في رسالة هادئة نشرتها صحف الخرطوم، المهدي للمؤتمرين: هذا.. او الطامة

وجه الزعيم السوداني المعارض, رئيس الوزراء السابق من منفاه بالقاهرة رسالة هادئة اتسمت في كثير من فقراتها بعبارات حميمية, الى (الاخوة والاخوات) , المشاركين في المؤتمر العام التأسيسي للحزب الحاكم في السودان الذي بدأ جلساته أمس في الخرطوم. وفيما يلي تنشر(البيان)بعض فقرات الرسالة المفتوحة التي وزعت بالفاكس: والتي ذيلها المهدي بتوقيعه متخذاً صفة (رئيس حزب الامة) فقط. أنت تمثلون تيارا مهما اختلفنا في حجمه فانه تيار مؤثر في الفكر والسياسة السودانية الحديثة. وتمثلون تجربة في الحكم مهما اختلفنا في تقويمها فقد امتدت حقبة من الزمان وزيادة. نحن نمثل الشرعية المنتخبة التي كنتم جزءا منها حتى انقلاب 30/6/1989 ونقود حزبا كان الفاعل الأول في تحقيق استقلال البلاد والمبارز الأول لكل النظم الاستبدادية التي حكمت السودان, والرقم الانتخابي الأول في كل الانتخابات العامة التي شهدها السودان المستقل. بيننا وبينكم الان من أسباب التنافر والتضاد والشحناء والبغضاء ما صنع الحداد. وبيننا دين نختلف في تأويل واجباته ووطن نختلف في تعريف مصالحه وشعب نختلف في برامج خدمته. ولكن مهما اختلفنا فإننا لانستطيع ان ننفي بعضنا بعضا ولا أن نستأصل بعضنا بعضا وكل محاولة للاستئصال والاستئصال المضاد غير مجدية بل مؤذية للقيم الوطنية والدينية المشتركة. لقد تعددت اجتماعاتكم ومؤتمراتكم فلم نشأ مخاطبتها. ولكننا الان في مرحلة مختلفة.. فيها الوطن أمام مفترق طرق أن يكون أو لا يكون. ربما يكون مؤتمركم هذا مجرد مظاهرة سياسية لإظهار الشعور بالرضا عن الذات, ويمكن ان يكون وقفة صدق مع الذات لجرد الأداء والعطاء واستنطاق الواقع الوطني والدولي لاستنباط الطريق القويم. ان كان نهجكم هو الأول فسيكون خطابي هذا صيحة في واد غفر. ولكن ان كان نهجكم الثاني فانني أدعوكم بحق وصدق تأمل ما أطرحه عليكم في هذا الخطاب عساكم تساهمون في ايجاد مخرج للبلاد يجنبها رماح (الطامة) المشرعة نحوها. لقد كانت تجربتكم محاولة لايجاد طريق آخر خرج من النفق وأوقع البلاد في مأزق تاريخي معالمه الأساسية: * اتخذتم نهجا في التأصيل فرض واحدية ثقافية في قطر متعدد الثقافات, فأجج ذلك العداء الموروث وهيأ البلاد ضمن عوالم أخرى للانفصال وتقسيم البلاد. * وأقمتم شرعية الحكم على أساس احادية حكومية نفت الرأي الآخر إلا في حدود الانتساب لمرجعية قررتموها. والنتيجة ان ضحايا هذا النفي وضعوا أمام خيارين: الامتثال أو المقاومة. * اجندتكم الفكرية بطبيعتها تخاطب محيطنا الاقليمي بمعطيات أدت الى تنافر اقليمي لايقبل التعايش وحسن الجوار. * والحصيلة الدولية لتلك الاجندة التواصل مع شبكة الاحتجاج الأممية التي كونتها حركات الاحتجاج الاسلامي فخلقت للبلاد مناخا دوليا طاردا وعدائيا. نتيجة لهذه الحقائق فان الحوار السياسي في السودان صار بالبندقية, وصار المختلف في الرأي اما قاتل واما مقتول. وعمت ثقافة العنف. هذا فيما يتعلق بالجزء الأكبر من البلاد الذي كان يسوده الحوار بالرأي والرأي الآخر وتتمدد فيه ثقافة التسامح والتعايش. أما أجزاء البلاد التي كانت ميدانا للاقتتال فإن عبارة الجهاد عمقت الاقتتال وجذبت اليه أطرافا دولية كانت مترددة ولكنها صارت متحمسة تحاول بشتى الوسائل اعطاء الحركة الشعبية طابعا دينيا مضادا. هذا الموقف المأزوم في المناخ الدولي الحالي يشكل حيثيات لسيناريوهات الطامة مثل سيناريو التجزئة وسيناريو التدويل لفرض حل سياسي على السودان من خارجه. الخيار المتاح أمام الحركة السياسية السودانية بشقيها الحاكم والمعارض هو: ايجاد حلول سودانية تحقق السلام العادل واستقرار الحكم وتقفل الباب أمام سيناريوهات الطامة. تصعيد التوتر والتأزم واعطاء المبررات الفعلية لسيناريوهات الطامة. هنالك تعثر في ادارة الحوار السياسي ولكن النظرة الموضوعية الثاقبة تؤكد ان للحوار السياسي نظريا جدوى. مبعث الجدوى هو ان القضايا المختلف عليها تحركت الى خانة تجعل الاتفاق السياسي في نطاق الممكن. الخيار الوحيد المقبول في السودان هو الشرعية الانتخابية التي تأتي مع نظام ديمقراطي يكفل حقوق الانسان وحرياته الأساسية ويراعي تجنب ثغرات الماضي, ويراعي مقتضيات اقلمة ثقافية واجتماعية تجعل الممارسة الديمقراطية صحيحة بالمقياس الديمقراطي في جوهرها ومستدامة. هذا التطلع صار ممكنا وسوف يصبح راجحا اذا لم يصر النظام على جعل ما أقامه أساسا ولم تصر المعارضة على العودة للمربع الأول, واتفق الطرفان على مربع ثالث تؤسس عليه الشرعية. لايمكن أن تقوم للديمقراطية قائمة اذا لم نضع حدا للحرب الأهلية الحالية. وانهاؤها صار ممكنا على أساس اعتماد المواطنة أساسا للحقوق الدستورية. والاتفاق على توزيع عادل للثروة ومشاركة عادلة في السلطة, وتأسيس السلطات اللامركزية على أساس فدرالي حقيقي ومراجعة هياكل الدولة لاستيعاب المستجدات وتجديد الثقة المتبادلة عن طريق استفتاء يمكن ان يحقق وحدة طوعية أو مصيرا آخر بالتراضي لا بالعنف ولا بالارادة الاجنبية. * الوساطات الموجودة في الساحة الدبلوماسية بشأن السودان تدل على اهتمام الاوساط المعنية بالشأن السوداني, وتدل ايضا على الحجم المأساوي الذي بلغته الازمات السودانية. وبصرف النظر عن جدوى هذه الوساطات ينبغي ان يكون الموقف الوطني السوداني واضحا: * الترحيب بكل توسط من شأنه ان يجمع بين كل اطراف النزاع ويتطرق لكل النقاط المتنازع عليها. * تجنب الوساطات التي تركز على بعض اطراف النزاع او بعض النقاط المتنازع عليها وان وجدت كما في وساطة الايجاد, فالمطلوب السعي لتوسيعها لتتجه لحل سياسي شامل. * رفض الحلول التي تمر فوق رؤوس السودانيين لفرض واقع سياسي على البلاد من خارجها. * ما حدث لانبوب البترول في 19 سبتمبر لم يكن تصرفا معزولا او تصرفا هجوميا بل كان رد فعل متأخر لاستفزازات قولية وفعلية حدثت يوم 30/8/99 ويوم 16/9/99 ويوم 17/9/99 وهي استفزازات قولية وحربية موثقة ادت فيما ادت اليه لرد فعل مضاد. * انها الجهات على رأس النظام التي اطلقت تلك الاستفزازات في المقام الاول وهي التي خرقت ما التزمت به للوسطاء في 23/8/99 لدى زيارة وفد المبادرة المصرية الليبية المشترك للخرطوم وهي نفسها التي تعمل الان لاستغلال ماحدث للتصعيد والمواجهة. * ولو ان الظروف عادية ربما اخترنا التفاعل السلبي معها وتصعيد المواجهة صدقوني لقد مضى الزمن الذي فيه يمكن لاجهزة النظام ان تهجم علينا وتؤذينا ونتلقى الضربات صابرين صامدين اننا نستطيع ان نرد على الاذى بمثله وزيادة ولكننا نشعر شعورا عميقا بأن هذا التصعيد سوف يفتح الباب لسيناريوهات الطاقة حينئذ تقع كارثة (لاتصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) . * لذلك فإننا بدلا من الاستجابة للتصعيد بمثله وزيادة نقترح ان يفوض اصحاب المبادرة المشتركة للتحقيق فيما حدث وتحديد المسؤولية عما حدث ونحن على يقين ان الحقائق سوف تتكشف وتحدد المسؤولية فإذا وافق الطرف الاخر على هذا الاجراء فانه سيمكننا جميعا من احتواء مراشقات وتصرفات تصرف هم الوطن من الاهم للمهم وتشغل الناس بالشجرة عن الاكمة. * انتم قد انطلقتم في تجربتكم بدعوى الانتماء لتيار الصحوة الاسلامية وانتم اليوم تمارسون مسؤولية حكم السودان كحزب حاكم, ومهما كان رأيكم في تجربتكم فإن السودان ليس جزيرة معزولة عن العالم ففي الصعيد الاسلامي ادركت الحركات الاسلامية الواعية ان ربط الاسلام بالاستبداد وبالارهاب صار سلاحا مشرعا ضد الاسلام, وهو في الاصل ربط غير مشروع وان ساعدت عليه آراء وتصرفات بعض المسلمين, لذلك اتجهوا نحو تأكيد اصالة حقوق الانسان والديمقراطية في الاسلام, وعلى الصعيد الافريقي اتجهت منظمة الوحدة الافريقية لعدم الاعتراف بالنظم التي تقيمها انقلابات عسكرية ضد نظم ديمقراطية منتخبة كما تقرر في مؤتمر القمة الاخير في الجزائر. وعلى الصعيد العالمي صار امين عام الامم المتحدة يتبنى عدم الاعتراف بالنظم التي تقيمها انقلابات عسكرية على الديمقراطية كما صار هناك تيار دولي للتدخل في شؤون البلدان اذا تعاظم انتهاك حقوق الانسان فيها. وهنالك اتجاه دولي تؤيده اغلبية الدول لاقامة محكمة جنائية دائمة لمحاكمة مجرمي الحروب والمعتدين على حقوق الانسان ولم يعد الذين ارتكبوا جرائم ضد الانسان وضد حقوق الانسان وجرائم حرب في مأمن في اكثر بلاد العالم. هذه التطورات كلها تعني شيئا واحدا واضحا هو ان المضي قدما في الاجندة القديمة كما يحلو لبعض الواهمين سوف يعزل اصحابه من تيار الاستنارة الاسلامية ومن التيار الصاعد في افريقيا ويضعهم رأسا برأس امام مواجهات سياسية مع الاسرة الدولية ومساءلات جنائية ودولية. * هؤلاء قد حاولوا انهاء الحرب الاهلية عن طريق اتفاقيات السلام من الداخل وحاولوا اقامة شرعية الحكم على دستور التوالي. اتفاقيات السلام من الداخل لم تحقق السلام ودستور التوالي لم يضع اساسا للشرعية مقبولا لكافة اهل السودان. هنالك فرصة وطنية لايجاد مخرج سياسي للبلاد يحقق السلام العادل ويحقق شرعية ديمقراطية يقوم عليها استقرار الحكم ولتأسيس علاقات الجوار على اساس التعاون وحسن الجوار وتأسيس علاقاتنا الدولية على اساس الحسنى والتعاون الدولي. كل هذا متاح عبر وسطاء من جيراننا الاقربين في شمال افريقيا وفي القرن الافريقي. * انتم ايها الاخوة والاخوات مطالبون بمواقف تمليها عليكم ضرورة تفادي الطامة التي تتهدد البلاد والكوارث التي تحيق بالانسان السوداني, مواقفكم الواضحة والصريحة يمكن ان تساهم في بناء جسر ليعبر به الوطن او يمكن ان تقتصر دون ذلك فتتسع الثغرة التي يؤتى منها الوطن, وماشاء الله كان انه لا يكون في ملكه الا مايريد.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات