رغم تجربته في السلطة الاردنية على مدى سنوات طويلة, الا ان يعد من القلائل الذين نجحوا في الجمع بين الفكر والحكم وتمكنوا من حل اشكالية العلاقة بين الجانبين. فالدكتور جواد العناني عضو منتدى الفكر العربي, تقلد على مدى سنوات مناصب عدة في الحكومات الاردنية وقد اثرت هذه السنوات رؤيته الفكرية بشكل جعله من الرواد في الدعوة لتجسير الفجوة بين المثقفين والحكام. (البيان) التقته واجرت معه حوارا شاملا تطرقت معه فيه الى هذه القضية وانتقلت منها الى قضايا اخرى حيوية تشغل بال السياسيين والمفكرين العرب. وانطلاقا من تجربة يقرر الدكتور جواد انه ينبغي على المثقف الا يبتعد كليا عن السلطة بدعوى صعوبة التأثير, مشيرا الى ان مثل هذا التأثير قد لاينتج في الحال غير انه قائم. ومن خلفيته الاقتصادية يقر الدكتور جواد, على عكس مايتوقع الكثيرون ان غير متشائم من وضع الاقتصاديات العربية, مشيرا الى ان هناك فرصة لتطوير البنى التحتية وعلى نفس المنوال يعبر عن تفاؤله بشأن امكانيات السوق العربية المشتركة غير انه يوسع من اطار تفاؤله في قضية الشرق اوسطية, بشكل قد يختلف فيه معه الكثيرون مشيرا الى انها تعد حلقة اخرى في حلقات السوق العربية المشتركة ورغم اتضاح ابعاد السياسة الاسرائيلية في ظل حكومة باراك.. الا ان الدكتور جواد يستمر في تفاؤله معرباً عن توقعه بانطلاق المسارات التفاوضية وفيمايلي نص الحوار: * من خلال تجربتك في السلطة بالاردن كيف تقيم علاقة المثقف بالسلطة في وطننا العربي؟ ـ استطيع الحديث بإفاضة عن تجربتي في السلطة في الاردن والتي خضت خلالها ممارسات طويلة ومتنوعة نجم عنها خبرة تراكمية في معرفة العلاقة بين الثقافة والسلطة, بين المثقف والحاكم, استطيع بعد ذلك واعتمادا على كل ما ذكرته سابقا القول بأن المثقف قادر على توصيل صوته للحاكم وليس من طريق مسدود امامه, صحيح انه قد لا يتحقق له نتائج ايجابية مباشرة بمعنى ان الحاكم لايستجيب لصوته في الحال ولكنه لايرفضه ويستمع اليه وقد يعيد النظر فيما وصله منه مرة اخرى وبالتالي يتحقق على هذا الصعيد انجاز من نوع خاص اكرر القول بأن قربي من الحاكم في الاردن اتاح لي تقديم افكار ومقترحات ووجهات نظر, منها ما تم انجازه على شكل قوانين ومنها مابقي قيد الدراسة ومنها ايضا ما لم يتحقق بالمطلق لصعوبته مثلا او عدم الوصول الى قناعة به من طرف الحاكم, ولكني اقول بأن المثقف قادر على توصيل صوته وبالتالي تجسير الفجوة بينه وبين الحاكم والقيام بدور متميز على هذا الصعيد اذ انه يمتلك ادوات فكرية خاصة يستطيع من خلالها المشاركة في رسم الصورة العامة ولا اظن ان دوره يقوم على تزيين الصورة فقط واسماع الحاكم ما يعتقد انه يحب سماعه فليس هذا هو الدور المطلوب من المثقف, بإمكان المثقف القيام بدور متميز وجاد على هذا الصعيد. * انت رجل اقتصاد ولك دراسات هامة بهذا الصدد لماذا انت متشائم من امكانات تطوير الاقتصاديات العربية, اين هي التحديات الرئيسية التي تواجه الاقتصاد العربي في عصر العولمة والتكتلات الاقتصادية وما عوامل التفاؤل التي تستطيع الاشارة اليها بهذا الصدد؟ ـ انا لست متشائما في هذا المجال ابدا وارى ان الامكانات متاحة امام تطوير الاقتصادات العربية, وامامنا بالفعل بوادر واضحة في هذا الاتجاه وقد بدأت اسعار النفط في الارتفاع مما يتيح الخروج من ازمة الانخفاض الحاد في الاسعار والذي القى بظلاله على الدول العربية بشكل سلبي ولكنني دائما ادعو الى دراسة الاقتصاد بعلمية وموضوعية فأمامنا مشكلات تتمثل في صعوبة تجميع الاقطار العربية على اساس الجوار الجغرافي او التجمعات الاقليمية اضافة الى صعوبة الحصول على الارقام والاحصاءات الدقيقة ممايشكل نقصا في المعلومات الاقتصادية الدقيقة. وامام التنمية الاقتصادية صعوبات من نوع فك التشابكات بين قطاعات الاقتصاد كمثال ونحن نفهم ان الاقتصاد هو مجموعة علاقات عمل وانتاج وتحفيز لكل عوامل المجتمع وطاقاته في الاطر المتكاملة من ثقافة وسياسة واجتماع. انا مع التحليل العلمي والتفكير بموضوعية تجاه المشكلات القائمة والمعوقات التي تقف امام النمو الاقتصادي ولكن هذا لايعني التشاؤم بأي حال من الاحوال وانا اطرح اسئلة من اجل تحفيز وتشجيع الاستثمار وايجاد القدرة على التنويع في الانتاج وليس مجرد البقاء معتمدين على الثروة النفطية فقط في الدول العربية المنتجة للنفط كما ادعو الى اصلاح هياكل الموازنات بين الانفاق والايراد في الوطن العربي وغيرها من الاجراءات التي تدعو اليها المؤسسات النقدية الدولية لتحقيق العدالة والتوازن. فالنمو الاقتصادي الحقيقي يحتاج الى منهجية مستقرة في بنية المجتمع المدني القائم على الديمقراطية الحقيقية ونحن في مواجهة تحديات كثيرة, بمعنى اخر اقول ان الاقتصاد العربي يواجه تحديات ضخمة حقيقية ولكنه لايستحيل عليه حلها اذا ما التزم بمنهجية علمية واستراتيجية بعيدة المدى تستوعب كل المتطلبات الآنية والمستقبلية وفيما يخص (العولمة) فنحن لسنا مخيرين امامها ولا نملك حق القول (نريدها او لا نريدها) لانها جارية في مساراتها وستغرقنا ان لم نتعامل معها بشكل ايجابي قائم على الفهم والاستعداد, علينا ان نهيىء انفسنا للتعامل معها اما رفضها فهذا امر غير ممكن على الاطلاق, علينا مثلا الانخراط في حقول التكنولوجيا الحديثة لسد الثغرة التكنولوجية والعلمية بين الدول العربية والعالم وهذا يتطلب اصلاحات اجتماعية وثقافية متعددة منها نظم التعليم التي يجب عليها ان تواكب سرعة النمو والتجديد في ميادين العلم والتكنولوجيا وكذلك الامر في تطوير الاقتصاد في الدول العربية حيث يجب ان يقوم على اساس تقسيم العمل والتخصص وهو ما نجحت فيه اقتصاديات الدول الغربية. وبشكل عام لا يزال رأس المال في الوطن العربي هشا ضعيف الجذور ولا يساهم إلا بقدر قليل في بناء وتطوير البنى التحتية ومع ذلك هناك عوامل تثير التفاؤل في مستقبل الايام فقد بدأت الكثير من الدول العربية في التعامل مع المتطلبات الديمقراطية والسياسية بعقلانية اكبر فظهرت شعارات المشاركة والمجتمع المدني والديمقراطية واللامركزية في مفردات القاموس السياسي لتلك الدول وهذا شيء مطمئن اولا ومطلوب تعزيزه اكثر واكثر حتى يتم بناء المجتمعات المدنية بشكل حقيقي, هناك ايضا توجه ملحوظ نحو تنويع الانتاج وعدم الاعتماد على النفط فقط حيث تساوت مصلحة الجميع في هذا التنويع وفي اعقاب هبوط المركز النسبي للنفط على الساحة الدولية وهذا ما اسهم في خلق مناخ عربي اكثر تسامحا ومساواة بين الاقطار المنتجة للنفط او صاحبة فائض رأس المال وبين الدول المصدرة للعمالة (المحتاجة لرأس المال) وقد تجاوزت مثلا التجارة البينية حاجز الـ 10% من مجموع التجارة العربية الخارجية وبدأت تقترب من الـ 20% وهذا مؤشر ايجابي واشدد هنا على ان التجارة يجب ان تزداد بين الدول المتجاورة واكبر نموذج لذلك التجارة القائمة بين الولايات المتحدة الامريكية وكندا والمكسيك. العولمة لا تعني التجارة بين الدول المتباعدة قبل المتقاربة الآن هناك اجراءات جيدة على صعيد الجمارك والتبادل التجاري بين الدول العربية فقد ادركت هذه الدول مصلحتها الكبرى في الانفتاح على بعضها البعض وبدأت الدعوة تنشط وتتجدد لخلق سوق عربية حرة او ما نسميه السوق العربية المشتركة. السوق العربية المشتركة * الحديث متواصل ومتصاعد عن السوق العربية المشتركة. اين المعوقات الفعلية لاقامتها و ماذا تحقق من انجازات على طريق قيامها؟ ـ بناء على ما سبق هناك مؤشرات تفاؤل تتمثل في زيادة حجم التجارة البينية بين الدول العربية وظهور عوامل ديمقراطية بناءة في الانظمة السياسية العربية, يضاف الى ذلك كله ظهور محاولات جادة لجذب رؤوس الاموال العربية وتحريك المال بين الدول العربية على شكل استثمارات مباشرة وبخاصة استثمارات طويلة الاجل ولم تعد الرغبة في اجتذاب رؤوس الاموال العربية محصورة على دول العجز بل ايضا على الدول النفطية ومن الممكن لهذه البادرة ان تقلل من مخاطر الاستثمار العربي في الاسواق الاجنبية وكذلك توسيع مجالات التبادل التجاري بزيادة الاستثمارات الحقيقية المتبادلة ويجب التنبه هنا الى ان التقلبات السياسية تحد من نمو الاستثمار الحقيقي ولم تتوصل العلاقات العربية الداخلية بعد الى وضع حل لهذه الاشكالية. ولا يغيب عن الذكر هنا ما نلمسه من الدعوات الجادة والمتصاعدة لتوسيع قاعدة العمل العربي المشترك وضرورة استباق ما ستفرضه علينا العولمة من ضغوط بهذا الشأن والتأكيد على اهمية وضرورة تعزيز العناصر الاساسية المشتركة التي تجمع الدول العربية مثل اللغة والدين والجغرافيا والتاريخ واذا لم نقم نحن بتعزيز هذه العناصر والعمل من خلالها على خلق قاعدة عمل عربي مشترك فتستغلها العولمة عن طريق الشركات المتعددة الجنسية التي ستكرس منا مستهلكين فقط لبرمجياتها وبلغتنا ايضا, ومن الضروري التسابق الى وضع برامج العمل العربي المشترك قبل فوات الاوان ويجب استثمار هذه الفرصة بقوة, والواجب يملي على مؤسسات الجامعة العربية المشاركة في تذليل الصعوبات السياسية امام العمل العربي المشترك اضافة الى وضع منهجية لخلق التناغم في السياسات العربية وبخاصة في المجالات التجارية والاستثمارية والجمركية والضريبية وهذا بدوره سيفتح قنوات كثيرة بين الاقطار العربية لتبادل السلع والخدمات وعناصر الانتاج وستكون لهذا التبادل نتائج ايجابية لكل قطر على حدة من اهمها تقليل الهدر الكبير والتكاليف الباهظة في الانتاج. هذا كله يحتاج الى خلق قاعدة التعامل مع التكنولوجيا في المجالات الثقافية والاعلامية وذلك لسد الفجوة الهائلة في الدول العربية التي تفصلنا عن الدول المتقدمة أولا والنامية ثانيا فنحن بحاجة الى توسع افقي وعامودي في التكنولوجيا لتقليص الفجوة وردمها ومن ثم دخول حقول التنافسية, كما ان على الاقتصاديين في الوطن العربي العمل على خلق شركات متعددة الجنسيات لدخول الاسواق العالمية, من المهم جدا انجاز السوق العربية المشتركة وانا متفائل لوجود علامات ودلائل في هذا المجال, لخلق قدرة عربية قادرة على منافسة الكتل العالمية وتعزيز المقدرة التنافسية للمنتجات العربية وذلك كله يمكن انجازه دون المساس بالسيادة القطرية بل بتعزيزها في ظل مناخ سياسي يحترم حقوق الانسان ويعمل على التنمية الاقتصادية والاجتماعية من اجل الانسان نفسه, وفي تقديري ان الدول العربية ان لم تعمل على المضي في تحقيق ذلك كله فستجد نفسها في ادنى جداول العالم من حيث الدخل والثروة وتطوير وتنمية القوى البشرية والحفاظ على حقوق الانسان. الشرق اوسطية * اين تتقاطع الشرق أوسطية مع مشروعات الشراكة الأوروبية ـ مؤتمر برشلونة ـ ؟ ـ سينشط الحديث عن السوق الشرق أوسطية وما الضير في ذلك. انه دائرة اقتصادية ثانية تحيط بنا وهناك أسس وعوالم مشتركة لها فتركيا وايران دولتا جوار ولنا تعاملات اقتصادية وثقافية مشتركة معهما, وكنا قبل قليل نتحدث عن أسس قيام السوق العربية المشتركة والعقبات التي تقف في طريق انجازها واشارات التفاؤل التي نستند عليها في تحسس معالم بنائها على أرض الواقع, السوق الشرق أوسطية هي حلقة اخرى أوسع تحيط بنا ولها أيضا أساسياتها ومعوقاتها والأخيرة يمكن معالجتها من خلال النظم الديمقراطية والشفافية في التعاملات القائمة بين الدول الداخلة في هذا الاطار, والعمل أيضا جار للوصول الى مسألة تحقيقها ولا أرى انها تتعارض مع مشروعات الشراكة الأوروبية فلكل أمر أساسياته وشروطه وقواعد التعامل فيه ومن خلاله. أما التخوف من أن تسيطر اسرائيل على هذه السوق فهو قائم على افرازات عملية السلام التي لم تعط ثمارها كما كان مؤملا لأسباب سياسية عديدة منها وصول نتانياهو الى السلطة في اسرائيل وتعطيله لعملية السلام من خلال عدم تنفيذ الاتفاقات ولا يمكن للاستقرار أن يتحقق في المنطقة اذا ما استمر تجميد السلام. الان نحن أمام مرحلة مختلفة نوعا ما فبعد نجاح ايهود باراك في الوصول الى السلطة ستبدأ عجلة عملية السلام في الدوران وأنا أنظر الى الأمور بواقعية فقد تخيل البعض منذ بداية عملية السلام بأن السماء ستمطر دولارات ولذلك صدموا فيما بعد وكانت الصدمة كبيرة وغير قائمة على أساس تحليل أسباب ما جرى للعملية السلمية ذاتها, والتي توقفت ولم تستمر في النهج الطبيعي المقرر لها, الان يتجدد الأمل بتفاعلها وتحقيق نتائجها المرجوة ولكن يجب التحسب لكل طارىء أيضا وفهم الأحداث والمجريات السياسية بشكل علمي وموضوعي. اسرائيل تسعى لتحقيق مصالحها في عملية السلام هذا بشكل عام, أما بخصوص هيمنة اسرائيل على السوق الشرق أوسطية فأمر لا اتخوفه ولكني ادرسه وفق أصول علم الاقتصاد: الانتاج الجيد والتخطيط السليم يفرض نفسه في كل شيء واينما كان وعلينا بناء على هذه الأساسيات تجهيز استعداداتنا أمام العولمة والشراكة الأوروبية والسوق الشرق أوسطية ودخول القرن المقبل. * ماذا عن تجربتك في التفاوض مع الاسرائيليين: اين حققت النجاح واين حصدت الفشل؟ ـ لا أستطيع الحديث عن تجربتي منفردا في التفاوض مع الاسرائيليين فلقد كان الفريق الاردني فريقا متكاملا بمعنى الكلمة ولم تكن هناك فروقات فردية أو شخصانية في العمل وهذا ما كان بشهادة الجميع, وحققت هذه الميزة نتائج ايجابية على صعيد ادارة المفاوض واقرار النتائج وأقول ان الفريق الاردني التفاوض حقق أفضل النتائج واستطاع انتزاع حقوق ومطالب الاردن كاملة. * كيف ترى السلام في العهد الجديد لحكومة باراك؟ ـ سبق وان ذكرت بأنني متفائل بوصول ايهود باراك الى السلطة في اسرائيل وهذا يعني العمل على تحقيق السلام في المنطقة, أي تنفيذ الاتفاقات المتوقفة منذ زمن أولا وفتح مسارات جديدة وهذا ما بدأنا نلمسه على المسارين اللبناني والسوري, من الممكن في العهد الجديد لحكومة باراك تحريك مفاوضات الحل النهائي على المسار الفلسطيني وكذلك تحقيق بوادر ايجابية مع سوريا ولبنان ومن ثم توسيع الدوائر فيما بعد, والنتائج التي أفرزتها الانتخابات الاسرائيلية الأخيرة تعني اقبال الاسرائيليين الجاد على تحقيق السلام في المنطقة. الكتاب المشترك بيني وبين الدكتور عبدالسلام المجالي حول معاهدة السلام سيصدر قريبا وقد أعادته الجهة المسؤولة عن النشر الينا لتقليص عدد صفحاته اذ كانت أكثر بكثير من المتوقع, ونحن نعمل الان على انجاز ذلك, والكتاب يضم تفاصيل كاملة لعملية التفاوض وتحقيق معاهدة السلام الاردنية الاسرائيلية عام 1994.