من الملف السياسي : تحت يافطة العولمة ، قطب واحد تحتاج بلدوزراته النظم والسياسات بقلم: رضي الموسوي

فجّر الامين العام للامم المتحدة كوفي عنان قنبلة سياسية حساسة حين دعا في كلمته, التي القاها في الدورة الرابعة والخمسين للامم المتحدة, الى تعزيز التدخل الدولي في المناطق التي تتعرض الى خطر ابادة البشر فيها, وشكك في قدرة الانظمة على ابادة شعوبها اذا ما احسن هذا التدخل مؤكدا انه في القرن المقبل لن يسمح للحكام بالاحتماء خلف اعمدة السيادة ووحدة التراب الوطني لكي يمارسوا الابادة والتطهير العرقي وانتهاك حقوق الانسان . هذا الموقف من الرجل الاول في الامم المتحدة احدث ردود فعل متباينة, وحسب الذين استمعوا له في آخر جلسة للمنظمة الدولية في القرن العشرين اريد لها ان تكون صاخبة, خاصة حين احتمى كوفي عنان بمجلس الامن واعضائها الكبار حين اكد بان (مجلس الامن لن يقف مكتوف الايدي امام الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان, حتى اذا كان ذلك يعني اتخاذ اجراءات عسكرية) . بمعنى ان الامين العام اراد تحديد هذه المهمة في اطار مجلس الامن وحده, بالرغم من انتقاده للحالة الانتقائية لعملية التدخل. ففي بلد مثل رواندا كانت الابادة فيها تشكل البشاعة الاكبر خلال الحرب الاهلية (1994), الا ان احدا لم يتدخل لحقن الدماء, الامر الذي ضرب مصداقية الامم المتحدة والذراع العسكري الضارب لها والمتمثل في الولايات المتحدة الامريكية, التي شعرت ان التورط في هكذا حرب له من المضاعفات السلبية اكثر من النتائج الايجابية حتى وان كان ذلك سيضاعف عشرات الآلاف الذين ذبحوا في تلك الدولة الافريقية. ولم يكن الامر مغايرا كثيرا حين انسحبت قوات الجيش الامريكي من الصومال سريعا بعد ان شاهد العالم الجنود الامريكان وهم يسحلون من قبل المجموعات الصومالية المتناحرة, حيث استذكر البنتاجون قصص فيتنام المرعبة, وهذا ما لم ترده واشنطن. لذلك كان الموقف الامريكي انتقائيا بشكل واضح حين اكد الرئيس الامريكي على هذه الانتقائية المعبرة عن المصالح الدافعة للتدخل, وذلك بالقول (من حق مجموعة من الدول شن هجوم عسكري لوقف مذابح في مناطق تهمها بدون موافقة الامم المتحدة اذا كانت هذه الموافقة غير واردة) , غامزا بذلك للموقف الذي اتخذه حلف الناتو في جمهورية الصرب رغم رفض روسيا والصين العضوين في مجلس الامن وصاحبي حق الفيتو. ومن هنا يبدو وضوح الموقف الروسي من خلال وزير الخارجية ايجور ايفانوف الذي شدد على (ان مجلس الامن هو السلطة الوحيدة التي يجب ان تقرر التدخل العسكري لاسباب انسانية) , مذكرا بعملية الالتفاف التي قامت بها كل من الولايات المتحدة وبريطانيا على مجلس الامن في حرب كوسوفو. وناصره في هذا الموقف نظيره الصيني تانج جياشوان الذي قال (نحن نعارض استخدام القوة تحت اي ذريعة. قضية حقوق الانسان في جوهرها قضية داخلية لاي بلد وينبغي مواجهتها بصفة اساسية من جانب حكومة البلد المعني) . ولم يكن موقف منظمة الوحدة الافريقية وبقية دول العالم الثالث بعيدا عن هذا الطرح الذي عبر عنه الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة حين اعطى ابعادا اقتصادية وسياسية واجتماعية لحروب الابادة متسائلا ما اذا كان هذا التدخل سيشمل الدول الكبرى. يتضح من هذا العرض المقتضب لمواقف بعض الاطراف الرئيسية في منظمة الامم المتحدة, انه ليس هناك اتفاق على قضية التدخل الدولي في الدول التي يتعرض مواطنوها لعمليات ابادة وقمع, بالرغم من ان التوجه السائد في الوقت الراهن ينزع نحو فرض قرارات الدول الكبرى على المجتمعات الصغيرة. ومثال صربيا واضح جدا. وكذلك مسألة تيمور الشرقية التي جاءت هذه المرة توافقا مع قرارات مجلس الامن نظرا للمعطيات التي سادت الدولة الاندونيسية متمثلة بالازمة الاقتصادية والسياسية التي تعصف بها منذ النصف الثاني من العام 1997م. ان مناقشة هادئة لدعوة الامين العام للامم المتحدة تفسح المجال امام استيعاب هذه المواقف المتضاربة. ففي زمن شديد النزوع لعالم بقطب واحد تجتاح (بلدوزراته) النظم والسياسات والاسواق تحت يافطة العولمة, يحق للدول المتضررة من هذا الاجتياح ان تعبر عن رأيها على الاقل, ذلك ان الامم المتحدة صاحبة اقتراح التدخل الدولي تعاني من مأزق خطير يتمثل في المديونية العالية التي تقلص قدراتها على العمل, حيث تصل هذه المديونية الى ملياري دولار امريكي بسبب تأخر العديد من الدول عن سداد اشتراكاتها في المنظمة الدولية وعلى رأسها الولايات المتحدة الامريكية التي بلغت مديونيتها للمنظمة الدولية اكثر من مليار ونصف المليار دولار, اي ثلاثة ارباع مديونية الامم المتحدة. ونظرا للقوة الاسطورية لواشنطن, فهي تتمنع عن دفع مستحقاتها الا بشروط اذعان المنظمة الدولية ودول العالم لقراراتها. وهذا ما يتجسد في الوقت الراهن؛ فلا يمكن لاي قرار او توصية ان يمرا دون موافقة المندوب الامريكي عليهما. كما ان اي قرار يتخذ في البيت الابيض او البنتاجون يراد له ان يكون قرارا امميا, والا فان حلف الناتو يمكن له القيام بالمهمة على اكمل وجه. هذه الانتقائية تقود الى تساؤلات اخرى تحمل ابعاداً مختلفة ومتعددة. فالسيادة الوطنية التي كانت محور القضية التي فجرها الامين العام, بحاجة الى مراجعة دقيقة في تعريفها ومفهومها. فالتعريف الدارج للسيادة الوطنية يعني بسط سلطة الدولة على الارض والناس, اي السلطة السياسية في ابهى صورها الامنية والعسكرية. بيد ان الدولة ناقصة التعريف اذا استثني الجانب الاقتصادي منها. فالاقتصاد يشكل العمود الفقري لاي دولة, وحين ينهار تتحول هذه الدولة او تلك الى مجموعة من العصابات التي تمارس بطشها على الناس الذين لا يملكون القوة وسلطة المواجهة. اما في الحالة الراهنة فان الاقتصاد لم يعد سياديا ولا يمكن لسلطات الامن في اي دولة تمارس الاقتصاد الحر ان تمسك بمفصلاته بينما هي غارقة في ديون خارجية وداخلية. ومن يحاول ذلك فإنه يتوجه الى اقتصاد شمولي مركزي القرار ليصل في خلاصة الامر الى الانزواء والحصار. لذلك نجد اغلب دول العالم تسعى لاجتذاب الاستثمارات الاجنبية التي يأتي اغلبها بشروط لا يمكن للدولة ان ترفضها ان هي ارادت الانفتاح. وحدها الدول الكبرى التي تضع شروطا لاستثمار الاجنبي. وحتى هذه وجدت لها آلية لفك النزاعات التجارية والاقتصادية فيما بينها, ومفصلة على مقاساتها, ثم فرضتها على بقية دول العالم في صيغة منظمة التجارة العالمية. وهي مطمئنة لهذه الصيغة باعتبارها جاءت بعد مفاوضات طويلة استغرقت عدة سنوات فحصت خلالها اتفاقيات الـ (جات) بدقة متناهية لدرجة ان وزير الخارجية الالماني يوشكا فيشر يرد على معارضي التدخل الدولي بالقول (ان المخاوف من عودة الاستعمار لا أساس لها اذا استندت الى القانون الدولي لاسباب انسانية) , وهو يوضح هنا المفهوم الغربي للقانون الدولي الذي جاء اصلا ليلبي متطلبات الاقتصاديات الغربية مالكة التقنية والاختراعات المتواصلة المحرومة منها الدول النامية. هل يمكن تجزأة السيادة الوطنية؟ بعد الخضّات التي شهدتها البشرية في السنوات الماضية وخاصة منذ مطلع التسعينات, يمكن القول انه ليس هناك سيادة وطنية لأي دولة تملك علاقات مع الدول الاخرى. فالشركات فوق القومية والمتعددة الجنسيات, واسواق المال العالمية والمحافظ المالية الاستثمارية والمتاجرة بالعملة... كلها معطيات تقلص سيادة الدولة على اقتصادها, تماشيا مع مفهوم العولمة التي يشكل الاقتصاد المفتوح مرتكزها الرئيسي والذي يخترق سيادة الدول دون استئذان من حرس الحدود بعد ان وضعت له ضوابط الاختراق المشرع لكل ما يعني تجارة واقتصاد وقوانين دولية ذات الصلة الوثيقة بالمباراة الاقتصادية. وحين يكون الاقتصاد منتهكا هكذا في سيادته, فان السياسة والاجتماع لن يكونا بمنأى عن هذا البتر والاختراق. لكن السيادة الوطنية والنظم السياسية بحاجة الى انتماء المجتمعات التي تديرها. وهنا تدخل في مفهوم آخر يجب ان يعرّف بدقة: ما الانتماء الوطني؟ هل هو انتماء للارض او البلد التي يعيش فيها ويقدم ولاءه لها, ام من يقدم الولاء للنظام السياسي وسلطته... ام كل هذه مجتمعة؟ واذا كانت العديد من النظم السياسية في العالم الثالث قد جاءت الى السلطة اما عبر انقلابات عسكرية او عن طريق القفز على معطيات اللعبة السياسية المتفق عليها... فإلى من يكون الانتماء هنا والولاء؟! يجب الاعتراف هنا ان ارباكا شديدا يسود العقل في الدول النامية, حيث المتاهات لاتزال تتسع توافقا مع ارهاصات جديدة ومحاولات مستميتة لابقاء هذا العالم ثالثا في مكانه. وقد استغلت الدول الغربية نقاط الضعف الكثيرة في الدول النامية لتركز مفاهيمها وتعزز سيطرتها الاقتصادية والسياسية رافعة شعار حقوق الانسان وحمايته من الابادة من قبل بني وطنه, مستندة في ذلك الى جيوش اللاجئين السياسيين والهاربين من بطش انظمتهم واولئك الذين ارادوا السلامة فهربوا من الحروب الداخلية او من الفقر في قوارب قد لا تصلهم الى البر الغربي (الآمن). ان الدول التي سارعت للانضمام في عضوية الامم المتحدة عليها استحقاقات وشروط يجب ان تنفذها. فالعضوية تعني الالتزام بالمواثيق الدولية التي هي احدى السهام التي تنتقص من السيادة الوطنية, ولكنها تجيء طوعا ورغبة في الاندماج مع بقية دول العالم. هذه المواثيق هي التي بدأت الدول الكبرى الحرب بأدواتها, ولا يبدو ان دولة ستكون مستثناة. فاذا فرغ العالم الصناعي من اطفاء الحرائق الكبيرة المتمثلة في الابادات الجماعية, فإنه سيتوجه للحرائق الصغيرة, اي قضايا حقوق الانسان. وليس امام دول العالم الثالث سوى قطع الطريق على التدخل الدولي من خلال تنظيف سجلها في هذا الجانب الذي يبدو انه سيكون عنوانا للعقود الاولى من القرن المقبل.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات