ركزت مأساة تيمور الشرقية التي اطلت برأسها بعد وقت قصيرة من ازمة كوسوفو, الاهتمام مجددا على الحاجة لتدخل في الوقت المناسب من جانب المجتمع الدولي عندما يحل الموت والدمار على اعداد كبيرة من الناس وعندما تكون الدولة المسؤولة اسميا غير قادرة او غير مستعدة لوقفه . في كوسوفو تدخلت مجموعة من الدول دون ان تحصل على تفويض من مجلس الامن الدولي, وفي تيمور اجاز المجلس التدخل, ولكن بعد ان حصل على دعوة من اندونيسيا ونحن جميعنا نأمل ان يؤدي هذا التدخل سريعا الى استقرار الوضع, ولكن المئات وربما الألوف من الناس الابرياء قد قضوا نحبهم, وكما حصل في رواندا قبل خمس سنوات اتهم المجتمع الدولي بأنه لم يفعل سوى القليل وفي وقت متأخر جدا. ان ايا من هذه السوابق لايعتبر مرضيا كنموذج للالفية الجديدة وتماما كما تعلمنا ان العالم لايمكنه ان يقف متفرجا عندما تقع انتهاكات كثيرة ومنتظمة لحقوق الانسان, فاننا تعلمنا ايضا انه اذا اريد للتدخل ان يحظى بالدعم الثابت من شعوب العالم, فينبغي ان يكون مبنيا على مبادىء شرعية ودولية, ونحن نحتاج لان نطوع نظامنا الدولي على نحو افضل لعالم بلاعبين جدد ومسؤوليات جديدة وامكانيات جديدة للسلام والتقدم. ان سيادة الدولة بمفهومها الاساسي تخضع لاعادة تعريف من جانب قوي العولمة والتعاون الدولي, فالدول الان ينظر اليها على نطاق واسع باعتبارها ادوات في خدمة شعوبها وليس العكس. وفي الوقت نفسه, فان السيادة الفردية التي اعنى بها الحرية الاساسية لكل فرد والمكفولة في ميثاق الامم المتحدة والمعاهدات الدولية اللاحقة قد تعززت بفعل وعي متجدد ومنتشر للحقوق الفردية وعندما نطالع الميثاق اليوم, نجد اننا واعون اكثر من اي وقت مضى بأن هدفه حماية الافراد من البشر لاحماية اولئك الذين يسيئون معاملتهم. وهذه التغيرات في العالم لاتجعل الخيارات السياسية الصعبة امرا سهلا ولكنها تحملنا على التفكير مجددا بشأن اسئلة من قبيل كيف تستجيب الامم المتحدة للازمات الانسانية, ولماذا تكون بعض الدول مستعدة للعمل في بعض مناطق الصراع وليس في غيرها حيث يكون حجم الموت والمعاناة سيىء مثلها او اسوأ فمن سيراليون الى السودان ومن انجولا الى افغانستان هناك اناس يحتاجون الى اكثر من من مجرد كلمات تعبر عن التعاطف فهم يحتاجون الى تعهد حقيقي وراسخ بالمساعدة في وقف دوائر العنف الذي يتعرضون له ومنحهم فرصة جديدة لتحقيق السلام والازدهار. لقد اظهرت لنا الابادة الجماعية في رواندا كم هي فظيعة عواقب التراخي في وجه عمليات القتل الجماعية ولكن صراع هذا العام في كوسوفو اثار اسئلة على جانب مماثل من الاهمية حول عواقب التحرك بدون اجماع دولي ومرجع قانوني واضح. لقد طرح هذا الصراع بوضوح تام معضلة مايسمى بـ (التدخل الانساني) فمن جهة هل من المشروع بالنسبة لمنظمة اقليمية ان تستخدم القوة دون تفويض من الامم المتحدة؟ ومن جهة اخرى, هل من الجائز السماح باستمرار الانتهاكات الفظة والمنظمة لحقوق الانسان بعواقبها الانسانية الخطيرة دون بذل محاولة لكبحها؟ ان عجز المجتمع الدولي عن التوفيق بين هاتين المصلحتين في قضية كوسوفو يمكن اعتباره مأساة ليس الا. ولتجنب تكرار مثل هذه المآسي في القرن المقبل, اعتقد انه من الضروري ان يصل المجتمع الدولي الى اجماع ليس فقط على المبدأ القائل بوجوب وقف الانتهاكات الضخمة والمنظمة لحقوق الانسان في اي مكان تقع فيها وانما ايضا على طرق اتخاذ القرار بشأن طبيعة العمل المطلوب وتوقيته والجهة التي ستنفذه لقد تسببت ازمة كوسوفو وحصيلتها باثارة جدل هام على نطاق العالم ولكل طرف في هذا النقاش يمكن طرح اسئلة صعبة. ولاولئك الذين يعتبرون الخطر الاكبر على مستقبل النظام الدولي هو استخدام القوة بغياب تفويض من مجلس الامن يمكن للمرء ان يقول اتركوا قضية كوسوفو جانبا للحظة وفكروا برواندا. تخيلوا للحظة واحدة فقط انه في تلك الايام والساعات الحالكة التي قادت الى الابادة الجماعية, كان هناك تحالف من الدول جاهز ومستعد للعمل دفاعا عن شعب (التوتسي) ولكن المجلس رفض او تأخر في اعطاء الضوء الاخضر لهذا التحالف فهل كان من المفروض على مثل هذا التحالف ان يقف بلا حراك بينما كان الرعب يخيم على المنطقة؟ ولاولئك الذين بشرت عملية كوسوفو من وجهة نظرهم, بعهد جديد تستطيع فيه دول او مجموعة من الدول ان تأخذ العمل العسكري على عاتقها خارج الآليات المتفق عليها لتطبيق القانون الدولي, يمكن للمرء ان يوجه سؤالا مفاده: اليس هناك خطر من ان تؤدي مثل هذه التدخلات الى تفويض النظام الامني المنقوص الذي تم ايجاده بعد الحرب العالمية الثانية والى وضع سوابق خطيرة لتدخلات مستقبلية دون معيار واضح يقرر من يجوز له تنفيذ هذه السوابق وفي اي الظروف؟ لايوجد شيء في ميثاق الامم المتحدة يحول دون الاعتراف بأن هناك حقوقا تتجاوز الحدود فما ينص عليه الميثاق هو ان (القوة المسلحة ينبغي الا تستخدم الا في المصلحة المشتركة, لكن ماهي هذه المصلحة المشتركة؟ من الذي سيحددها؟ من الذي سيدافع عنها؟ تحت سلطة من؟ وبأي من وسائل التدخل؟ وفي البحث عن اجابات لهذه الاسئلة الهامة, ارى ان هناك اربعة جوانب للتدخل ينبغي دراستها بعناية خاصة. اولا: ينبغي الا يفهم (التدخل) على انه لجوء لاستخدام القوة فقط, فالسخرية المأساوية فيما يتعلق بالعديد من الازمات التي مرت دون ملاحظة او اهتمام في العالم اليوم هي انه كان يمكن التعامل معها بأساليب تدخل اقل خطرا من الاسلوب الذي رأيناه هذا العام في يوغوسلافيا ومع ذلك فإن تعهد العالم نحو حفظ السلام والمساعدة الانسانية واعادة التأهيل واعادة البناء يختلف من منطقة لاخرى ومن ازمة لاخرى واذا ما اريد للتعهد الجديد بالعمل الانساني ان يحتفظ بدعم شعوب العالم, فيجب ان يكون وان ينظر اليه باعتباره عالميا بغض النظر عن المنطقة او الدولة فالانسانية في نهاية المطاف, كل لا يتجزأ. ثانيا: من الواضح ان الفكرة التقليدية الغامضة عن السيادة وحدها ليست العائق الوحيد امام التحرك الفعال في الازمات الانسانية, وتأتي في مرتبة مماثلة لها من الاهمية الطرق التي تحدد من خلالها الدول مصالحها القومية, لقد تغير العالم على نحو عميق منذ نهاية الحرب الباردة, لكنني اعتقد ان مفاهيمنا للمصلحة القومية اخفقت في اللحاق بركاب ذلك التغير وهناك حاجة لتعريف جديد اوسع للمصلحة القومية في القرن المقبل الذي سيحث الدول على البحث عن وحدة اكبر في سعيها لتحقيق الاهداف والقيم المشتركة وفي سياق العديد من التحديات التي تواجه الانسانية اليوم, فإن المصلحة الجماعية هي المصلحة القومية. ثالثا: وفي الحالات التي يصبح فيها التدخل بالقوة امرا ضروريا فإن مجلس الامن الهيئة المخولة بمنح التفويض باستخدام القوة وفق القانون الدولي, ينبغي ان يكون قادرا على الارتقاء الى مستوى التحدي, ويجب ان يكون الخيار بين وحدة المجلس وعدم التحرك في وجه الابادة الجماعية كما حدث في رواندا, وانقسام المجلس في ظل تحرك اقليمي كما جرى في كوسوفو وفي كلتا الحالتين ينبغي ان تكون الامم المتحدة قادرة على ايجاد ارضية مشتركة في دعم مبادىء الميثاق والتحرك دفاعا عن انسانيتنا المشتركة. ان قدرة المجلس على الردع تضاهي في اهميتها قدرته على التنفيذ بالقوة ومالم يكن قادرا على فرض مكانته بشكل جماعي عندما تكون القضية عادلة والوسائل متاحة, فان مصداقيته في عيون العالم قد تعاني كثيرا واذا عرفت الدول الميالة للسلوك الاجرامي على ان الجبهات ليست ساحة دفاع مطلقة اي ان المجلس سيتخد اجراء عمليا لوقف ابشع الجرائم ضد الانسانية فانها عندئذ لن تبادر الى مثل هذا العمل مفترضة انها ستنجو بفعلتها ويطالب ميثاق الامم المتحدة من المجلس ان يكون المدافع عن (المصلحة المشتركة) ومالم ينظر الى المجلس بصفته هذه في حقبة من حقوق الانسان والاعتماد المتبادل والعولمة فإن هناك خطرا بأن يسعى اخرون لكي يحلوا محله. رابعا: عندما يتوقف القتال, يجب ان يكون الالتزام الدولي بالسلام بنفس قوة التزامه بالحرب وفي هذا الظرف ايضا, تعتبر المثابرة امرا ضروريا, وتماما كما ينبغي ان يكون التزامنا بالعمل الانساني عالميا اذا اريد له ان يكون شرعيا, فان التزامنا بالسلام لايمكن ان ينتهي بمجرد ان يكون هناك وقف لاطلاق النار فآثار الحرب تتطلب مهارة وتضحية وموارد لاتقل عما تتطلب الحرب نفسها اذا ما اريد ضمان سلام دائم. ان هذا السلوك الدولي المتنامي لصالح التدخل من اجل حماية المدنيين من مذابح جماعية سيواصل بلا شك فرض تحديات عظيمة امام المجتمع الدولي وسيثير في بعض الاماكن شعورا بعدم الثقة والشك بل وحتى العداء ولكن اعتقد انه ينبغي علينا ان نرحب به لماذا؟ لانه وبالرغم من كافة الصعوبات المرافقة لوضعه حيز التنفيذ, فإنه يظهر ان البشرية اليوم اقل استعدادا مماكانت عليه في الماضي لتحمل المعاناة في اوساطها, واكثر استعدادا لفعل شيء ما حيال ذلك.