من الملف السياسي: القروض بدلا من (المندوب السامي)، بقلم: هاني عياد

في أواسط القرن الماضي أشار الفيلسوف والمفكر الاقتصادي الألماني كارل ماركس الى ظاهرة تصدير رأس المال كأحد أبرز السمات التي تميز الدول الرأسمالية في مرحلة متقدمة من مراحل تطور النظام الرأسمالي. وفي مطلع القرن الحالي, عاد الزعيم الروسي فلاديمير ايلتش لينين ليتحدث عن نفس الظاهرة باعتبارها احدى الوسائل التي تلجأ اليها الدول الرأسمالية, في مرحلة معينة من تطورها, لفرض هيمنتها على البلدان الاقل تطورا. وفي ستينيات القرن الحالي, الذي يلملم اطرافه استعدادا للرحيل, اصدر الرئيس الغاني الاسبق كوامي نكروما كتابه المهم (الاستعمار الجديد) , والذي فضح فيه الشكل الجديد, الذي تتخفى وراءه الدول الاستعمارية من اجل العودة مرة اخرى الى الدول التي (كانت) آنئذ مستقلة حديثا, ولم يكن هذا الشكل سوى (تصدير رأس المال) , ليحل (الاقتصاد) بذلك محل الشكل العسكري التقليدي الذي بدا أن الجيوش لم تعد قادرة على مواصلة القيام به, وراح نجمه يميل الى الغروب في مرحلة نهوض حركات التحرر الوطني, ليس فقط في افريقيا, بل في معظم الدول النامية, أو بلدان العالم الثالث حيث التسمية الاكثر شيوعا, لقد رصد الزعيم الافريقي, وهو لم يكن شيوعيا, تطبيقات ملموسة للظاهرة التي سبق ان اشار اليها كارل ماركس, وفلاديمير ايلتش لينين. وخلال السنوات الثلاثين الاخيرة أصبح (تصدير رأس المال) احد السمات الاكثر تأثيرا في العلاقات الدولية, بل لعلنا لا نغالي او نبتعد عن الحقيقة, لو ذهبنا حد اعتبار أن (تصدير رأس المال) كان واحدا من العوامل الهامة التي ساهمت في اعادة تقسيم العالم, بعد انهيار المعسكر الاشتراكي, الى شمال وجنوب, بدلا من شرق وغرب. واذا كان رأس المال المصدر قد أخذ اشكالا عدة, فلعل (القروض) التي اشتهرت غالبا باسم (المعونة) كانت هي الشكل الرئيسي والاهم. القروض بدلا من الجيوش لم يكن من السهل على الدول الرأسمالية, فضلا عن انه لم يكن متوقعا منها, ان تسلم باستقلال البلدان التي ظلت تحت سيطرتها عشرات, واحيانا مئات, السنين. لقد كانت تلك البلدان (المستعمرة ـ بالفتح) تمثل, من ناحية, اسواقا لترويج سلع وبضائع الدول الرأسمالية, وموردا للخامات والايدي العاملة الارخص, كما انها, كانت من ناحية اخرى وفي بعض الحالات, ممرا آمنا الى مستعمرات اخرى, مثلما كان الحال مع مصر وبلاد الشام التي كانت معبرا الى الهند وبلدان جنوب شرق آسيا. لذلك فانه امام ما بدا أنه نهاية لعصر الاستعمار التقليدي, سرعان ما ظهرت فكرة القروض, لتأخذ مكان الجيوش والمندوب الذي كان (ساميا) . وقد اخذت القروض اشكالا عديدة اختلفت وتنوعت حسب ظروف كل من الدول المصدرة, وتلك المستوردة. فهي احيانا سلع وبضائع, واحيانا اخرى خبراء واجهزة, وفي حالات ثالثة كانت تأخذ شكل نقل مصانع بكاملها الى الدول المستوردة, ولم تكن قليلة الحالات التي شهدت مزجا بين اكثر من شكل من هذه الاشكال, وفي حالات معروفة كان جزءا منه يأخذ شكل مساعدات او قروض عسكرية, الا انها, في كل الاحوال وأيا كان شكلها, لا تأتي في صورة بنكنوت, أو سيولة مادية. كما ان الدول المصدرة لرأس المال تقرر احيانا, بصورة مؤقتة او دائمة, اعتبار جزء من القرض, لهذا البلد او ذاك, (منحة) لا ترد, على سبيل تشجيع وتحفيز الدول المستوردة, وربما من قبيل دعم الانظمة والحكومات المتلقية في مواجهة حركات المعارضة المحلية التي نشأت, أو يمكن ان تنشأ, ضد سياسة الاقتراض وتلقي المعونات, التي سرعان ما جرى ادراجها في موازنات كثير من الدول كأحد مصادر الدخل الوطني, واحيانا اهمها. (ربما انطلاقا من هذا الجزء الذي لا يرد تحول اسم (القروض) بما يحمل من مدلولات سيئة, الى (معونات) بما تشيعه من اجواء ايجابية). هكذا, وبعدما اضطرت الدول الرأسمالية الى التخلي عن مستعمراتها والعودة الى الانكماش داخل حدودها الجغرافية, فرضت ظاهرة القروض, او المعونات, نفسها تعويضا عن المستعمرات التي اصبحت (سابقة), وبينما كانت تلك البلدان (المستقلة حديثا), آنذاك, تبحث لنفسها عن طريق (مستقل) ووسائل للتنمية, دون ان تكون لمعظم قياداتها (الثورية) الجديدة, القدرة على التمييز بين الاعتماد على الاخر والتبعية له, وبين الاستفادة منه. امريكا تتقدم الصفوف يكاد ينعقد الاجماع على ان ابرز نتائج الحرب العالمية الثانية, تمثلت في بدء غروب شمس الامبراطورية العظمى (بريطانيا), وانحسار النفوذ الاستعماري الفرنسي, بما يعنيه ذلك من تراجع دورهما على الساحة الدولية. بينما راح يلمع نجم الولايات المتحدة الامريكية, التي سرعان ما تقدمت لـ (ملء الفراغ) الناجم عن تراجع الدور البريطاني ـ الفرنسي وانحسار نفوذهما. هل كانت مصادفة ان تتقدم الولايات المتحدة لزعامة العالم الرأسمالي (الاستعماري) مع بداية انتهاء عصر الاستعمار التقليدي؟. أيا كانت الاجابة, فان المؤكد ان امريكا نجحت في استغلال الظروف الموضوعية والذاتية على احسن وجه, وبرعت في استخدام القروض, او المعونات, لفرض هيمنتها على الدول المستقلة حديثا والتي لم تنعم طويلا بمعنى الاستقلال, اذ ما كادت تخرج من قبضة الاستعمار التقليدي, حتى وقعت في قبضة (احتلال) الاموال والمساعدات الفنية والتقنية!!. كما احكمت واشنطن قبضتها على المؤسسات المالية الدولية التي تكونت في اعقاب الحرب, للمساعدة في اعادة اعمار ما دمرته, واهمها (صندوق النقد الدولي) و (البنك الدولي للتنمية والاعمار) , فلم ينعم العالم طويلا بالصفة الدولية لهاتين المؤسستين, إذ سرعان ما بدا وكأنهما تابعتان للإدارة الامريكية, وهو ما تجلى بوضوح في الموقف من تمويل السد العالي عام 1956. هكذا بدأ عصر (المعونات) أو (الاستعمار الجديد) . ولأن الأمر كذلك, فمن الطبيعي ان تصبح (المعونات) واحدة من أدوات السياسة الخارجية الامريكية, بمعنى ضرورة اقران منحها برضى واشنطن, إن لم نقل موافقتها على سياسات الدولة الممنوحة, ولا يقف الامر عند حدود السياسات الخارجية, وانما يتجاوزها ليشمل بالضرورة, السياسات الداخلية ايضا وفي أدق تفاصيلها. ولعل في (قائمة الارهاب) التي تصدر سنويا عن وزارة الخارجية الامريكية, و (قانون حماية الاقليات) الذي اقره الكونجرس مؤخرا, ثم قبل ذلك وبعده المقارنة بين الموقف من تمويل السد العالي, وبين تدفق القروض, أو المعونات على مصر مع بداية عصر الانفتاح... أقول: لعل في كل هذه وغيرها ما يكفي للتدليل على ان المعونات لا تمنح (لوجه الله) وانما هي اداة هامة يجري استخدامها بعناية لخدمة السياسة الخارجية الامريكية ديون... وفوائد مع نمو ظاهرة القروض, أو المعونات, واتساع دائرة الدول المستفيدة منها برزت مشكلة تضخم الديون على بعض الدول, اضافة الى زيادة حجم الاقساط والفوائد المترتبة على معظم الدول المدينة, حد انها باتت تشكل, في حالات غير قليلة, نسبا عالية من الدخل القومي, الأمر الذي اضفى ظلالا قاتمة على العلاقات الدولية, عندما اعلنت اكثر من دولة عجزها عن السداد, بينما الولايات المتحدة لا تريد (حقوقها) وحسب, انما تخشى, ايضا, ان يتحول عدم السداد الى ظاهرة يترتب عليها تمرد الدول المدينة (العاجزة عن السداد) وخروجها بالتالي من دائرة السياسة الامريكية. لكن لأن المعونات ليست سوى احدى ادوات السياسة الامريكية, فان الاموال بحد ذاتها ليست هي القضية, وبالتالي فان السداد من عدمه ليس هو المهم, انما القضية الاهم هي ان تبقى تلك الدول مربوطة ومرتبطة بالسياسات الامريكية, وانه اذا كانت المعونات تتحول الى آداة ضغط, فان الحكمة تقتضي الا يصل الضغط حد الانفجار او التمرد, لذلك فلا بأس, في حالات معينة, من اسقاط جزء من الديون. الا ان هذه الخطوة يجب ان يقابلها, غالبا, قيام النظام في البلد المعني بدور معين او بمهمات يتفق عليها. بهذه الخطوة تضرب واشنطن اكثر من عصفور بذات الحجر دون ان تخسر شيئا, فهي من ناحية تشجع النظام المعني على طلب المزيد من القروض, بعد ان يكون قد تخفف ولو قليلا من اعبائه نتيجة اسقاط جزء منها, وهي من ناحية اخرى تدفعه خطوة للامام نحو ارتباط اوثق بسياساتها, كما انها من ناحية ثالثة, تهدىء من درجة المعارضة الداخلية (المتنامية؟) ليس فقط ضد النظام, وانما ايضا ضد السياسات الامريكية. ثم ان واشنطن في النهاية لا تخسر شيئا حيث انها بحساب الارقام تكون قد حصلت على كامل القرض, وما يجرى اسقاطه, عمليا, هو جزء من الفوائد المستحقة, فضلا عن انه اذا كان اسقاط جزء من (الدين) سوف يشجع البلد المدين على طلب المزيد من القروض, ففي هذا ايضا, بحساب ارقام الربح والخسارة المجردة, مكسب. لكن السؤال الاهم هو: اذا كان عصر الاستعمار التقليدي قد انتهى, فهل يبقى الى مالا نهاية عصر القروض, او المعونات؟؟ * كاتب مصري

طباعة Email
تعليقات

تعليقات