في مشهد درامي كثيف تعانق امس امام الجلسة الافتتاحية للمؤتمر التأسيسي العام للحزب الحاكم في السودان, الفريق الركن عمر حسن البشير رئيس الجمهورية ود. حسن عبدالله الترابي الامين العام للمؤتمر الوطني الزعيم المتنفذ في الحكومة معلنين انهاء خلافاتهما السابقة . وشدد الزعيمان في خطابيهما امام ذات الجلسة على عدم وجود خلاف بينهما وان الحديث الدائر عن هذا الخلاف (يعبر عن اماني من يروجون له ولن يتحقق لهم ما يريدون ابدا) . بيد ان الفرحة العارمة التي ظهرت على وجوه كبار معاونيهما لحد زرف الدموع والهتافات المدوية المنطلقة من حناجر كبار الوزراء وزعماء الحركة الاسلامية حكت وبجلاء مدى الجهد الذي بذل من قبل لجنة الوساطة المكونة من كبار قيادات الحركة الاسلامية ليصل الرجلان لهذا العناق. أطول نهار وتحصلت (البيان) على تفاصيل اطول نهار مر على حكومة الانقاذ منذ استيلائها على السلطة في الثلاثين من يونيو ,98 وهو يوم امس الاول الاربعاء الذي سبق الجلسة الافتتاحية للمؤتمر العام, واكدت معلومات (البيان) ان رحلات مكوكية بين الفريق البشير والترابي كانت تقوم بها مجموعة من قيادات الحركة الاسلامية التي اتصفت بالحياد في صراعهما تساندهم مجموعة من الوزراء التكنوقراط على رأسهم د. عوض احمد الجاز وزير الطاقة وعبدالله حسن احمد وزير التعاون الدولي اضافة إلى ياسين عمر الامام حيث حصلت هذه اللجنة على موافقة جميع الاطراف على أن تمضي توصيات هيئة الشورى كما هي دون تعديل باعتبارها الحد الادنى للاتفاق. واتفقت اللجنة مع جميع الاعضاء الذين لهم ملاحظات على تعديل النظام الاساسي بعدم طرحها داخل المؤتمر العام تفاديا لظهور اي بوادر للانقسام مجددا. وذكرت مصادر (البيان) ان اللجنة اكملت مسعاها مع كافة الاطراف في حوالي الساعة الرابعة من عصر الاربعاء, واعقبت ذلك بلقاء جمع الفريق البشير ود. حسن الترابي ومجموعة من قيادات الحركة الاسلامية بأحد المنازل في الخرطوم القديمة, استمر حتى الساعة الثالثة من صباح امس الثلاثاء, ورفضت المصادر الكشف عما دار في ذلك اللقاء الا انها المحت إلى أنه وضع اللمسات الاخيرة للجهد الذي بذل نهارا. واشارت المصادر إلى ان الترابي كان متحفظا طيلة نهار امس الاول من اعطاء رأي محدد بشأن المقترح الثاني الذي يجمع فيه بين القيادة التنفيذية والقيادة السياسية في اشارة منه, طبقا لقول مصادر (البيان) , الى قبوله بذلك في حال اقراره من المؤتمر العام. وزادت المصادر قائلة ان (الجهد الذي بذل لم يكن خوفا من ان يشق الترابي عصا الطاعة على البشير او العكس لان الرجلين ملتزمان بما تسفر عنه الشورى, ولكن الجهد تم حتى لاتوضع قيادات المؤتمر الوطني الوسيطة في موقف مفاضلة بين قياداتها التاريخية والحديثة. افتتاح المؤتمر وكانت جلسة المؤتمر التأسيسي للحزب الحاكم بدأت في تمام الساعة التاسعة صباحا بآيات من الذكر الحكيم اعقبتها تلاوة من الانجيل حيث بدأ وصول الوفود الى القاعة الجديدة لـ (النادي الكاثوليكي) سابقا مقر الحزب حاليا في ساعة مبكرة من الصباح ووقف الترابي على باب القاعة مستقبلا الوفود القادمة من الاصقاع المختلفة في السودان, فيما دخل الفريق البشير الى قاعة المؤتمر في التاسعة تماما وبمجرد وصوله بدأت فعاليات الجلسة الافتتاحية وكان اول المتحدثين اللواء (م) الفاتح عابدون رئيس اللجنة العليا للاعداد لانعقاد المؤتمر حيث سرد تفاصيل الاعداد لعقد المؤتمر الذي قال عنه انه يعد سبقا لحزبه لان هذا المؤتمر هو اول مؤتمر يعقد لتنظيم سياسي عقب العمل بقانون التوالي السياسي, ومن بعده تحدث محمد احمد سالم مسجل التنظيمات السياسية مشيدا بالحزب الحاكم الذي استطاع عقد مؤتمره العام في زمن قياسي ودعا الحزب الى عدم استغلال اموال الدولة منبها الى ضرورة التقيد بما جاء في قانون التوالي السياسي. ومن ثم جاء دور الترابي الذي قدمه المهندس الصافي جعفر بانه (ذاك الرجل الذي ظهر في اوائل الستينات ليتقدم صفوف الحركة الاسلامية وتحولت بمجهوداته من مجموعة ضغط الى دولة ذات قرار) . كلمة الترابي وبدا واضحا عند صعود الترابي الى منصة المخاطبة الاجماع الكبير عليه من قبل قاعدته حيث ضجت القاعة بالهتافات المحببة لاعضاء الحركة الاسلامية مثل (هي هي لله لا للسلطة ولا للجاه) و(قادمون قادمون نحن نحن المسلمين) . ولوحظ اختفاء الهتاف المعادي للمعارضة الخارجية, بدأ د. الترابي حديثه بعد تحيته لاعضاء حزبه معددا الانجازات التي قال انها حدثت في عهد حكومة الانقاذ شارحا الخطوات التي وصلت بالمؤتمر الوطني لعقد مؤتمره العام ومن ثم دلف الى تقديم شرح واف عن اهداف المؤتمر الوطني والذي قال عنه انه (ليس كيانا حزبيا ضيقا وانما هو تجديد وثورة وحرية) . رد على المهدي واستمر الترابي متحدثا لقرابة الساعة قائلا في خطابه في اشارة لرسالة بعث بها الصادق المهدي زعيم حزب الامة المعارض رئيس الوزراء السابق لاعضاء المؤتمر الوطني اننا نقول لاخواننا الذين خاطبونا عبر الصحفي الصادرة اليوم إن ديننا يأمرنا اذا حيينا بتحية ان نرد بأحسن منها وأن من اعتدى علينا لن نعتدي عليه اذا حيانا ورفع يده عن العنف, سنجادله, بالتي هي احسن, ولن نطالبه بتبديل افكاره ولا تلوين آرائه, له ان احس انه يتفق معنا ان يشاركنا الحكم وان شعرنا اننا نكمل بعضنا بعضا ان نأتلف في تنظيم واحد يمكن ان يكون بمسمى غير (المؤتمر الوطني) واستمر الترابي قائلا: (نحن لسنا اهل صدام ولكننا اهل سلام ولسنا اهل شقاق ولكنا اهل وفاق لهذا اتحنا الحريات لكل من يريد, فالصحف مرة تمدح من تشاء وتقدح من تشاء والاحزاب حرة دينية ولا دينية حرة تماما يمينا ويسارا رجعية كانت او تقدمية الشرط الوحيد هو ان تتجنب العنف في دعوتها لانكارها, وزاد: (هذه هي ثورة الانقاذ وهي ليست كالثورات التي يقوم بها العسكر, لأن العسكر كان العرف السائد عندهم اذا قبضوا السلطة فلن يتنازلوا عنها الا بثورة, ولكن هؤلاء ردوا الامر للشعب وتنازلوا مرحلة بعد مرحلة عن السلطة وحتى القوة التي كانوا يمثلونها اصبحت الآن تنظيما كسائر التنظيمات تذهب للمسجل السياسي تطلب الاذن للعمل. قضية السلام واستمر الترابي متحدثا الى ان وصل الى قضية الجنوب فقال لاول مرة يبسط السلام ويعطى الجنوب حق تقرير المصير لان الموازنة هي موازنة امه ولا تحقق بالقوة وانما بالتراضي فان ارادوا ان يكونوا اخوه لنا في الحوار فمرحبا بهم جيران لنا كسائر الجيران وان ارادوا الوحدة لهم ذلك. واستمر الترابي في خطابه المرتجل الذي تقطعه بين الفينة والاخرى هتافات المؤتمرين ليتحدث عن السياسة الخارجية قائلا (ان الدين يأمرنا ان نتعامل مع من يخالفونا ومع من يتفقون معنا سواء بسواء ولكن هناك قوى في هذا العالم تريد لاهل هذه الديار ان يعبروا عن دينهم بحرية لذلك اضطررنا اضطرارا ان نقوم في هذا البلد بثورة قوة, قوة تمكن لهذا الدين ومازلنا ندعو الناس ان تتعامل بالحسنى ان يحترم كل منا الاخر ونتبادل الافكار والسلع لا يتدخل كل منا في شأن الآخر نمد يدنا لاخواننا العرب متجاوزين شعارات القومية العربية لنخلق وحدة عربية متماسكة ونمد ايدينا لاخواننا الافارقة متجاوزين شعارات الوحدة الافريقية لنخلق وحدة افريقية ونمد ايدينا كذلك لبقية الشعوب العالمية نتبادل الرأي ونتشاور لا يستعدي احدنا الاخر ولا يأكل القوي منا الضعيف لنخلق امما متحدة تكون حكومة للانسانية لا كما يريدونها هم حكومة للاستعمار الجديد. العناق.. والدموع ومن ثم دلف الترابي الى الاوضاع داخل المؤتمر قائلا اننا وحدويون ندعو الى الوحدة التي يدعو لها ديننا لذلك نقول للذين ينتظرون من مؤتمرنا هذا خبرا دراميا يشكلون فيه صورة للنزاعات والصراعات التي تدور بيننا انظرونا الى يوم السبت لنجيب نحن نتغلب على اهوائنا وعلى شهواتنا اننا واقول للذين يردون حركة التاريخ للاشخاص اننا متجاوزون لهذا لنجيب رجاءكم واقول: لا خلاف بين الرئيس والامين العام (وهنا انقطع خطاب الترابي لنتعالى الهتافات وقفز العديد من القيادات الى فوق المنصة والتي اخذ مقدم البرنامج يردد من عليها (الحمد لله الذي وحد الصفوف) . واستمر الهتاف ليصعد ابراهيم السنوسي للمنصة الرئيسية وينزل بالفريق رئيس الجمهورية لمنصة المخاطبة التي يوجد بها د. الترابي ووسط الهتاف والدموع يتعانق البشير والترابي حيث انقطعت المخاطبة لقرابة نصف (الساعة) وواصل د. الترابي خطابه كنا نمثل لكم قيادة مؤقتة واليوم انتم مجتمعون لتختاروا امينكم ورئيسكم الجديدين واذا كنا نحن ننظر ببصيرة بعيدة فكيف نسمح للتفرق والتمزق ان يكون فينا ان رئيسكم وامينكم العام كانا في اجتماع حتى الساعة الثالثة من صباح اليوم لهذا نقول لاولئك ان رجاءاتكم لن تتحقق وهذا التوحد ليس حديثا اقوله لكم وسترون. ومن ثم خاطب الجلسة عبدالله الاحمر الامين العام المساعد لحزب البعث السوري داعيا الى تحقيق وحدة عربية منتقدا سياسة اسرائيل تجاه السلام وقال انها سياسة كسب الوقت وطالب بموقف عربي موحد تجاه فقيه العرب الاول. البشير يلتزم بالنص وكان خطاب الفريق البشير رئيس الجمهورية الذي التزم فيه بالنص المكتوب ولم يخرج عنه على خلاف عادته, اخر اجندة الجلسة الافتتاحية وقد انصب معظم خطاب البشير على تأكيد وحدة صف المؤتمر الحاكم بعد ان قدم ملخصا لخطة حكومته في كافة المجالات فقال اننا نعمل في ظل تنظيم ليس تكتلات ولا صراعات بل هو صف واحد تتآلف فيه القلوب ولا تعرف التكتل او الصراع وانما هي مجادلة بالحق ونصيحه للدفع عن الخطأ, صف يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر, صف واحد يسعى اصحابه لقضاء حاجة اليتيم والارمل ويتناهون عن المنكر ويأمرون بالمعروف صف يكثر افراده عند الفزع ويقلون عند الطمع, صف يطمع في بناء وطن عزيز قوي يثبت للعالم ان الانقاذ لن تتراجع مهما كانت درجة المكيدة وحجمها. واكد البشير في حديثه استمرار مساعي الوفاق والدعوة له. واشار الى ان الانقاذ ماضية في طريقها لا يهمها ما تلاقيه من تعنت وحصار. تجدر الاشارة الى ان حضور الاعضاء كان بنسبة عالية وشهدت الجلسة الافتتاحية وفودا من اربعين دولة الى جانب السفراء المعتمدين لحكومة السودان. من جهة اخرى تشير (البيان) الى ان الرسالة التي وجهها رئيس الوزراء السابق الصادق المهدي عبر الصحافة الى اعضاء المؤتمر قد وجدت اهتماما كبيرا في اوساط المؤتمرين وتلاحظ الاقبال الكبير من الاعضاء على قراءة الرسالة. ومن جانبه اكد د. المعتصم عبدالرحيم الامين العام للمؤتمر الوطني بولاية الخرطوم ان رسالة المهدي بالرغم مما جاء فيها من تجن الا انها جديرة بالاهتمام ولم يستبعد ان يكون هناك رد عليها في البيان الختامي للمؤتمر التأسيسي للمؤتمر العام. الخرطوم ـ عثمان فضل الله