ما حدث في الباكستان, مؤخرا هو في الحقيقة, انقلابان وليس انقلابا واحدا, الأول فشل بعد ان استمر ساعات قليلة, قاده رئيس الوزراء نواز شريف بثقة عالية واعلن فيه اقالة قائد الجيش الجنرال برويز مشرف, وهو في طريق عودته من زيارة رسمية لسريلانكا, والانقلاب الثاني الذي نجح, الى حد الان على الاقل, قاده مساعدو مشرف الذين اعتقدوا ان عزل قائدهم, مقدمة لاحالتهم على التقاعد وابعاد لهم, فتضامنوا فيما بينهم وتمردوا على الشرعية وسيطروا على البلاد. وقد ارتكب نواز شريف خطئين قاتلين وهو يدير معركته مع العسكر, فهو اولا لم ينتظر عودة الجنرال مشرف من جولته السيرلانكية ومواجهته بالقرار الذي اتخذ بعزله, خصوصا وان الدستور الباكستاني يمنح رئيس السلطة التنفيذية صلاحيات اقالة وتعيين القادة العسكريين, والخطأ الثاني, كان في خروج شريف على التقاليد والأعراف السائدة في المؤسسة العسكرية, عندما تجاوز نائب رئيس هيئة الاركان الجنرال محمد عزيز, المؤهل لخلافة مشرف, ولجأ الى الجنرال محمد ضياء الدين رئيس الاستخبارات العسكرية وعينه قائدا للجيش في خطوة اثارت سخط الضباط الكبار, الذين عدوا الاجراء اهانة لهم وتقليلا من شأنهم, فعمدوا الى رفض قرارات رئيس الحكومة جميعها وامتنعوا عن الامتثال لها وعدم تنفيذها. ويبدو ان شريف الذي يوصف عادة بالسياسي الماكر والرجل القوي, لم يحسن اختيار التوقيت المناسب في اقالة الجنرال مشرف, وطريقة تنفيذها, واخفق ايضا في اختيار البديل, في غمرة انشغالاته بادارة الصراع على اكثر من جبهة ثارت عليه في الفترة الاخيرة, وشلت قدرته على التصرف والمناورة واستخدام التكتيك المطلوب. ورغم ان الانقلاب العسكري الجديد, ليس جديدا في الحياة السياسية الباكستانية, فهو يحمل الرقم 5 في قائمة الانقلابات, بدءا من انقلاب الجنرال اسكندر ميرزا عام 1958 مرورا بانقلابات الجنرال ايوب خان وسلفه اغا خان وانتهاء بانقلاب ضياء الحق الذي لقي مصرعه في حادث انفجار طائرته عام 1988, الا ان المفارقة في انقلاب الجنرال مشرف, انه اول انقلاب عسكري ينجح وقائده ضابط معزول وخارج البلاد, اي انه لم يكن موجودا على الارض وبلا ادنى جهد, وهو حدث له دلالاته, على حجم الصراع الذي كان محتدما في الخفاء بين الحكومة والمؤسسة العسكرية, والقوة التي يتمتع بها عسكر البلاد في حسم المواجهات مع الساسة, وقدرتهم على فرض شروطهم وانتهاك الدستور والشرعية, دون خشية من العواقب. وهناك مخاوف جدية, من عودة التاريخ الى الوراء, وتكرار تجربة علي بوتو وضياء الحق في مطلع يوليو 1977 عندما اقدم الثاني على اعتقال الاول المنتخب شرعيا ومن ثم حاكمه واعدمه, دون ان يلتفت الى عشرات الوساطات من قادة الدول واحتجاجات الرأي العام العالمي في المطالبة بالافراج عن بوتو الذي ظل متمسكاً بالديمقراطية الى حين قتله. واذا استذكرنا التهم التي ساقها الجنرال ضياء الحق ضد خصمه بوتو وادت الى اعتقاله ومن ثم اعدامه, نجد ان ثمة تطابق بينها وبين ما اعلنه الجنرال مشرف في تدبير انقلابه على نواز شريف. فكما اتهم ضياء الحق, رئيس الوزراء الراحل بمعاداة الجيش والعمل على تخريبه وانتهاج سياسة تفضي الى ضعفه والتقليل من شأنه, ردد الجنرال مشرف, هو الآخر, الاتهامات ذاتها وزاد عليها قضايا اخرى تتعلق في تبديد اموال عامة واختلاسات وفساد اداري واستحواذ شخصي وهي تهم وحدها كافية لانزال الموت على نواز شريف ووزرائه ومساعديه. من هنا, فان الخشية تظل قائمة, على مستقبل الديمقراطية في الباكستان, التي لم تعش غير عشر سنوات ضمن الحكم المدني حفلت بالصخب والاضطرابات والتناحرات الحزبية, منذ مقتل الجنرال ضياء الحق نهاية العام 1988, وحتى يومنا الراهن, وانما من اتساع الفوضى والانقسامات العرقية وخروج اقاليم معينة من السيطرة عليها, خاصة اقاليم الشمال التي يتردد عنها كلام كثير, يشير الى انها تحولت الى ارض خلفية وداعمة لحركة طالبان. وفي ضوء ذلك كان وصف المحللين والمراقبين السياسيين للعقوبات التي لوح بها مجلس الامن للحركة الافغانية, بفرض حظر جوي عليها, وتجميد ارصدتها وحساباتها المالية في الخارج, بانها رسالة الى القيادة الباكستانية الجديدة, التي يزيد غموض سياساتها ومواقفها الامر تعقيداً. فالانقلاب العسكري جاء في ظروف غير مواتية لخروج الباكستان من سلسلة اشكالات داخلية وخارجية. نجح رئيس الوزراء السابق في تجميدها ومنع اتساعها, انتظاراً لاجواء وجهود اقليمية مع الهند, وقضية كشمير, والصلات الملتبسة في كثير من وجوهها مع طالبان, اضافة الى التفجيرات النووية التي اشاعت الذعر في المنطقة. ويشكك كثير من المتابعين للشأن الباكستاني, من قدرة الجنرال مشرف ورفاقه, في اعادة الثقة الدولية بهذا البلد المتناقض في كل شيء, الذي وصفته صحيفة (نيويورك تايمز) بانه محير فعلاً, يجمع بين الفقر في عموم سكانه والنجاح في اطلاق صواريخ نووية, وسيكون من العسير على نخبة عسكرية محترفة معالجة ازمات داخلية وخارجية شائكة, ومما زاد الشكوك في منهج القيادة العسكرية انها لم تفصح عن شيء من اجندتها السياسية والاقتصادية, عقب استيلائها على السلطة, ولعل التأجيل المتكرر لاعلانها السياسي الموسع الذي وعدت به منذ اليوم الاول لتسلمها الحكم, يعطي انطباعاً مؤكداً بانها غير قادرة على فهم المعطيات الراهنة, وكيفية مواجهة المستقبل, والمشكلة الاولى التي ستواجه عسكر الباكستان, هي نفي التهمة عنهم بمساندة حركة طالبان, التي تشير معلومات الى انها تمكنت من اختراق اوساط واسعة ومتنفذة في المؤسسة العسكرية تقدم لها الدعم والتشجيع سراً وعلناً, وهذا الامر يسبب قلقاً لدى الادارة الامريكية التي حذرت الانقلابيين من مغبة اتخاذ خطوات تزيد الانقسام داخل البلاد, والتوتر مع الخارج. ويبدو ان واشنطن, هي اكثر الجهات حذراً من الانقلاب العسكري, ولوحظ انها تعاملت معه بمرونة وعدم تشدد, فقد اعلنت انها فوجئت بقرار نواز شريف اقالة قائد الجيش, الامر الذي ادى إلى الانقلاب, في الوقت الذي دعت الى ان يسلم الجنرال مشرف السلطة الى حكومة مدنية يقودها التكنوقراط لتسيير شئون البلاد مدة ستة اشهر الى سنة, ريثما تتم حالة الطوارىء والعودة الى الحكم المدني. وواضح ان الادارة الامريكية لا تريد قطع الخيوط نهائياً مع قادة الانقلاب بعد ان نجحوا في فرض سيطرتهم على البلاد وشددوا قبضتهم على مقاليد السلطة, فلجأت الى التلويح بمزيد من العقوبات الاقتصادية على الباكستان, والتحذير المبطن للهند من اي محاولة لاستغلال الازمة الحالية, وكان وزير الدفاع الامريكي وليام كوهين قد افصح عن موقف بلاده عندما صرح الخميس الماضي, ان الوضع متوتر جداً في الباكستان وعلى واشنطن توخي الحذر في رد الفعل, مشيراً الى اتصالات امريكية تجري مع الانقلابيين للتوصل الى حلول مرضية. وعموماً, فان ما حدث في الباكستان, الاسبوع الماضي يحمل معه قلقاً مشروعاً ليس للادارة الامريكية الخائفة من نفوذ طالبان وامتداداتها الباكستانية, وانما للهند التي دخلت حربين ضاريتين مع الباكستان نهاية الاربعينات ومطلع السبعينات, وخاضت معها وما تزال سلسلة معارك على الحدود وفي كشمير, واذا كان البعض يتوقع بان حكم العسكر قد يعيد الانضباط إلى الشارع الباكستاني المضطرب, ويفرض حالة من الاستقرار المفقود منذ سنوات, فان المخاوف تثار ايضا من دوائر محلية واطراف دولية, من عجز القيادة العسكرية في مواجهة التحديات الكبيرة التي تصاعدت في العقد الاخير وباتت تشكل صداعاً للباكستانيين انفسهم والدول المجاورة, وامام العسكريين فرصة لاثبات نواياهم التي اعلنوا عنها لتجنيب بلادهم المزيد من المشاكل والازمات, والا فان الباكستان مقبلة على مرحلة قلقة من المستحيل السيطرة عليها واحتوائها, وبالتالي فان المنظور القريب سيكون هو الفصل في كشف ملامح مستقبل الباكستان ومعرفة الكيفية التي سيكون عليها هذا البلد المسكون بالتناقضات والاحتمالات المؤجلة. بقلم: هارون محمد، كاتب وصحافي عراقي مقيم في لندن