استقبلني الرئيس اليمني علي عبدالله صالح في حديقة القصر الجمهوري بصنعاء, وليس كالعادة في مكتبه, وبينما كان البروتوكول يستدعي تقديم محاور الحوار معه مكتوبة قبل اجرائه معه, اراده عفويا ومباشرا ودون الحاجة للتسجيل أو الانتقالية لأي من اختياري لقضايا الساعة وغيرها من المشكلات التي تعج بها الساحة السياسية واخترت تجربة اليمن الديمقراطية واشكالياتها فلما طرحت عليه ملاحظاتي عن اوجه الفساد والاختلالات مثار شكوى الشارع اليمني, فاجأني بالمزيد من الوقائع والاسرار حول ظواهر العمولات والمحسوبية, بما يؤكد على مصداقية الشكوى, وانه آن اوان الحسم والعزم لوضع الامور في نصابها الصحيح, إثر تجديد ولايته لاول مرة عبر الانتخاب الديمقراطي المباشر من الشعب بنسبة فاقت توقعاته, ممايعني الزامه بالتعويض للشروع الى التغيير المطلوب. قال: تعلم ان الوحدة نهضت بين شطري اليمني الشمالي والجنوبي فوق ركام سنوات مريرة من المماحكات السياسية والمتناقضات العقائدية, بالتزامن مع اشتعال الحروب الاهلية بين النظام في عون والنظام في صنعاء, ولأن الوحدة كانت الهدف الاستراتيجي لثورتي 26 سبتمبر 1962 و14 اكتوبر 1963 والامل الذي تعلق به الشعب اليمني قرونا طويلة, الا اننا فوجئنا بفيروس الفساد والتسيب يفرض نفسه على مسيرة الوحدة! * سألته: كيف؟ ـ قال: هذه قصة طويلة ومعقدة بدأها الحزب الاشتراكي شريكنا في صنع الوحدة بعدم الشفافية, فعندما طالبناه بإيداع رصيد اليمن الديمقراطي السابق في خزانة دولة الوحدة, ادعى افلاسها من أي دينار أو ريال واحد ولم يكن ذلك صحيحا بالمرة, ومن ثم تحملت ميزانية الوحدة عبء الصرف على مؤسسات الدولة في المحافظات الجنوبية والشرقية والوفاء بمرتبات الموظفين واجور العاملين في القطاع العام, ناهيك عن رواتب وزراء الحزب الاشتراكي في دولة الوحدة, وعلى قدم المساواة مع رواتب وزراء الشطر الشمالي قبل الوحدة, اضف الى ذلك ميزانية ومخصصات قواته المسلحة والامن, رغم موقف الحزب الاشتراكي المعروف ازاء رفض عملية اندماجها في قوات وامن دولة الوحدة لغرض في نفس يعقوب, والادهى والامر كان نهم الاثراء غير المشروع الذي اصاب قيادات الحزب الاشتراكي, والذي تمثل في شهوتهم للرفاهية والنعيم الذي حرموا من اشباعها ابان سيادة النظام الماركسي في الشطر الجنوبي سابقا, ومن ذلك اقتناء المساكن في صنعاء وعدن والسيارات الفاخرة والمضاربة في سوق العقارات والاراضي. ومظاهر الصرف البذخي دون وجه حق, وبينما كنا بانتظار ان يضربوا للشعب القدوة في التقشف والنزاهة من واقع تجربتهم الاشتراكية كانوا على العكس مثالا سيئا لغيرهم! * قاطعت الرئىس علي صالح وقلت: ولكن لماذا تراجعت عن معالجة الفساد في حينه وقبل استشرائه؟ ـ قال: نظريا معك حق, وعمليا كان حرصنا على استمرارية الوحدة فوق كل اعتبار, لكونها هدفا وطنيا وقوميا طموحا يهون الغالي والثمين من اجله, وقد نجحنا بحكم مسؤوليتنا التاريخية في انقاذ الحزب الاشتراكي من مصيره المحتوم واسهمنا في هروبه الى الامام والتعلق بقارب نجاة الوحدة. خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية التي كانت تتكفل بمعظم ميزانية اليمن الديمقراطي, فلما انقطع هذا المورد ادرك الحزب ان ساعة محاسبته من الشعب له على فترة حكمه الاستبدادي قد اوشكت, عندئذ كان رضوخه أخيرا لخيار الوحدة التي ماطل في انجازها منذ توقيع اتفاقية القاهرة للوحدة عام 1972! * قلت: وبعدها على حد قول سيادتكم ـ تحين الحزب الاشتراكي الفرصة المواتية للانقلاب على الوحدة, الا تتحملون إذن جانبا من مسؤولية المؤامرة الانفصالية وخسائرها التي بلغت عشرة مليارات دولار فضلا عن مئات الشهداء والمعاقين خاصة ولايزال الحزب يردد اتهامكم ببدء الحرب؟ ـ قال: لم نكن غائبين لحظة واحدة ازاء نوايا قيادة الحزب الاشتراكي المبيتة ضد الوحدة, ولان المضطر ـ بحكم مسؤوليته التاريخية ـ عليه أن يركب الصعب, من هنا تغاضينا عن مظاهر فسادها وافسادها, بل ومحاولات حكومة ابو بكر العطاس الثانية المستميتة لتعطيل دوران اجهزة الدولة واعاقة تنفيذ مشروعات التنمية لعل الشعب يكفر في النهاية بالوحدة وجدواها حتى علي سالم البيض نائب رئيس الجمهورية والامين العام للحزب الاشتراكي في عدن وممارساته الازدواجية للسلطة والمعارضة معا, حاولنا معه المستحيل لارضائه الى حد تدليله من اجل ان تستمر الوحدة, وفي عمان وقع معنا وثيقة (العهد والاتفاق) تحت رعاية المغفور له الملك حسين وفي حضور مختلف المرجعيات اليمنية فماذا حدث؟ العالم كله يعرف بقية القصة بكل تفاصيلها المذهلة, حين تحالف مع الشيطان واستعان بأمواله وامكانياته ورضخ لاغراضه واعلن الانفصال عن دولة الوحدة, عندئذ حتمت علي المسؤولية التاريخية المبادرة للدفاع عن شرعيتها الدستورية التي اكتسبتها تباعا عبر اجازة البرلمان في عدن وصنعاء دستور الوحدة, وتصويت الشعب في استفتاء عام على قبوله بالوحدة, ثم اجراء انتخابات نيابية ديمقراطية مرتين بعد قيام الوحدة, ولاشك ان القبول الشعبي والاستمرارية الدستورية لدولة الوحدة اهلتها للصمود في مواجهة المؤامرة الانفصالية, اما الحديث عمن بدأ الانفصال ومن بدأ الحرب فمجرد كلام مرسل مضى الى حال سبيله بينما لايصح في النهاية الا الصحيح, ويتذكر ان مختلف تجارب الوحدة الالمانية والايطالية والامريكية جرى ترسيخها والدفاع عنها بقوة السلاح, وهكذا ايضا عمدت الوحدة اليمنية بدماء الشعب وارواح شهدائها! * قلت: جرت المنافسة بينكم في الانتخابات الاخيرة على مقعد الرئاسة مع السياسي المستقل نجيب قحطان الشعبي وهو عضو في حزب المؤتمر الشعبي الذي تتزعمونه, بينما كان المطلوب التفعيل لمبدأ التداول السلمي للسلطة ـ الموفقة على ترشيح الامين العام للحزب الاشتراكي علي صالح عباد (مقبل) ولكانت المنافسة عندئذ اكثر واقعية. ـ قال: ليتها كانت كذلك, لكن هذه الفرضية النظرية اصدمت بقانون الانتخابات الذي اقره المجلس النيابي منذ فترة سابقة على اجراء انتخابات الرئاسة, فهذا القانون يفرض شرط حصول المرشح لمنصب الرئاسة على نسبة 10% من اصوات البرلمان, وهو مالم يتحقق لمرشح الحزب الاشتراكي بسبب مقاطعته للانتخابات التي جاءت بالنواب. * قلت: ومع ذلك كان بالإمكان التغاضي على هذا الشرط كي تتحق المصداقية لمبدأ التداول السلمي للسلطة! ـ قال: وهذا صحيح ايضا من الناحية النظرية, لكن اذا كان الحزب الاشتراكي مارس حقه الديمقراطي وقاطع الانتخابات النيابية, فمن حق حزب المؤتمر وحزب الاصلاح المعارض ممارسة حقوقهما الديمقراطية ايضا في حجب اصواتهما البرلمانية عن مرشح الحزب الاشتراكي تأسيسا على عدة اسباب سياسة وموضوعية (اولا) لان الحزب الاشتراكي اختار ان يعزل نفسه سياسيا عندما قرر الامتناع عن المشاركة في الانتخابات النيابية و(ثانيا) لانه غامر بموقفه المعادي للوحدة والمجافي لشرعيتها الدستورية عندما عقد مؤتمرا سياسيا افضى الى رد الاعتبار لعدد من قياداته التي ادانها القضاء بجريمة الانفصال و(ثالثا) لانه ثبت بما لايدع مجالا للشك وبشهادة قياداته البارزة في الداخل ان صلته التنظيمية لاتزال موصولة بقيادته الانفصالية التي تعيش في الخارج, وهي التي املت قرار مقاطعة الانتخابات فلماذا اذن يتباكى الان على اللبن المراق وهو الذي كسر الجرة عامدا متعمدا. * قلت: أفهم من ذلك ان القطيعة استحكمت بينكم والحزب الاشتراكي الى غير رجعة. ـ قال: بالعكس ولسبب مبدئي وهو انني بحكم منصبي وصلاحياتي رئىسا لكل اليمنيين دون استثناء أو محاباة لاحد, ثم انني الراعي للتجربة الديمقراطية التي نرجو لها النمو والازدهار, ومن هنا اعتبر الحزب الاشتراكي ركيزة اساسية في اطار التعددية السياسية, والحوار بينه وحزب المؤتمر لم ينقطع ابدا وقد رفضت الضغوط التي حاولت محاسبة الحزب الاشتراكي أو اقصاءه بجريرة بعض قياداته الانفصالية خاصة انه بادر الى اعلان ادانته للانفصال, ومن ثم اعدنا له مقراته وامواله وعاد لممارسة نشاطاته السياسية والتنظيمية والاعلامية بحرية ونرجو له النهوض من كبوته عبر اعادة ترتيب اوضاعه وممارسة فضيلة النقد الذاتي للاخطاء السياسية الفادحة التي ارتكبها بعض قياداته! * قلت: في مؤتمركم الصحفي نهاية انتخابات الرئاسة لمسنا من اجابتكم عن سؤال حول المصالحة الوطنية مع قيادات الحزب الاشتراكي في الخارج موقفا ايجابيا .. اين الحقيقة؟ ـ قال: مصالحة مع من! بعد ان فتحنا ابواب العفو الشامل عن كل من غرر بهم في المؤامرة الانفصالية وعادوا بالمئات يمارسون حياتهم ونشاطاتهم احرارا آمنين دون ان يتعرضوا للمساءلة او الاعتقال؟ ثم ان القائمة التي كانت تضم 16 قياديا متورطين في تدبير المؤامرة وتنفيذها بقرار من النيابة العامة, تقلصت الى النصف عندما عرضت القضية على المحكمة, وعلى من صدرت بحقهم احكام بالادانة ان يعودوا الى الوطن وان يستأنفوا تلك الاحكام وتبرئة ساحتهم, لكن الشواهد تؤكد استمراءهم اللجوء السياسي في الخارج والعمالة المأجورة ضد الوطن وامنه ووحدته الوطنية ونهجه الديمقراطي, واتساءل بدوري من اين يصرفون منذ سنوات على اقامتهم في الفنادق الخمسة نجوم وشراء تذاكر الطائرات واصدار الصحف المسمومة وتلك البرامج الفضائية المشبوهة, التي لاهم لها سوى الاساءة لليمن وتشويه صورته الوضاءة امام العالم؟ * قلت: اسمح لي ياسيادة الرئيس ان اسألك عن مغزى دوافعك لاجراء انتخابات الرئاسة وقد كان تجديد ولايتك عبر البرلمان ممكن؟ ـ قال: وانا اسألك هل تابعت معركة انتخابات الرئاسة؟ وهل رأيت فيها ما يستوقفك؟ * قلت: استوقفتني الجماهير الحاشدة التي خرجت للاستماع لكم ونجيب قحطان الشعبي, وذكرتني بزخم الوطنية والقومية في مصر ابان الحقبة الناصرية, ورأيت المواطنين يصطفون بنظام ادهشني وهم يمارسون حقهم الانتخابي في اختيار رئيسهم القادم, واعجبني ان منافسكم اثار انتقادات حادة لسيادتكم وابان الاخطاء والاخفاقات العديدة في نهج واداء الحكومة, ورغم ذلك يظل السؤال عن جدوى هذه الانتخابات, اذا كان الشعب اليمني قد خاض وراءك معارك الخدمة والدفاع عنها وهذا يكفي لتجديد ولايتك دون منافسة؟ ـ قال: اردت ان يأتي رئيس الجمهورية من الان فصاعدا الى السلطة, لاعبر البرلمان او الانقلابات العسكرية, وانما عبر الانتخابات المباشرة من الشعب, حتى تستكمل المعادلة الديمقراطية احدى ركائزها بالتداول السلمي للسلطة كارقى التجارب الديمقراطية في العالم, وكانت غايتي استثمار فرصة الانتخاب كمدرسة لتعميق الوعي والممارسة الديمقراطية ومن هنا خضت الانتخابات بجدية وطفت مختلف ربوع اليمن من اقصاها الى ادناها, للالتقاء بالجماهير وتحسس نبضها والاستماع الى شكواها ومطالبها وطموحاتها, والتعرف على اوجه موافقتها او نقدها لبرنامجي الانتخابي, وافتتاح العديد من مشاريع التنمية والبنية التحتية, وادركت ان بذرة الديمقراطية التي سقاها الشعب بالوعي والتفاعل سوف تؤتي ثمار الاستقرار والوحدة الوطنية والرفاهية المنشودة, والا لما خرج الالاف طوعا للاستماع للمرشحين المتنافسين على الرئاسة, ولما كان هذا الحرص الذي اذهل المراقبين على ممارسة الشعب لحقه في انتخاب رئيسه عبر الشرعية الديمقراطية واسدال الستار على اختياره من البرلمان عبر الشرعية الثورية, وقلت انني سوف اكون راضيا لو جاء فوزي في الانتخابات بنسبة 51% فحسب! * قلت: لكن تظل التحديات تتربص بالتجربة الديمقراطية؟ ـ قال: اي تحديات تعني؟ انني على يقين بان الديمقراطية الصحيحة قادرة على مجابهة اعتى التحديات, كما وان جميع مشكلات اليمن تجد حلولها الناجعة بالمزيد من الديمقراطية, أليست الديمقراطية حكم الشعب للشعب. * قلت: الامية على سبيل المثال؟ ـ قال: ربما تكون الامية عائقا للتطور الديمقراطي في بعض دول العالم الثالث, لكن في اليمن لاتوجد امية سياسية وهذا مايعنيني في هذا الخصوص, حيث اكد الشعب اليمني بما لايدع مجالا للشك على وعيه السياسي وعلى ممارسته للديمقراطية بشفافية, ودليل ذلك ان الانتخابات الديمقراطية في ظل الوحدة, لم يسمع فيها صوت رصاصة واحدة ولاسقط خلالها قتيل واحد رغم شيوع ظاهرة حمل السلاح, ولعلك رأيت ذلك الاقبال الجماهيري الحاشد على انتخابات الرئاسة طوعا دون اكراه او اغراء, وبينهم نسبة عالية من النساء وكبار السن وحتى المعاقين, الا يدل ذلك على ايمان الشعب بالديمقراطية طريقا للمجتمع الافضل! * قلت: لماذا تستثني سيادتك الامية الثقافية؟ ـ قال: بل هي موضوع عنايتنا القصوى, فلا تحديث لليمن بدون العلم, وقد قدر لك زيارة اليمن اثر اندلاع ثورة 26 سبتمبر عام 1962 مباشرة ولم يكن انذاك اثر لمدرسة واحدة بالمعنى الحقيقي خلفها حكم ائمة حميد الدين وراءهم في طول اليمن وعرضه, بينما المشكلة التي تواجهنا الان تكمن في ملاحقة الاقبال الهائل على طلب العلم, ولدينا الآن 20 جامعة حكومية واهلية, بينما بلغ عدد التلاميذ والطلاب خمسة ملايين, ثم ان نهم الشعب اليمني للثقافة ظاهرة فريدة, ولا ادل على ذلك من زيادة المطابع المضطردة وارقام توزيع الكتب والدوريات العربية والاجنبية, وانتشار اجهزة التلفزيون و (الدش) في اقصى المناطق النائية والاقبال الجماهيري الملحوظ على الندوات الادبية والثقافية والعلمية والسياسية, وتلك امثلة على حب الشعب اليمني لاستعادة سابق حضارته الخالدة ودوره على خريطة الثقافة والابداع العربي. * قلت: وماذا عن ظاهرة حمل السلاح الا تمثل تهديدا للاستقرار كونه احد العوامل الضرورية لتأمين الشجرة الديمقراطية وازدهارها؟ ـ قال: نحن لانضع رؤوسنا في الرمال, وندرك ان شيوع حمل السلاح ظاهرة معيبة لامفر من علاجها, لكن مابالك بالولايات المتحدة حيث يستطيع اي امريكي شراء سلاح واقتنائه بدون ترخيص, في اليمن ورثنا عادة حمل (الجنبية) ـ الخنجر ـ كمظهر للزينة والتفاخر, فهل رأيت خلال زيارتك لليمن مواطنا يشهر جنبيته في وجه احد؟ ان مجرد اخراج الجنبية من غمدها عيب اخلاقي يستحق رد الشرف, اما مشكلة حمل السلاح الناري فهي ايضا تقليد موروث من عصور الامامة المتخلفة, سواء لحراسة الممتلكات او الدفاع عن النفس في ضوء قصور قوات الامن انذاك عن القيام بهذه المهام فضلا عن حرب (الخطاط) التي ظلت متأججة بين القبائل, وقد تفاقمت الظاهرة ابان الدفاع عن الثورة, وبعدها نكبنا بسلسلة من الحروب الاهلية بين شطري اليمن, ثم نزوح اللاجئين الصوماليين باسلحتهم الى اليمن وبيعها في السوق السوداء, والاعداد القليلة من العرب الذين عادوا من الحرب ضد السوفييت في افغانستان واتخذوا من اليمن محطة الى حين تم ترحيلهم الى بلادهم. * قلت: والحل؟ ـ قال: الحل لا يأتي بقرار, وانما عبر الديمقراطية والتوعية والتطور الاجتماعي والثقافي تمكنا من تحريم حمل السلاح في المدن الا بترخيص رسمي ولظروف ودواعي تقدرها الجهات الامنية, وقد صادرت هذه الجهات عشرات الالاف من قطع السلاح غير المرخصة عن قناعة ودون اعتراض اصحابها, وتلك خطوة اولى لها ما بعدها من خطوات على طريق استئصال الظاهرة, بالتزامن مع تعزيز قوات الامن وتحديث وسائلها, ولاتزال حوادث المرور تفوق اضعاف الحوادث النادرة الناجمة عن حمل السلاح. * قلت: والقبيلة؟ ـ قال: مؤسسة اجتماعية لها تقاليدها الموروثة, وعلى عكس ما يتصور البعض ازاء مناوأتها للسلطة المركزية اكدت دوما ولاءها للوطن وكانت في طليعة المدافعين عن خياراته في الانفتاح من الامامة البغيضة في الشمال والاستعمار البريطاني في الجنوب وانتصارها للوحدة والدفاع عن مكتسباتها ثم ان رياح التطور الاجتماعي والثقافي غيرت الى حد كبير من التركيبة والمفاهيم القبلية حتى باتت اشبه بالاسر الكبيرة التي يرعى كبيرها صغيرها, وكل ابناء اليمن المتعلمين والمسؤولين ورجال الاعمال والقوات المسلحة والشرطة ابناء قبائل في الاصل بمعنى ان التطور يتم تدريجيا وديمقراطيا, ان الحل لا يأتي بقرار فوقي او يجرة قلم, ولا بالقفز فوق مراحل التطور كما حدث في اليمن الديمقراطي سابقا, فاذا بالنعرات القلبية الكامنة تعبر فجأة عن نفسها تحت اقنعة سياسية, وعندما احتدم الصراع الدامي بين رفاق الحزب يوم 13 يناير 1986 المشؤوم الذي راح ضحيته 13 الف قتيل. * قلت: وماذا تقول سيادة الرئيس عن اختطاف القبائل للسياح الاجانب وتفجير انابيب البترول؟ ـ قال: هنا اود ان اوضح حقيقة, وهي ان هذه القبائل لم تقتل سائحا ولا اجنبيا واحدا, وشهدوا بأنها اكرمت وفادتهم وفي كل حوادث الاختطاف كان يتم تسريحهم بالمعروف مقابل ان تستجيب الحكومة لمطالبهم في شق طريق او حفر بئر ماء او بناء مدرسة, اما تفجير انابيب البترول فهي عمليات ممولة من الخارج تستهدف حرمان اليمن من استغلال موارده! * قلت الديمقراطية تعني التوزيع العادل للسلطة والثروة والمعرفة وحق العلاج كما تعني التنمية المتوازية, والشواهد ان هناك اختلالات في هذا الصدد وراء تجاوزات القبائل؟ ـ قال طبيعي لاتزال هناك اختلالات اجتماعية تنموية, ولدينا بطالة ايضا, والاسباب معروفة وتكمن في اجتياز اليمن مرحلتين عصيبتين من تنفيذ برنامج الاصلاح الاقتصادي وكلفة انجاز البنية التحتية من الصفر وخاصة في المحافظات الجنوبية والشرقية وقد توقفت المعونات العربية والدولية اثر ازمة الخليج, وما ادت اليه من عودة مليون ونصف المليون يمني كانوا يمدون خزانة الدولة بمدخراتهم من العملة الصعبة, فاذا هم يشكلون حجما كبيرا من مشكلة البطالة, ولكننا في كل الاحوال نجحنا في تخفيض نسبة التضخم وتثبيت قيمة العملة اليمنية, وعبر الاحصاءات الدقيقة والتخطيط السليم شرعت الحكومة في تنفيذ مشاريع التنمية والخدمات الاستراتيجية الطموحة, وتم بناء سد مأرب وعدد اخر من السدود, والعمل جار في اعادة بناء ميناء عدن والمنطقة الحرة, كما وفرنا اموالا طائلة كانت تضيع عبر وسطاء الاستيراد وخاصة القمح والسلع الغذائية وكذا المتلاعبين في موارد البترول, وجار الان ضبط عملية الضرائب, وتلك بعض الامثلة على توجهنا صوب معالجة هذه الاختلالات حسبما وعدت الشعب في برنامجي الانتخابي, ناهيك عن استئصال ظواهر الرشوة والمحسوبية والاثراء غير المشروع. * قلت بصراحة سيادة الرئيس ماهي حقيقة اتهام اليمن بالارهاب؟ ـ قال: الارهاب ليس وليد المجتمع اليمني, ولكن مبتلى به مثل غيره من الدول التي يصدر لها الارهاب من الخارج, سواء عبر البوابة الافغانية سابقا او البوابة البريطانية لاحقا!. * قلت: كيف تفسر منح بريطانيا حق اللجوء السياسي في اراضيها للاصوليين الارهابيين وتدريبهم على حمل السلاح والتفجيرات على ايدي ضباط بريطانيين سابقين وتزويدهم باجهزة الاتصالات الحديثة التي استخدمت في عملية اختطاف مايسمى بجيش (عدن ـ ابين) للسياح الاجانب بين زعيمه المحضار وابو حمزة المصري في لندن عبر الاقمار الصناعية وفقا لما اكدته التحقيقات مع المتهمين في اليمن؟ ـ قال: وكيف تفسر ايواء امريكا للشيخ عمر الرحمن مفتي تنظيمات الارهاب الاصولي في مصر؟ الا ان تكون بريطانيا وامريكا ضالعتين في الارهاب, واستخدام صنائع مشبوهة للاساءة الى الاسلام والمسلمين. وكان قد مضت ساعة ونصف على حواري مع الرئيس علي عبدالله صالح حول افاق التجربة الديمقراطية اليمنية واشكاليتها, عندما قدم له سكرتيره الصحفي عبده بورجي ورقة من السفير السعودي في صنعاء يطلب مقابلته فور,ا سألني الرئيس اليمني هل لديك استجواب اخر فقلت سؤالين فقط الاول حول مدى قابلية التجربة الديمقراطية اليمنية للتطبيق في غيرها من الدول العربية. قال: الديمقراطية ليست وصفة جاهزة في الكتب والنظريات السياسية, كما وان تجربة اليمن الديمقراطية محلية بحتة بمعنى انها غير قابلة للتصدير واعتقد ان لكل دولة ظروفها وخياراتها واسلوبها في تطبيق الديمقراطية بمسمياتها المختلفة ومناهجها المتباينة. * قلت: سؤالي الاخيرحول المرحلة التي انتهت اليها مفاوضات ترسيم الحدود اليمنية السعودية؟ قال: تسير بخطى حثيثة نحو غايتها ونأمل نهايتها السعيدة اوائل العام المقبل بالتراضي والوفاق وبلا ضرر ولا ضرار, ومن هنا كانت دعوتي الاشقاء في السعودية للتعاون الاقتصادي والاستثمار المشترك في مشاريع النفط والتعدين باليمن. صنعاء ـ (البيان) حوار: يوسف الشريف
الرئيس اليمني علي عبدالله صالح لـ (البيان) : الملف الحدودي مع السعودية بانتظار النهاية السعيدة اوائل العام المقبل
