طرح الرئيس الامريكي بيل كلينتون في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الاخيرة على اعضاء المجموعة الدولية مشروعا امريكيا جديدا يعطي للأمم المتحدة والقوى الدولية الكبرى حق التدخل العسكري المباشر ضد اي نظام او دولة تمارس القوة العسكرية ضد شعبها أو ضد الاقليات المتواجدة على ارضها ولن تتردد القوى الكبرى في مساعدة هذه الشعوب او تلك الاقليات انسانيا من دون اخذ الاذن من الامم المتحدة او انتظار موافقة مجلس الامن على ذلك.. كما ترغب الولايات المتحدة الامريكية التي اصبحت حساسة جدا من مسألة مجلس الامن او الجمعية العامة للأمم المتحدة أن لا تجد منافسة ومعارضة في الكثير من القرارات الدولية المهمة ذات العلاقة بمصالحها الاستراتيجية الدولية.. الا ان ابعاد الطرح الامريكي الجديد بانقاص ادوار مجلس الامن وبقية المنظمات الاقليمية والدولية, في عالم يشهد تغيرات وتحولات عميقة على مختلف المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية, يرمي الى تنصيب الولايات المتحدة نفسها على انها المسؤولة المباشرة على ادارة الازمات الاقليمية والدولية, وترفض في ان ينافسها على الادارة الدولية القوى الثانوية كفرنسا وبريطانيا والمانيا الموحدة, او القوى المتنامية كالصين واليابان مثلا, لانها تعتقد ان مقدرتها العسكرية وامكاناتها الاقتصادية والتكنولوجية, تؤهلها لكي تتبوأ لوحدها مقعد الريادة الدولية ويتطلب منها ذلك ان تحافظ على الاستقرار الدولي لكي تستطيع ادارة النظام الدولي الجديد الذي لم تكتمل ملامحه بعد, دون مشاكل دولية, ولكي تستطيع مراقبة القوى الدولية الاخرى التي تنافسها على ادارة الاقتصاد الدولي, اي دول الاتحاد الاوروبي ودول جنوب شرق آسيا, ولاحظنا كيف عملت الولايات المتحدة الامريكية على افشال محاولات الدول الاوروبية تسوية ازمة كوسوفو الاخيرة ودخلت على الخط الدولي وقادت قوات حلف شمال الاطلسي بقيادة امريكية محضة وتمكنت من حل الازمة العرقية في البلقان وظهر للجميع مدى الدور الذي لعبته الولايات المتحدة في هذه الازمة وكان من الممكن لدول الاتحاد الاوروبي عن طريق منظمة الامن والتعاون الاوروبي تسوية ازمة كوسوفو بالطرق السلمية لانها تمتلك الامكانات العسكرية والدبلوماسية التي تسمح لها من ان تضغط على قوات ميلوزفيتش وتخرجها من منطقة كوسوفو بالقوة العسكرية, ففرنسا مثلا بوصفها قوة نووية واقليمية كان بمقدورها توظيف الردع العسكري او النووي او تحريك حاملة طائراتها في حوض البحر المتوسط من ان تجبر القوات اليوغسلافية على التراجع الى الخطوط الامامية.. الا انها فشلت بضغط امريكي! تراجع المفاهيم الدولية يمر العالم بمرحلة من التحولات الدولية عقب تفكك الاتحاد السوفييتي وانهيار المنظومة الاشتراكية, ولعبت ثورة الاتصالات والمعلوماتية في جعل العالم عبارة عن قرية صغيرة تحدث داخلها تفاعلات تجارية واقتصادية معقدة, وهكذا اصبح العالم يهتم بالتنافس الاقتصادي والاعلامي اكثر ما يهتم بالمنافسة العسكرية والايديولوجية التي كانت قائمة في فترة الحرب الباردة ولقد وجدت الولايات المتحدة الامريكية نفسها على هدم النظام الدولي الجديد, الذي بدأت تحدث داخله بعض المشكلات الجدية ناجمة عن عجز بعض الدول التكيف مع تحولات العالم الجديد, فكثير من الدول لم تستطع ان تساير حركة العالم الاقتصادي والاجتماعي كالدول الافريقية مثلا, ورفضت ان تغير من انماط انظمتها السياسية والاقتصادية المتخلفة, مما اسفر عن وقوع تمردات شعبية كما كان الحال عليه مع دول أوروبا الشرقية سابقا.. كما ان العديد من الاقليات الدولية ترغب في أن تستقل عن دولها وتأسس كيانات مستقلة بذاتها لانها تتخوف من ان تؤثر تحولات العالم الجديدة على كياناتها الاجتماعية وعاداتها المتجذرة منذ قرون, ووجدت العديد من الاقليات رفضا قاطعا من انظمتها السياسية التي استعملت معها القوة العسكرية. وتجد الولايات المتحدة الامريكية الذريعة لحماية هذه الشعوب وتلك الاقليات من دون ان تكترث بأن هذه الشعوب والاقليات تحكمها انظمة سياسية مستقلة وتتمتع بالسيادة الشخصية الدولية, وهي اعضاء في منظمات اقليمية ودولية, بمعنى آخر ان الولايات المتحدة الأمريكية تعمل على ازالة مفاهيم السيادة والأمن والاستقلال السياسي من القاموس السياسي الدولي الراهن, وترغب في ان تحل محلها مفاهيم التدخل العسكري (الانساني) والمجتمع الدولي والمنظومة الدولية وغيرها.. وتعبر المفاهيم الجديدة هذه على ان العالم الجديد لايعترف بالحدود السياسية والجغرافية القائمة ولا بالكيانات السياسية وانما يعترف بالكيانات والدول التي تعمل وفق الرؤية السياسية الأمريكية وعلى هذا الأساس تحاول الولايات المتحدة ان تعمم نموذجها السياسي والاقتصادي على مجموعة دول العالم بمطالبتها لرعاياها باحترام حقوق الانسان, والتنافس الديمقراطي على الحكم, واتباع اقتصاد السوق في التعاملات الداخلية والخارجية, ووجدت استجابة لدعوتها هذه, تظهر في تغيير العديد من دول العالم طبيعة انظمتها السياسية القائمة من انظمة عسكرية الى انظمة تكنوقراطية.. لكن التساؤل الذي يطرح هل تعرف دول العالم المغلوب على أمرها ما يخفيه مشروع القانون الأمريكي هذا؟ دول الجنوب.. وحق التدخل الانساني تمثل دول الجنوب 80% من شعوب العالم ويظهر ان هذه الدول لاتزال عاجزة عن ايجاد آليات للتكيف مع تحولات العالم الجديد الذي يحكمه التنافس الاقتصادي والاعتماد المتبادل, كما تفتقد دول الجنوب للمقدرة التي تمكنها من منافسة القوى الكبرى, كما تراجعت مؤشرات النمو الاقتصادي في هذه الدول العشرية الأخيرة ووجدت نفسها تحت رحمة المؤسسات المالية الدولية والقروض المقدمة اليها من القوى الكبرى, وكانت مجموعة 15 التي يرأسها الرئيس التنزاني الأسبق جوليوس نييردي اشارت في أحد بياناتها الى الخطر الذي يحدق بدول الجنوب اذا ما فشلت في التوصل الى تحقيق التنمية, لأن الاضطراب وعدم الاستقرار السياسي والاقتصادي الذي لاتزال دول الجنوب تعيشه سيترك الباب مفتوحاً امام القوى الكبرى لكي تجد ذريعة للتدخل العسكري, وبالتأكيد نهب المزيد من ثروات دول الجنوب ولمح إلى ذلك الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة الذي ترأس بلاده منظمة الوحدة الافريقية, في كلمة ألقاها مؤخرا امام الجمعية العامة للامم المتحدة على ان القوى الدولية الكبرى تعمل على اعادة النظر في الخارطة الدولية وتتقاسم الادوار على حساب الدول الفقيرة, وهذه المعادلة خطيرة تزيد من الصراع والفجوة القائمة بين عالم الشمال وعالم الجنوب. الزعامة امريكية وما هو مؤكد من رغبة الولايات المتحدة الامريكية تثبيت مشروعها الجديد بجعله قانونا دوليا تحترمه وتلتزم به المجموعة الدولية, انها ـ أي الولايات المتحدة الامريكية ـ ترغب في تثبيت زعامتها الدولية خوفا من المنافسة الدولية عليها خاصة وان المنافسين تضاعف عددهم, وخوفا من ان تمس المنافسة مصالحها الاستراتيجية الحيوية, ايضا, كما ان الاستقرار الدولي الذي تدعي الولايات المتحدة الامريكية انها مسؤولة عنه, يساعدها على ترتيب البيت الامريكي الداخلي الذي يعيش هو الاخر مشكلات كبيرة (الجريمة, المخدرات, الفقر) , كما ان تثبيت المشروع الامريكي يتولى حلف شمال الاطلسي تنفيذه بوصفه الذراع العسكري التي توظفها الادارة الامريكية لتخميد بؤر الصراع الاقليمي والدولي, وهذا هو العالم الجديد الذي لم تكتمل ملامحه بعد, وهو عالم الولايات المتحدة الامريكية بالتأكيد.