تمر باكستان مجددا, بنقطة تحول في تاريخها الحافل بعدم الاستقرار السياسي على مدار 52 عاما, فالجيش, الوصي التقليدي على الحكومة الباكستانية, يتربع من جديد على سدة السلطة السياسية ولا تزال جميع المؤسسات السياسية المدنية بما فيها الدستور معلقة , ولا يزال نواز شريف الذي جاء الى السلطة بتفويض شعبي كاسح قبل عامين ونصف يخضع للاقامة الجبرية في منزله. ومع الاخذ بعين الاعتبار, الفقدان الكبير للشعبية التي كان يتمتع بها شريف في البلاد, في الاشهر الاخيرة, فإن هناك شعوراً عارماً بالارتياح في اوساط الشعب., وقد لا يكون الباكستانيون يغنون ويرقصون في الشوارع ابتهاجا بوصول الجنرال برويز مشرف للسلطة, ولكنهم لا يذرفون الدمع ايضا لرحيل نواز شريف, وليس بالضرورة ان شعب باكستان يوافق على الحكم العسكري, ولكنهم ارادوا ببساطة التخلص من نظام مدني يعتبرونه, وهم على حق في ذلك غير كفؤ وفاسداً والاسوأ من ذلك, مذعناً للمصالح الاجنبية. لقد اجتمعت عوامل عدة لتعجل من الازمة التي قادت الى تقويض شرعية الحكومة المنتخبة لنواز شريف والاطاحة النهائية وبها على يد الجيش. واول هذه العوامل كان الركود الاقتصادي الذي اقترن بفساد كبير في اوساط السياسيين وبسياسات مالية متهورة من جانب الحكومة. ونتيجة لذلك, كان الاقتصاد يعاني من التدهور وكانت الاستثمارات ضئيلة تماما لكي يكون لها اي تأثير. اما ما كان يبعث على الانزعاج اكثر فهو شبه الانهيار الذي كانت تعاني منه مؤسسات الدولة وقدرتها على الحفاظ حتى على مستوى ادنى من القانون والنظام والامن في المجتمع. وقد ادى التآكل في القدرة المؤسساتية للدولة الى بروز وضع تتاح فيه الفرصة لمشاجرات ومواجهات بين الطوائف المتحاربة والجماعات العرقية حيث شهدت سقوط اكثر من اربعين قتيلا في غضون عشرة ايام فقط قبل ان يتولى الجيش السلطة. وتطلبت هذه الازمات الخطيرة في الاقتصاد والشرعية السياسية وجود اجماع وطني وجهد مخلص من جانب حكومة شريف لحشد التأييد من طيف واسع من الجماعات السياسية في المجتمع. وبدلا من ذلك, ومع تعمق الازمة, اصبح نواز شريف مولعا اكثر بالقتال والمواجهة. ان ما اشعل فتيل الازمة كانت محاولة نواز شريف المدروسة بشكل غير موفق لـ (اصلاح) القوات المسلحة في اعقاب حادثة كارجيل مع الهند. فقد جعل الشعب والمجتمع الدولي يصدق ان كابرحيل كانت عملية خبيثة تم التخطيط لها وتنفيذها من جانب الجيش دون موافقته المسبقة او رضاه. وذهب الى حد القول بأن بلية الجيش الباكستاني في كشمير كان يمكن ان تقود الى كارثة نووية في شبه القارة, ثم طار الى واشنطن للتوقيع على اعلان اعتبر استسلاما مذلا فيما يتعلق بقضية تقرير المصير للشعب الكشميري. واكثر خطأ قاتل لنواز شريف كان التلاعب بالتماسك المؤسساتي للقوات المسلحة ومحاولته احداث خلافات عرقية في صفوفهم من اجل ضمان الولاء السياسي لقادة ميدانيين مهمين. ثم جاء قراره المتهور بعزل الجنرال برويز مشرف بينما كان في زيارة لسريلانكا. وكان هذا الخطأ هو القشة التي قصمت ظهر البعير. فقد تجمعت القوات المسلحة بشكل عفوي حول زعيمها وردت الضربة في عملية اعد لها بعناية. وبالتالي لم يكن هذا انقلابا عسكريا تقليديا بالشكل المألوف في باكستان. لقد كان نواز شريف هو البادىء بالتخطيط لانقلاب على الجيش, لكن انقلابه فشل وانقلاب الجيش نجح وكان ينبغي ان يكون لدى شريف الحس المسبق بأن محاولته تحدي السلطة المؤسساتية للجيش وتمزيق تركيبته القيادية قد تعطي عكس النتائج المرجوة وتنتهي بعواقب وخيمة على مستقبله السياسي. وعلى الرغم من انه لا يوجد الكثير من المؤشرات لما يخبئه الزمن للوضع السياسي المستقبلي لباكستان, فإن الجنرال مشرف تجنب اعلان الاحكام العرفية ووعد بقيادة البلاد نحو (ديمقراطية حقيقية) وليس الديمقراطية الزائفة التي سادت في عهدي نواز وبنازير. وتجاوبا مع المشاعر العامة في البلاد تعهد بأن يكون ترسخ استقرار الاقتصاد واقتلاع الفساد واعادة القانون والناظم وادخال اصلاحات مؤسساتية من اجل المحاسبة والشفافية والحكم الجيد يكون على رأس اولوياته, ويتوقع ان يتم تشكيل حكومة مدنية انتقالية تتألف من عناصر غير سياسية, غالبيتهم من التكنوقراط والجنرالات والقضاة المتقاعدين, ولكن ستظل القرارات السياسية الرئيسية في ايدي كبار ضباط الجيش. لقد تغير رد فعل واشنطن على الانقلاب في باكستان على نحو كبير منذ تولي الجنرال مشرف السلطة قبل اسبوع. وعلى العكس من دول الاتحاد الاوروبي, فإن الولايات المتحدة اتخذت موقفا اكثر اعتدالا يؤثر اصحابه الانتظار ومتابعة الموقف. وعلى الرغم من ان واشنطن كانت قد اصدرت من قبل تحذيرا للعسكريين الباكستانيين من عدم اللجوء الى اساليب تنتهك الدستور لتغيير حكومة نواز شريف, الا انها تقبلت الآن فيما يبدو (حكومة مشرف) . وهذا هو التعبير الذي استخدمته مادلين اولبرايت وزيرة الخارجية الامريكية كأمر واقع. وفي ضوء خبرة واشنطن الطويلة في التعامل مع جنرالات باكستان, فانها تأمل في ان تتمكن من الاتصال بشكل جيد مع الحكومة العسكرية الجديدة في اسلام اباد. وفي غياب اعلان فج للاحكام العرفية وانتهاكات صارخة للحريات المدنية في باكستان, فإن ادارة كلينتون لن تتجاهل فكرة تطوير علاقات عمل مرضية مع حكومة مدنية يدعمها العسكريون في اسلام اباد في مرحلة ما بعد نواز شريف. وللتخفيف من حدة مخاوف واشنطن ونيودلهي, عمد الحكام العسكريون الجدد في اسلام اباد على اعادة تأكيد سياستهم القائمة على كبح الجماح فيما يتعلق بالمجال النووي. وامروا بتخفيف حشد القوات من جانب واحد على الحدود الدولية مع الهند. وتواجه واشنطن ورطات سياسية خطيرة فيما يتعلق بباكستان. فعلى الرغم من التزامها في خطابها بالديمقراطية, الا انها لا يمكنها ان تعمد ببساطة الى عزل باكستان المزودة بالاسلحة النووية. وبالاضافة الى ذلك وعلى الرغم من عدم الاستقرار السياسي المزمن في باكستان وضعفها الاقتصادي, الا انها تظل لاعبا مهما في منطقة توجد للولايات المتحدة بها مصالح استراتيجية مهمة. وفي ضوء هذه الاعتبارات, يدعو بعض المستشارين السياسيين ذوي النفوذ في ادارة الرئيس الامريكي الى عدم قصر سياستها حيال باكستان على الطروحات المتعلقة باستعادة الديمقراطية, وعدم فرض عقوبات جديدة على حليف مثقل بالعقوبات بالفعل من حلفاء الولايات المتحدة والاجماع الذي يبرز في الدوائر السياسية في واشنطن ينعقد على ان هدفنا ينبغي ان يكون ضمان ان فترة الحكم العسكري في باكستان ليست فترة مؤقتة فحسب وانما مثمرة كذلك. غير انه من الجلي ان كون التغيير الذي حدث في الحكم في باكستان سوف يؤدي الى استقرار اقتصادي وسياسي او يمضي بالبلاد نحو المزيد من عدم الاستقرار هو امر يعتمد الى حد كبير على نوعية مخطط اللعبة الذي سيطرحه الجنرالات. بقلم: د. ممتاز أحمد ترجمة: ضرار عمير