يبين الاستعراض الذي اجري بعد خمس سنوات من انعقاد المؤتمر الدولي للسكان والتنمية ان البلدان تحرز تقدما في تنفيذ خطة العمل التي تستمر20عاما والتي اقرتها في المؤتمر, من اجل تحسين مستويات المعيشة, وتعزيز المساواة بين الجنسين والتنمية المستدامة, واضفاء الاستقرار على النمو السكاني , غير ان مواصلة التقدم تستلزم توفير المزيد من التمويل, ولاسيما من جانب البلدان المانحة, حسب ما جاء في تقرير (حالة سكان العالم ـ 1999) , الذي صدر مؤخرا عن صندوق الامم المتحدة للسكان. وفي مؤتمر القاهرة تحول توجه السياسات العامة من التركيز الضيق على وسائل منع الحمل الى التركيز على جدول اعمال انمائي اوسع نطاقا, والى توفير رعاية صحية افضل للمرأة, فضلا عن تمكين النساء والفتيات, وكان من المسلم به في المؤتمر ان تحسين الخدمات وتوسيع نطاق الاختيارات, والتحرر من الاكراه, من شأنه ان يؤدي الى اسر اصغر حجما والى تباطؤ النمو السكاني, واتفقت الحكومات على اتخاذ اجراءات لتعميم التعليم الابتدائي ورعاية الصحة الانجابية, بما في ذلك خدمات تنظيم الاسرة, بحلول عام 2015, وخفض معدلات وفيات الرضع والاطفال والامهات. ومن اجل استعراض التقدم المحرز منذ انعقاد مؤتمر القاهرة, اجرى صندوق الامم المتحدة للسكان دراسة استقصائية للبلدان, وعقد سلسلة من الاجتماعات الفنية, ونظم منتدى في لاهاي في فبراير 1999, تقاسمت فيه الحكومات والمنظمات غير الحكومية ما انتهت اليه من نتائج. واخيرا عقدت الجمعية العامة للامم المتحدة دورة استثنائية في الفترة من 30 يونيو الى 2 يوليو 1999, اعتمدت فيها الحكومات مجموعة من الاجراءات الرئيسية لمواصلة تنفيذ برنامج عمل المؤتمر الدولي للسكان والتنمية. ووجد الاستعراض ان الاجراءات التي اتخذت منذ مؤتمر القاهرة قد اسفرت عن نتائج ايجابية, فعلى مدار السنوات الخمس الماضية, اتخذت بلدان عديدة خطوات لادماج الشواغل المتعلقة بالسكان في استراتيجياتها الانمائية وكثير منها يركز جهوده على توفير الرعاية ذات النوعية الجيدة في مجال الصحة الانجابية, على النحو الذي كان يتوخاه مؤتمر القاهرة, بما في ذلك تنظيم الاسرة, وتوفير الرعاية السابقة على الولادة واللاحقة لها, وتوفير اختبارات الامراض المنقولة عن طريق العلاقات غير الشرعية, والمعالجة منها, وتوفير الرعاية اللازمة اثناء عملية الوضع. ويبين تزايد استخدام وسائل تنظيم الاسرة انه كانت هناك امكانية اكبر للوصول الى الخدمات, وان اعدادا اكبر واكبر من الازواج والافراد اصبح بمقدورهم اختيار عدد اطفالهم وفترات المباعدة بينهم, واتخذت بلدان عديدة خطوات لتحسين ادارة تدفقات الهجرة الدولية من خلال اتفاقات ثنائية ومتعددة الاطراف وبالاضافة الى ذلك يسهم الكثير من الجماعات المدنية في صياغة وتنفيذ السياسات العامة والبرامج والمشاريع بمفردها او في شراكة مع الحكومات والقطاع الخاص. كما احرز تقدم في تحسين مكانة المرأة, وهو ما يعد امرا لازما لتحقيق اهداف مؤتمر القاهرة, ففي كثير من البلدان, يجري سن او تعزيز القوانين الرامية الى حماية حقوق المرأة, فيما يتعلق بالزواج والطلاق والملكية والميراث والمشاركة في الحياة السياسية والاقتصادية وتصدر بصورة متزايدة قوانين لحظر الممارسات التقليدية الضارة, كما ان اعمال العنف ضد النساء والفتيات لم تعد تمر دون تحديها والاعتراض عليها. غير ان التقدم كان محدودا في بعض البلدان والمناطق, بل وحدث تراجع في بعض الحالات فلاتزال النساء والفتيات تواجهن تمييزا لا مبرر له. كما ان فيروس نقص المناعة (الايدز) يتسبب في ارتفاع معدلات الوفيات, ولاسيما في افريقيا جنوبي الصحراء الكبرى, وفي البلدان الفقيرة, تموت اعداد كبيرة جدا من النساء او يصبن بالامراض نتيجة للحمل والولادة ولايزال ملايين من الازواج والافراد يفتقرون الى امكانية الحصول على المعلومات والخدمات المتعلقة بالصحة الانجابية, بما في ذلك تنظيم الاسرة بصورة طوعية ذات نوعية جيدة. وقد دعا الاستعراض الذي اجري بعد خمس سنوات من انعقاد المؤتمر الى زيادة الجهود وتوفير الموارد من اجل رفع مستويات التوعية, وخفض معدلات وفيات الامهات, والحد من انتشار الامراض المنقولة بما فيها فيروس نقص المناعة (الايدز) وتوسيع نطاق المعلومات والخدمات المتعلقة بالصحة الانجابية. ووضعت الحكومات معايير اساسية جديدة لقياس التقدم المحرز على مدى الخمس عشرة سنة المقبلة, وفيما يتعلق بالتعليم اتفقت على انه يجب خفض معدلات امية النساء التي كانت سائدة عام 1990 بمقدار النصف بحلول عام 2005, وعلى ان 90 في المائة من الاولاد والبنات يجب ان يكونوا في مقاعد الدراسة الابتدائية بحلول عام 2010, كما اتفقت الحكومات على انه بحلول عام 2005, يجب ان يكون بمقدور 60 في المائة من منشآت الرعاية الصحية الاولية وتنظيم الاسرة ان توفر طائفة عريضة من الخدمات, التي تشمل تنظيم الاسرة, والرعاية المتعلقة بالحمل والولادة, والوقاية. ولخفض معدلات وفيات الامهات اثناء الحمل والولادة اتفقت الحكومات على انه بحلول عام 2005, يجب توفير القابلات المدربات لما لا يقل عن 40 في المائة من كل حالات الولادة في المناطق التي ترتفع فيها معدلات وفيات الامهات بدرجة كبيرة, وتوفير القابلات المدربات لنسبة 80 في المائة من كل حالات الولادة على المستوى العالمي, وينبغي الوصول بهاتين النسبتين الى 50 و85 في المائة على التوالي بحلول عام 2010, ثم الى 60 و90 في المائة بحلول عام 2015, كما اتفقت الحكومات على خفض معدلات الاحتياجات التي لاتلبي الآن من وسائل منع الحمل بمقدار النصف بحلول عام 2005, وبنسبة 75 في المائة بحلول عام 2010, وبنسبة 100 في المائة بحلول عام 2015. وكانت الحكومات قد اتفقت في مؤتمر القاهرة على توفير طائفة عريضة من خدمات الصحة الانجابية, التي تشمل تنظيم الاسرة وان كانت لاتقتصر عليه فحسب, وذلك من خلال تحسين نظام الرعاية الصحية الاولية, ويتمثل التحدي الذي يواجه معظم البلدان في كيفية التوسع في الخدمات او دمجها, في ضوء القيود المفروضة على الموارد وعمليات الاصلاح الجارية, وفي كثير من البلدان النامية, تكون برامج تنظيم الاسرة مستقلة عن الخدمات الصحية, ولكل منها نظم ادارتها وموظفيها واساليب توفير خدماتها واشكال الاشراف عليها وتقديم التقارير عن انشطتها, اما الانتقال الى نظام متكامل, يجري من خلاله توفير جميع خدمات الرعاية الصحية الاولية من خلال جهاز واحد وبنفس المجموعة من مقدمي الخدمات, فانه يعد تحديا يتسم بالصعوبة, كما ان نقص الموارد يضيف الى ما ينطوي عليه ذلك من صعوبات. ومع ذلك, فان كثيرا من البلدان قد احرزت تقدما طيبا في اقامة نظم متكاملة ويعد تمكين جميع البلدان من انجاز ذلك احدى الاولويات المطروحة. ان تحقيق الاهداف المحددة في القاهرة عام 1994 وفي نيويورك في استعراض السنوات الخمس سوف يتطلب زيادة الالتزام السياسي وتطوير القدرات الوطنية وزيادة المساعدات الدولية, وزيادة الموارد المحلية, كما ان هناك ضرورة ملحة لمواصلة تطوير الشراكات الفعالة التي تتسم بالشفافية مع المنظمات غير الحكومية والجماعات الدينية والقادة البرلمانيين والقائميين على التعليم والقطاع الخاص. وكانت الحكومات قد اتفقت في القاهرة على انه يلزم بحلول عام 2000 توفير مبلغ 17 مليار دولار سنويا للانشطة المتعلقة بالسكان والصحة الانجابية وكان مقدرا ان يأتي ثلثا هذا المبلغ, اي 11.3 مليار دولار من البلدان النامية نفسها, بينما يأتي الجزء المتبقي, اي 5.7 مليارات دولار, من البلدان المانحة. والبلدان النامية, التي تلتزم الآن بتوفير حوالي 7.7 مليارات دولار, قد قطعت نحو ثلثي الطريق الى تحقيق المستوى المستهدف لها, وان كان الانفاق يتركز في عدد قليل من البلدان الكبيرة الحجم, الا ان البلدان المانحة لم تصل الا حوالي ثلث المستوى المستهدف لها, فلم توفر سوى 1.9 مليار دولار فأكبر البلدان المانحة في حقبة التسعينات, مثل هولندا والنرويج والدانمارك اصبحت تخصص حصة كبيرة نسبيا من ناتجها الوطني الاجمالي للمساعدات الانمائية, بما في ذلك نسبة مخصصة للانشطة السكانية, في حين ان مانحين آخرين ابرزهم استراليا وفلندا والمملكة المتحدة, بدأوا يزيدون من الحصة المخصصة للسكان فيما يقدمونه من مساعدات, ومن ناحية اخرى, فان الولايات المتحدة, وان ظلت اكبر جهة مانحة للانشطة السكانية, فان مستوى ما تقدمه من دعم قد انخفض بدرجة كبيرة في الآونة الاخيرة. والعجز في المساعدات الدولية لايشكل خطرا على برنامج عمل المؤتمر الدولي للسكان والتنمية فحسب, بل انه يشكل ايضا تهديدا للاستقرار والامن على الصعيد العالمي, فيما لم تحدث زيادة كبيرة في التمويل, فان ذلك العجز يمكن ان ينذر باستمرار ارتفاع معدلات امية الاناث, وحالات الحمل غير المرغوب فيه, والاجهاض ووفيات الامهات والاطفال,, بل وتسارع انتشار فيروس نقص المناعة (الايدز).