتوائها لصالحها, ففي الوقت الذي يسجل الاقتصاد الصيني معدل نمو قدره 7.4% في الاشهر التسعة الاولى من العام الحالي مقارنة مع الفترة ذاتها من العام الماضي, يعلن وزير الخزانة الامريكي لورنس سمرز ان هذا النمو عائد إلى اعتماد الصين على زيادة صادراتها, ويقول ان المطلوب من الصين دعم اقتصادها عن طريق زيادة الطلب المحلي وليس عن طريق زيادة الصادرات, وهذا تدخل فاضح في السياسات التي تتبعها الصين في تطوير اقتصادها وتنشيط صادراتها. ويلوح المسئولون الامريكيون بمنع الصين من الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية الا اذا اتخذت سلسلة اجراءات تصر واشنطن على مناقشتها مع الجانب الصيني وتستهدف كما يقول سمرز, اصلاح الصناعات الحكومية والقطاع المصرفي وتطوير اسواق رأس المال وتقليل الاستثمارات الحكومية في البيئة الاساسية, واخيرا وقف تزايد العجز التجاري الامريكي مع الصين. وهذه الطلبات والاشتراطات المسبقة تدلل على ان الولايات المتحدة مع تفاؤلها بالامكانيات الهائلة للصين وأسواقها الواعدة, فانها تضع خطوطا حمراء, تعيق التطورات التي يشهدها هذا البلد الكبير في طاقاته واقتصادياته. وعموما, فان المعونات الامريكية الخارجية في تناقص مستمر, ومنذ سنوات, توقفت المؤسسات الحكومية (وزارة الخزانة والكونجرس والمصرف المركزي) عن منح مساعدات وقروض الا في حالات استثنائية وذات طبيعة عسكرية, واتاحت للبنك الدولي وصندوق النقد ان يقوما بمثل هذه المهام, وفي حدود قوانين وخطوات صارمة في مقدمتها ان تكون المساعدات والقروض للدول مشروطة بمواقف تلك الدول وعلاقاتها السياسية, واقحمت قضايا الديمقراطية وحقوق الانسان إلى جانب ذلك ايضا لاعتبارات معروفة, كما انها حددت شروط المعونات باجراء اصلاحات اقتصادية لها مضامين سياسية, اضافة إلى فتح الابواب امام الرأسمال الاجنبي والسماح للكارتلات بافتتاح بنوك واسواق مالية (بورصات) تزيد من اعباء الدول النامية وتساعد على المضاربة فيها.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات