بعد انتخاب عبدالرحمن وحيد رئيسا لاندونيسيا تذكرت على الفور بطل احدى روايات الكاتب الكولومبي المتميز جابرييل جارسيا ماركيز المبكرة وكانت بعنوان (البحار الذي تحطمت سفينته) .. بطل هذه الرواية وجد سفينته تتهشم تماما بفعل العواصف والأمواج المتلاطمة, غرق الركاب وظل هو بفضل طوق نجاة صغير , ظل قابعا فيه لمدة 11 يوما يرى الموت كل لحظة, تحيطه أسماك القرش من كل جانب جرب كل شيء حتى محاولة أكل حذائه والسمك النيىء أخيرا, جاءت النهاية السعيدة عندما اكتشفته طائرة على ما اذكر فكتبت له حياة جديدة. وإذا كانت خريطة اندونيسيا الجغرافية توحي بأجواء البحار والأمواج باعتبارها أرخبيلا يتكون من 14 ألف جزيرة متفرقة فإن السؤال هو ما إذا كان الرئيس الجديد قادرا على ان يلعب دور القبطان الماهر في قيادة سفينة بلاده المثقوبة من أكثر من جانب إلى بر الأمان, ثم مدى قدرته على الالتزام بقوانين الملاحة في بحر تكثر فيه الحيتان وأسماك القروش المفترسة, ثم مدى قدرته على التنبؤ بأوقات المد والجزر في مياه لم تعرف الهدوء حول بلاده منذ استقلالها عن هولندا عام 1945. السيرة الذاتية للرئيس الجديد الملقب بـ (جوس دور) أو الرجل الطيب مفتوحة على كل الاحتمالات ويمكن قراءتها من أكثر من زاوية, إلا ان الواضح رغم كل شيء ان ظروف اندونيسيا الراهنة كانت في انتظار هذا الرجل أو هي على موعد معه, ليس ذلك مدحا في الرئيس الجديد, لكن المعنى ان اندونيسيا التي استمرت في النزف المستمر منذ أزمتها الاقتصادية قبل ثلاثة سنوات بفعل مؤامرة أمريكية صهيونية لضرب تجربتها الاقتصادية (قصة سوروس ومضارباته) , ثم اجبار الرئيس سوهارتو على الاستقالة ومجيء حبيبي, ثم العنف الدموي في الشوارع والمدن الأندونيسية, واحتجاجات الطلاب وأخيرا انفصال تيمور الشرقية, كل ذلك صب في خانة ان هذه البلاد مترامية الاطراف في حاجة إلى (رجل الحلول الوسط) يكون قادرا على ضبط بوصلة السفينة كي تتجه إلى المسار الصحيح بعد ان كادت تتعرض لمصير تايتانك التراجيدي. الرئيس الجديد ورغم ضعف بصره منذ أوائل التسعينات ومظهره الذي يوحي بالشيخوخة والعجز رغم ان عمره 59 عاما فقط يملك ارادة مقاتل وظلت معارضا نشطا للحكومات السابقة رغم صداقاته مع كل خصومه السياسيين. الحالة الصحية قد تكون عاملا مهما لكنها ليست حاسمة ثم ان القيادة لم تعد قاصرة على فرد واحد في دولة ديمقراطية لكنها محصلة لمؤسسات وقوى متعددة, ثم ان الرئيس السابق بحر الدين يوسف حبيبي ذو الصحة الجيدة والذي لم يكن يتوقع خروجه بهذه الطريقة المهينة له قول مأثور قبيل الانتخابات الرئاسية مباشرة.. يقول حبيبي: إذا كنت تسبح ورأيت أسماك القرش تحيط بك من كل جانب, فعليك الاستمرار في السباحة, وإلا أكلتك هذه القروش المفترسة, وأنا لا أنوي ان أسمح لها بذلك) ! والواقع الذي نراه الآن ان القروش لم تأكل حبيبي فقط ولكنها قطعته اربا بصورة لم يتوقعها غالبية المراقبين للشأن الأندونيسي, كانوا يتوقعون له معركة ساخنة أمام ميجاواتي بفضل مساندة حزب جولكار له, لكنهم لم يتوقعوا بالمرة ركله خارج السباق بأكمله. حبيبي أصبح من الماضي الآن, ونعود إلى سؤالنا الرئيسي حول قدرة الرئيس وحيد على مصارعة القروش التي ازدادت توحشا داخل المياه الاندونيسية والأهم مواجهة بعض هواة الصيد المستعدين ليس فقط لقتل الأسماك بمواد محظورة دوليا كالديناميت بل اغراق السفينة بمن عليها من ركاب في سبيل ما يسمى برسم خريطة استراتيجية جديدة لمنطقة الشرق الأقصى.. حتى لو أدى الأمر تفجير المحيط بأكمله بما فيه أسماك القرش والبساريا على حد سواء. كل من كتبوا عن عبدالرحمن وحيد وصفوه بأنه شخصية خلافية بمعنى انه ليس مثيل ميجاواتي واضحا في معارضته لنظام سوهارتو كما انه ليس مثل الرئيس حبيبي الخارج من عباءة سوهارتو, هذه المنطقة الملتبسة في شخصية وحيد ربما كانت جواز مروره إلى منصب الرئيس الرابع في تاريخ اندونيسيا منذ استقلالها بل ان هذه الشخصية كثيرة التناقضات هي التي دفعت خصمه العنيد أمين ريس رئيس البرلمان الى ترشيحه للرئاسة كي يبعد حبيبي وجعلت ميجاواتي تذهب لتهنئته رغم كل جراح هزيمتها بعد ان تعاملت مع نفسها ومع انصارها باعتبارها الرئيسة القادمة لا محالة باعتبار ذلك تحصيل حاصل بعد فوز حزبها بالمركز الأول في الانتخابات البرلمانية التي جرت في يونيو الماضي. هذه الشخصية التي وصفها أحد الكتاب الغربيين بأنها زئبقية تعد وسطا ما بين الأصوليين الاسلاميين والعلمانيين, وبين دعاة الليبرالية شديدة الانفتاح على الغرب ودعاة الاحزاب اليسارية الذين يحنون إلى عصر التأميمات والاشتراكية القائمة على التخطيط المركزي. ورغم ان جده كان زعيما دينيا في بدايات القرن ووالده شغل منصب وزير الشئون الدينية في الخمسينات, ورغم انه هو بنفسه أحد مؤسسي حزب نهضة الشعب ورئيس أكبر جمعية اسلامية تضم 35 مليون شخص .. رغم كل ذلك فهو ليس أصوليا متطرفا, كما انه ذو علاقة جيدة مع المسيحيين في بلاده, ورأيه ان الدين علاقة شخصية بين الانسان وربه ولا دخل له بالهوية القومية للبلاد, له علاقات شخصية مع كل الوجوه السياسية البارزة ويقال ان بيته الواقع في سيانجور جنوب جاكرتا لا يخلو أبدا من الزوار والضيوف من شتى ألوان الطيف السياسي. وعندما كان سوهارتو معزولا اجتماعيا بعد اقالته فإن وحيد قام بزيارته. انفتاحه ليس داخليا فقط, ولأنه درس في القاهرة وحصل على شهادة في اللغة العربية ثم أكملها بشهادة أخرى في الآداب من بغداد فقد أصبح يتكلم العربية بطلاقة كما انه يجيد الانجليزية.. علاقته بواشنطن جيدة وسبق له زيارة اسرائيل. أما الأهم فعلاقته بمسئولي صندوق النقد الدولي فهي أكثر من جيدة, ولم يكن غريبا ان يسارع جيمس ويلفنسون رئيس البنك الدولي إلى الترحيب بانتخابه. زئبقية أوسطية واعتدال وحيد هي التي قادته إلى منصب الرئيس, وبالتالي فإن ثمة صفقة سياسية تم طبخها في اللحظات الأخيرة من الانتخابات, هذه الصفقة باختصار هي التي وزعت المناصب بالشكل الذي رأيناه.. ميجاواتي نائبة للرئيس في بلد يصعب ان يتقبل حكم امرأة له في هذا الوقت, أمين ريس ( زعيم الحركة المحمدية 30 مليون شخص) رئيسا للبرلمان. حزب جولكار الذي كان حاكما سمح بتمرير الصفقة بشرط ـ على مايبدو ـ قفل ملفات الفساد التي كان الشعب يطالب بفتحها, وهنا يجب ملاحظة انه بدون مساندة حزب جولكار ما كان وحيد ليصل إلى منصب الرئاسة, فالفارق بينه وبين ميجاواتي كان بسيطا (373 صوتا مقابل 313 صوتا). وهكذا فإن انتخاب وحيد أرضى أكثر من 19 حزبا اسلاميا, أما انتخاب ميجاواتي التي هتف انصارها (ميجا أو الثورة) فقد أرضى 10 أحزاب و 13 حزبا يساريا و 3 أحزاب مسيحية. والرئيس الجديد ومعه الاحزاب الاسلامية نجحوا ايضا قبيل الانتخابات في تحييد دور الجيش بعقد تحالف معه وربما كانت مناورة الجنرال ويرانتو لعبت دورا حاسما في هذا الامر فالجنرال رفض الترشح نائبا لحبيبي مما جعله يفقد الدعم, ثم تردد اسمه كنائب لوحيد واخيرا ترك قيادة الجيش بأكمله ليصبح وزيرا للتنسيق الامني ويبدأ عصر خروج الجيش من لعبة السياسة بعد تعيين وزير مدني للدفاع. الواضح من السيناريوهات المتعددة التي قادت الى هذا المخرج ان اندونيسيا عبر انتخاب عبدالرحمن وحيد قد قررت ان تحني رأسها للعاصفة مؤقتا لان البديل ربما كان قاسيا فدرس الازمة الاقتصادية الذي عصف بالعملة وجعل غالبية السكان يتجهون الى الفقر والبطالة.. ثم درس تيمور القاسي. هذه المرحلة ربما كانت فعلا بحاجة الى نوعية الرئيس الجديد.. رجل يكون اقرب الى المرحلة الانتقالية بحيث يحاول اخراج بلاده من سيناريو التفكيك.. المشكلة لم تعد الآن تيمور الشرقية, وحيد مطالب بتهدئة النزعات الانفصالية المتزايدة في اقاليم شيه واريان جايا واتشاي وامبون التي تطالب بالاستقلال وهنا تكمن المشكلة فاذا كانت تيمور الشرقية تمثل عبئا اقتصاديا هائلا على الخزانة الاندونيسية (90% من مواردها تأتي من جاكرتا) فإن الاقاليم الاخرى ذات موارد اقتصادية متنامية.. هنا تبرز على الفور مشكلة توزيع الثروة في بلد يبلغ عدد سكانه 210 ملايين شخص, راتب الرئيس فيه 15 مليون روبية شهريا اي 1900 دولار في حين راتب المواطن العادي عشرة آلاف روبية!! الاخطر من كل ذلك هو التحدي الخارجي فالدور السياسي لاندونيسيا تغير بعد الحرب الباردة شأن باكستان الآن.. ساندها الغرب بكل قوة لوقف المد السوفييتي بل ايد ضم تيمور الشرقية بالقوة الى جاكرتا وضخ في شرايينها مليارات الدولارات كي تقف اقتصاديا امام النموذج الصيني.. انتهى كل ذلك وكانت ضربة سوروس بسحب الاستثمارات فانهارت العملة. اندونيسيا او الرئيس وحيد مطالب الآن بتسديد الفاتورة داخليا وخارجيا لقروش الداخل وحيتان الخارج. قد يكون وحيد نجح ومعه اندونيسيا عبر صفقة الانتخابات في منع المياه من التسرب الى السفينة لكن المؤكد ان الثقوب مازالت موجودة وتحتاج لاصلاح عاجل حتى لا تواجه مصير تايتانيك! بقلم: عماد الدين حسين