حين تأتي سيرة حركات التحرر الافريقية في الخمسينات والستينات, يقفز الى الاذهان اسم محمد فائق الذي شغل مع عبدالناصر مواقع حيوية هامة, كان اخرها وزيراً للاعلام قبل دخوله السجن في انقلاب السادات ضد القيادات الناصرية عام 71 في الوقت نفسه الذي كان يشغل فيه ايضا وزير دولة للشؤون الخارجية ولم تبعد هذه المناصب فائق عن افريقيا فقد ظل معها مسؤولا ـ امام عبدالناصر ـ عن الملف الافريقي الذي شهد انتصارات عظيمة بفضل مصر عبدالناصر, وابرز تعبير على ذلك حين قال الزعيم الافريقي نيلسون مانديلا لدى استقباله لفائق قبل خمسة اعوام: (لقد تأخر لقائي بعبدالناصر ثلاثين عاما) ... ماذا يقول فائق عن هذه المرحلة؟ وعن بداية علاقته بعبدالناصر؟ بدأت علاقتي بعبدالناصر قبل قيام ثورة يوليو عام 1952.. كان استاذا لي في مدرسة الشؤون الادارية التي التحقت بها بعد تخرجي من الكلية الحربية, وكنت وقتها ملازماً صغيراً, وجاء اول لقاء مباشر بيني وبين الثورة بعد قيامها مباشرة, وكانت مهمتي تأمين الثورة في الأيام الاولى, وكلفت مع آخرين بمسؤولية حصار قصر القبة. اما علاقتي بافريقيا فبدأت بعد قيام الثورة بفترة قليلة, وجاءت تحديدا, مع زكريا محيى الدين احد قيادات الثورة, وأحد الشخصيات الهامة في تاريخها كان محيى الدين بمثابة جسم هذه الثورة, وأهم بناة امنها الخارجي.. وعملت معه بعد استقلال السودان, حين حولنا ادارة الدولة لشؤون السودان الى ادارة العمل الافريقي, وكانت هذه فكرتي, ومعها بدأت علاقتي بالشؤون الافريقية عام 1953, والمعروف ان الدائرة الافريقية كانت جزءا من فلسفة الثورة وبالتالي مثلت اهمية خاصة في السياسة الخارجية, وجاءت مسؤوليتي وعمري لا يتجاوز 25 عاما, وعلى الرغم من هذا كانت الاجتهادات والتيقظ في وضع خطط لمحاربة الاستعمار في القارة تسير بخطى بالغة الاهمية, وأفسدت كثيرا من مخططات اجهزة المخابرات الغربية خاصة الفرنسية والانجليزية... لم يكن هذا الامر بسيطا وانما كان بالغ التعقيد, فلكي نصل الى المكان الذي نستهدفه, او معرفة حركات التحرر وقيادتها بغرض امدادها بالسلاح.. كان هذا يتطلب منا فهما دقيقا جدا لطبيعة تكوين القبائل الافريقية ومعرفة اسس التكوين السياسي والاجتماعي في كل بلد, وللاسف كانت المعلومات الدالة على ذلك غير متوافرة في مصر, او في الخارجية او حتى في رئاسة الجمهورية, وبالتالي كان علينا البدء من نقطة الصفر, واستخدام وسائل متعددة, وكانت اروقة الازهر احدى الوسائل الهامة والرئيسية التي بدأنا منها العمل, كنا نذهب الى الازهر دون ان يشعر احدا, ونبحث عن اولاد زعماء حركات التحرر الذين يتلقون العلم في الازهر, وكانت هذه هي نقطة الاتصال الاولى بهؤلاء الزعماء.. واستمر العمل على هذا النحو رغم صعوبته حتى عام 1956 حيث العدوان الثلاثي على مصر, وقبله كان تأميم قناة السويس, مما ادى الى انعاش حركة التحرر في العالم الثالث, وزيادة ايمانها بالقدرة على النصر, ساهم هذا الجانب في دفع حركات التحرر الافريقية الى اخذ زمام المبادرة في الاتصال بنا, بدلا من سعينا نحن الى الاتصال بهم كما كان, وبين المرحلتين, كانت هناك وسائل سرية اخرى يمكن تسميتها بالعوامل التمهيدية, وهي قيامي بزيارات سرية كثيرة الى بعض البلدان الافريقية بجوازات سفر مختلفة, اذكر منها, انني ذهبت الى بلدان باعتباري مواطن يوناني, واخرى باعتباري لبناني, وجاءت هذه الاساليب التمويهية على هذا النحو, لان الاستعمار في افريقيا لم يكن يسمح بسفر اي مسؤول مصري, ومن جانبنا كنا نرى اهمية هذه الزيارات التي تساهم في الاستكشاف والدراسة, ومعرفة الشعوب عن قرب.. لم نكن نصدر الثورة, ولكن كنا في الاساس نتعامل مع استقلال الشعوب الافريقية على انه جزء من امن مصر. اخذت المساعدات اشكالا متعددة ومتنوعة, فمثلا عندما تحول تسليح الجيش المصري من المدرسة الغربية الى المدرسة الشرقية, واصبح بحوزتنا فائض من السلام الغربي ارسلنا هذا السلاح الى جيوش بعض الدول التي نالت استقلالها, حتى تقف على ارضية صلبة, وفي عام 1961 حدث اتصال بالزعيم الافريقي نيلسون مانديلا قبل دخوله السجن, وقبله كان يوجد اتصال بحزب المؤتمر الذي قاد معركة النضال في جنوب افريقيا, وقررت مصر فتح مكتب له في القاهرة, ومع بداية الستينات بدأت عملية استقلال الدول الافريقية بالجملة, وانتهى عهد الاستعمار التقليدي وبدأت مشاكل من نوع اخر لهذه الدول المستقلة تمثلت في الارتباط الاقتصادي بينها وبين الدول المستعمرة لها, وكانت الدول المستقلة ترغب في الخلاص من هذا القيد, وجاءت على مصر معارك جديدة من نوع مختلف تمثلت في كيفية مساعدة هذه الدول للخروج من تلك الدائرة, واذكر مثلا, ان رئيس الوزراء الصومالي شارماركي, وكان من الشخصيات التقدمية, ارسل الينا برقية من احدى الدول الغربية التي كان يزورها, يطلب فيها مساعدة مصر لتسويق محصول الموز, وهو عصب الاقتصاد الصومالي, وكانت الصومال مستعمرة ايطالية, ورغم استقلالها, كانت بعض الشركات الايطالية تحتكر تسويق الموز, وقال شارماركي في رسالته التي تلقاها عبدالناصر, ان الشركات الايطالية احكمت الحصار عليه برفضها القيام بعملية التسويق المعتادة, والمأساة ان هذا تم بعد جمع المحصول, واضاف في برقيته انه اذا لم يتم تصريف الموز فستتعرض الصومال الى انهيار اقتصادي شامل, وزاد في برقيته: انه سيأتي الى مصر في طريق عودته الى بلاده للتباحث في هذا الامر, وفي اجتماع بينه وبين عبدالناصر, سأله عبدالناصر عن كمية الموز فأجابه, وجاء رد عبدالناصر عليه فورا: (سنأخذ كل الكمية على الرغم من ان انتاجنا للموز متوفر, بل نقوم بتصديره.. واضاف عبدالناصر: (الاخ فايق سيعلن هذا الاتفاق في مؤتمر صحفي عالمي) , ولا أنسى قول عبدالناصر لشارماركي: (هذا الاتفاق لن يتم تنفيذه لان الشركات الايطالية لن تسمح بذلك, لانها سترى ان هدفها الحقيقي من وراء لعبتها معكم لن يتحقق) .. وجاءت نبوءة عبدالناصر في محلها تماما, فبعد اعلاني عن الاتفاق, وفور عودة شارماركي الى بلاده, اعلنت الشركات الايطالية استعدادها لتسويق الموز, وتنازلها عن حصارها, ومن جانبه اضاف شارماركي شروطا جديدة على اسعار البيع, ادت الى ارتفاع السعر عن كل السنوات السابقة. هذه واحدة من الاحداث الهامة في سجل ثورة يوليو وعلاقتها بحركات التحرر الافريقي, والتي تكشف الى اي مدى كان مفهوم الامن القومي لمصر لا يقف عند حدودها الجغرافية المتعارف عليها, بل انه يمتد الى ما وراء ذلك, وتؤكد صحة هذه النظرية احداث التاريخ المتعارف عليها, وأدلها محاولة اسرائيل تنشيط دورها في ربوع القارة.