لا تعني مهارة اللاعب بالنار انه سوف ينجح ـ بالتأكيد ـ في كل مرة يمارس فيها هوايته الخطرة!غابت تلك الحقيقة عن عين رئيس الوزراء الباكستاني نواز شريف, وادار عقله نشوة النجاحات المتكررة في كل مناورة او مواجهة مع أطراف اللعبة السياسية في باكستان , حتى فوجئ, بأن السحر قد انقلب على الساحر, وبضربة واحدة فقد كل شيء, وأصبح مهددا بمواجهة تهمة الخيانة العظمى! اصطدم نواز بالجيش, القضاء, رئيس الجمهورية, المعارضة, الرأي العام, وحتى حزبه لم يسلم من الانقسام, وكانت ردود افعال الشارع في اتجاه معاكس ازاء ادارته للأزمة الاخيرة في كشمير, وخضوعه للضغط الامريكي, ثم قراراته الاقتصادية الاخيرة التي أثرت سلبيا, وبشكل مباشر, على حياة المواطن البسيط. كان يمكن للرجل الذي تصور ـ في احيان كثيرة ـ انه يمسك بكل خيوط اللعبة ان ينجح لفترة أطول, لو ان بديهية بسيطة لم تغب عن خاطره ـ في احيان كثيرة ـ تلك التي ترتبط بأن الجيش سوف يظل الرقم الصعب في المعادلة السياسية داخل باكستان, وان الغافل عن ذلك ـ مهما بلغت براعته ـ لابد للنار ان تحرقه في النهاية. ولم تكن التداعيات التي شهدتها باكستان خلال الاشهر القليلة الماضية وليدة أزمة واحدة, بل كانت نتاجا للأزمات المتوالية منذ وصول نواز الى السلطة في فبراير 97, ثم اصراره الدؤوب على ألا يكون فقط اللاعب الأول في الساحة, ولكن ان يكون اللاعب الوحيد من خلال مجموعة من التكتيكات التي تضمن له التفرد بالسلطة, وفرض سيطرته على كافة المؤسسات. انقلاب سياسي لم يضيع نواز وقته, مستثمراً النجاح الساحق الذي احرزه, والاغلبية البرلمانية الكبيرة التي تمتع بها, فأجرى عدة تعديلات دستورية: اولا يمنع النواب من تغيير الانتماء الحزبي, ثم ادخل تعديلا دستوريا اخر يقضي بحرمان رئيس الجمهورية من حق حل البرلمان, وكان من شأن التعديل الثاني الحد من صلاحيات رئيس الدولة في اقالة الحكومات, وتعيين قادة الجيش, وحكام الاقاليم, والنص على نقل هذه الصلاحيات لرئيس الوزراء, كما استصدر قانونا من مجلس النواب والشيوخ يسمح لرئيس الوزراء باستئناف الاحكام القضائية لاطالة عمر الحكومة في حالة ادانتها بحكم قضائي. كان ذلك يعنى ـ في المجمل ـ ان نواز قاد انقلابا سياسيا, والمثير في الأمر ان المعارضة لعبت دور وحدات الدعم والاسناد في الانقلابات العسكرية التي يكتب لها النجاح الحاسم السريع! ثم رفض نواز المصادقة على تشكيل مجلس الدفاع والأمن القوميين بمشاركة القيادات العسكرية, ليقطع الطريق على اسهام الجيش بشكل مقنن, في اتخاذ القرارات المهمة, وكان هذا الرفض بمثابة الصدام المكتوم الاول مع القادة العسكريين الذين لم يخفوا دهشتهم لموقف رئيس الوزراء, خاصة ان كلا المجلسين ذو طابع استشاري. وانتبهت المؤسسة العسكرية الى ان ابعاد تحركات نواز ترمي الى تحقيق عدة اهداف في مقدمتها: تحجيم دور رئيس الجمهورية, كقائد اعلى للقوات المسلحة, عبر سحب صلاحية تعيين قادة الجيش من بين يديه, السعي الى الحد من الدور التاريخي للمؤسسة العسكرية الاكثر تنظيما وفاعلية في صناعة القرار السياسي, خلق صيغة جديدة تحكم العلاقة بين رئيس الوزراء والجيش تضمن الى جانب الولاء, الاقرار بتلك الصيغة التي تحكم سيطرة نواز على المؤسسة العسكرية. ضد القضاء والرئيس! كانت الخطوة التالية في لعبة استعراض القوة التي استهوت نواز خطوة مزدوجة؛ تهدف الى ضرب عصفورين بحجر واحد: الهيئة القضائية, ورئيس الجمهورية! بدأت الازمة مع المحكمة العليا عندما اقترح نواز قانونا لمكافحة الارهاب, اثار استياء المحكمة, ورغم انها لم تتخذ موقفا مضادا, الا ان نواز رفض تنصيب قضاة جدد في المحكمة, مما أثار رئيسها, وبدأ صراع مكشوف بين الرجلين, وسرعان ما تشابكت خيوط تلك الازمة ـ بالتوازي ـ مع انقسام داخل صفوف الهيئة القضائية من ناحية, ورئيس الجمهورية من ناحية اخرى. ففي الوقت الذي اعلنت فيه المحكمة العليا نظر قرار البرلمان بشأن تغيير الانتماء الحزبي, وجه رئيس المحكمة اتهاما لرئيس الوزراء بازدراء القضاء, واصر على محاكمته, ثم صدر قرارا من محكمة اقليمية باقالة رئيس قضاة المحكمة العليا, لكن الاخير واصل عمله, وبدأ في بحث القضية الخاصة بتعديل الدستور في شأن الحد من سلطات رئيس الدولة. في هذا الصراع؛ كان من الواضح تماما حجم وعمق الشروخ التي اصابت النظام الباكستاني, وطالت كل مؤسساته, خاصة عندما اصبح رئيس الجمهورية, ورئيس المحكمة العليا في جانب, بينما رئيس الوزراء يعتصم بأغلبيته في البرلمان, وكل طرف يحاول استخدام صلاحياته ضد الاخرين, حتى وصل الامر الى تهديد نواز باقالة رئيس الجمهورية بعد اتهامه بالتآمر مع رئيس المحكمة العليا ضده! ولم يكن من المتصور ان تستمر المؤسسة العسكرية في لعب دور المراقب للاحداث في ظل هذا التصعيد الدراماتيكي للصراع بين اجنحة النظام ومؤسساته, وحتى داخل المؤسسة الواحدة, دفع ذلك التصعيد الجيش للقيام بدور الوساطة لانهاء الازمة في وقت احتدمت فيه الخلافات داخل المحكمة العليا, ثم اعلان رئيس الجمهورية استقالته. فهل كان دور الوسيط المحايد الذي لعبته المؤسسة العسكرية في تلك الازمة المعقدة المتشعبة بمثابة فاتح لشهية نواز للاستمرار في تحقيق طموحه بأن يكون اللاعب الوحيد على الساحة؟ ـ نعم. لكن ربما كانت تلك الـ (نعم) والى حد بعيد, وراء التداعيات المتتالية, حتى وصل الامر الى نقطة اللاعودة, وتم اعلان البيان رقم (1). رسالة محددة غير أنه لا يمكن نفى ان المؤسسة العسكرية كانت تريد تبليغ رسالة واضحة محددة للجميع: (الجيش موجود؛ يتابع الامور؛ يتدخل عندما يجد ذلك ضروريا, بالطريقة التي يرى انها تحقق المصلحة الوطنية, ثم ان اختيار الطريقة يتوقف على حجم ما يتهدد الامن والاستقرار, بمعنى ان دور الوسيط ليس قابلا للتكرار في كل ازمة, خاصة وان اسباب الصراع ودواعيه ظلت في تصاعد) . يؤكد صحة ما ذهبنا اليه, ان الجيش اختار التوقيت الذي رأى انه مناسبا للعب الدور الذي حدده قادته, فهو لم يدع من احد الاطراف, كما ان التوقيت والدور لم يكونا محل اعتراض من أي من اطراف الصراع, وربما كان نصب اعين قادة الجيش ان القيود التي تفرضها المتغيرات الدولية والاقليمية على دور القوات المسلحة في السياسة والحكم تختلف ـ الى حد بعيد ـ عما كان يمكن قبوله في العقود الاربعة السابقة التي شهدت سلسلة انقلابات عسكرية كان اولها عام 1958. اتساقا مع هذه الرؤية؛ يمكن التأكيد على مسئولية نواز في وصول الامور الى الدرجة التي لم يكن امام المؤسسة العسكرية سوى خيار التحرك, بعد ان اقدم على اقالة الجنرال مشرف رئيس الاركان, رغم تمديد خدمته, ليكون ثاني جنرال في الموقع نفسه, يقدم نواز على طرده من الخدمة خلال عام واحد. وكان طبيعيا ان يفسر القادة الامر على انه تهديد للدور التقليدي الذي يلعبه الجيش منذ ميلاد الدولة, وبسبب ظروف المخاض الصعب والتهديدات المستمرة, خاصة وان العسكريين قد حكموا باكستان نحو نصف تلك الفترة, بشكل مباشر, وكانوا احد اضلاع مثلث الحكم, او بدقة قاعدته, في النصف الاخر. يتفق ذلك مع الرأي الذي ذهب اليه دبلوماسي امريكي بارز خدم كسفير في الهند بأن (سبب الانقلاب ليس الخلاف على السياسات, بل على المؤسسات والشخصيات والادوار) . من ثم فان اتهام المؤسسة العسكرية لنواز بخلق حالة من الفوضى والتقلبات, والتلاعب بالمؤسسات, خاصة الجيش الذي حاول شقه من خلال خلق مجموعة من الضباط الموالين له ـ شخصيا ـ على حساب وحدة المؤسسة, يكون لهذا الاتهام الخطير المركب ـ في آن واحد ـ نصيب في تفسير تحرك الجيش الذي يتحمل مسئولية تاريخية فيما يجري, على أساس انه المؤسسة الوحيدة التي يجمع عليها الشعب, بينما يتفاقم تردي الحياة السياسية والحزبية. مقامر حتى النهاية! لقد استمر نواز في المقامرة حتى اللحظة الاخيرة, وكان يتصور بطريق الخطأ في التحليل او خداع الذات ان الجيش الذي عاد الى ثكناته بعد انتخابات عام 1988 لن يغامر بالخروج منها, مرة اخرى, وانه سوف يكتفى بدور المراقب, او الوسيط, في احسن الاحوال وتناسى ان بنازير بوتو لم تحصل على رئاسة الوزارة ـ حينذاك ـ الا بعد ان اضاءت لها المؤسسة العسكرية الضوء الاخضر, ثم نجحت بعد ذلك في ممارسة قدر كبير من ضبط النفس والحنكة في التعامل مع الجيش, لكن درس بنازير مع غرور القوة الذي سيطر على تحركات نواز وقراراته كان كفيلا بازاحته, واعتقاله, وعودة الجيش للامساك بمقاليد الامور. ويبدو ان ضعف الذاكرة الذي أصاب نواز كان وراء اصراره على التدخل في شئون المؤسسة العسكرية, وفرض سيطرته عليها, وخلق الانشقاقات داخلها بتعيينه رئيس جديد للاركان بعيدا عن التقاليد المستقرة التي تلتزم بمبدأ الاقدمية, كما انه لم يتشاور مع قيادة الجيش فيما يتعلق بتعيين قائده الجديد, وكان طبيعيا في ظل الازمة الاقتصادية الخانقة, والموقف في كشمير, ان يعود الجيش الى الواجهة. والسؤال الان: ماذا بعد هذه العودة؟ ان التكهن بسيناريو محدد للمستقبل القريب, بعد مغامرة محفوفة بالكثير من المحاذير, لان الجنرال مشرف نفسه اعلن ان الجيش لا يعتزم البقاء في السلطة (اكثر مما يستلزم الامر لفتح المجال امام ارساء ديمقراطية حقيقية) , لكنه ـ في الوقت ذاته ـ لم يحدد اي موعد لعودة الحكم المدني, وقال: (ان تجميد الدستور لفترة مؤقتة لا يمثل فرضا للاحكام العرفية, لكنه مجرد طريق اخر نحو الديمقراطية) ! من ثم فانه من الصعب التنبوء بموعد انسحاب الجيش من الواجهة مكتفيا بدوره خلف الستار. غير انه من المؤكد ان الفترة الانتقالية التي يقرر خلالها الجيش استمرار وضع يده على السلطة سوف تتضمن التعاطي مع ملفات مهمة على المستويات الداخلية, والاقليمية والدولية, وفي المقدمة سوف تكون الاولوية للازمة الاقتصادية الحادة, ومحاربة الفساد, والعنف الطائفي, والاعداد لانتخابات جديدة, هذا على المستوى الداخلي, اما على المستوى الاقليمي فان العلاقة مع الهند, وقضية كشمير سيكون لها الاولوية, وعلى المستوى الدولي فان العلاقة مع امريكا من ناحية, والجهات الدولية المانحة للقروض سوف يكون لها اولوية متقدمة لارتباطها بملف الوضع الاقتصادي الداخلي, وهو الملف الذي لا يحتمل التأجيل حتى يتسلم المدنيين الحكم. شبح الانقسام المؤكد ـ ايضا ـ ان المؤسسة العسكرية لا تريد ادارة البلاد والانغماس في تفاصيل المشاكل المعقدة, لكنها تسعى لان تكون متقلد السلطة الرئيسي ـ كما يؤكد خبير امريكي في الشئون الاسيوية ـ لذلك فان اكثر ما سيركز عليه قادة المؤسسة في المرحلة الحالية الا يعاني الجيش من خطر الانقسام, وان يلتف وراء رجل واحد لديه القدرة على الحركة الطليقة, وهو ما يمتلكه الجنرال مشرف بالفعل, لان البديل يمكن ان يفتح ابواب الجحيم. واذا كان العسكريون غير مهتمين بالمشاركة مباشرة في ادارة البلاد, الا ان تصور احجامهم تماما عن التدخل عندما يجدون ذلك ضروريا يعد رهانا خاسرا. ربما تصور نواز انه بعدما يقرب من ثلاث سنوات على عودته للحكم, بعد خروجه في ابريل 93, وكان للجيش وقتها دور كبير وحاسم بانحيازه لرئيس الجمهورية, الذي اقال نواز, وحل البرلمان, ان تحرك الجيش ضده غير ممكن, وربما اعتقد ـ بفعل غرور القوة وضعف الذاكرة ـ ان نجاح تكتيكاته الرامية الى انفراده بالسلطة كان من جرائها ان الجيش لم يعد كما كان رقما صعبا في معادلة الحكم, لاسيما بعدما قام به من محاولات تحجيمه, او رهانا على ان طبيعة الحسابات الاقليمية والدولية المعقدة تجعل قادة المؤسسة العسكرية لا يفكرون في اتخاذ قرار بالعودة للحكم. وفي كل الاحوال لم يكن الرهان صائبا لان الاسباب ذاتها, التي تصور نواز احجام الجيش عن التدخل بفضلها, كانت هي الدوافع التي جعلت المؤسسة العسكرية تستشعر اهميتها ومكانتها في مواجهة اللاعبين الاخرين, من ثم لم تنتظر الدعوة من احد في اللجوء لخيار الانقلاب لتنظيف الحياة السياسية, ثم القيام بدور الراعي للانتخابات الجديدة, التي لم تحدد لها موعدا, قبل ان تعود للثكنات, بعد ان اصبح الدرس هذه المرة واضحا للجميع, ليس اليوم فقط, ولكن غدا وبعد غد. كاتب مصري