من الملف السياسي: كونفشيوس في القرن المقبل، عاش زمان اضطراب واحتراب هدد بأفول نجم الحضارة الصينية، بقلم د. محمد وقيع الله

هل يصلح كونفشيوس الذي عاش قبل خمسة وعشرين قرناً مصلحاً وموجهاً لافكار القرن الحادي والعشرين؟! يبدو السؤال مستغرباً لسببين: اولهما تقادم الزمان, وثانيهما ان كونفشيوس لايزال محاصراً ومحارباً في وطنه, منذ ان شن عليه ماوتس تونغ حملته العجيبة, التي سماها (حاربوا كونفشيوس ولين بياو)!لم يجد ماو خصماً فكرياً مخوفاً الا كونفشيوس, كما لم يجد غريماً منافساً في لعبة توازن القوى السياسية , الا وزير دفاعه وخليفته, لين بياو, الذي شق عصا الطاعة, وتآمر, وفر بطائرته التي هوت, وتلاشى من يومها اثره في التاريخ... اما كونفشيوس, فانه لم يتآمر على أحد, ولم يمارس ألاعيب السياسة, وان كان قد مارس السياسة نفسها, زمانا ثم ضجر منها, لكثرة ما رأى من نسيج المؤامرات فاستقال, واعتزل وانشأ اكاديمية سياسية وفكرية, استقطب لها ثلاثة آلاف تلميذ, وظل طوال عمره يغرس سمات الوداعة والصفاء في عقول وقلوب ابناء الصين وماجاورها. ما الذي جر الى هذا الحديث عن كونفشيوس اليوم؟! انه التفكير الجزئى القاصر, الذي يسود مراكز بحث وتخطيط السياسات في الغرب... التفكير القائم على اعتبار العوامل الملموسة المباشرة وحدها, كمؤثرات في الفعل السياسي... وهو نمط تفكيري وان بدا عميقاً متغلغلا, الا انه ليس استقصائياً ولا لماحاً ولا بصيراً... ان يقوم على اساس التخصص الضيق, ويريد ان يحصر الانسان بكلياته جميعا, في اطار ذلك التخصص. قصور علم الحرب ظاهرة الحرب هي اكثر ما روع البشر بالفجائع عبر التاريخ, وهي من اكثر ما يشغل بال المفكرين والمنظرين السياسيين. ولكن كيف ينظر اليها هؤلاء... انهم مأسورون بمسألة العامل الوحيد, او العامل المباشر, او العوامل المباشرة على افضل تقدير ولذلك, تراهم منكبين على تحليل مثل تلك العوامل, وتجاهل كل العوامل الخفية التي قد تكون هي عوامل الحرب الاصلية. اورجانسكي وكوجلر بروفسوران امريكيان متخصصان في فحص وتقصي مصادر واسباب الحروب, ولكن عنايتهما تركزت في تحليل عامل واحد ظناً منهما انه العامل الحاسم الذي يقود الى الحروب, وهو معدل النمو الاقتصادي للدول, فهما يقترحان ان ذلك العامل, هو اساس تنامي قوة الدولة عسكرياً وسبب نشوء الحروب, وبالتالي سبب كل الاختلالات في موازين القوى الدولية. وفي هذا السياق فهما يقرران ان الامر يتم بالصورة الوحيدة التالية: عندما يختلف ميزان القوى بين الدول نتيجة اختلاف معدلات النمو, وتفوق دولة في قدراتها وقواها الاقتصادية والعسكرية على دولة اخرى, فان الدولة المتفوقة تتجه في الغالب اتجاها سلمياً, وترمي الى الحفاظ على الوضع (الراهن) الذي تحظى فيه تلقائياً بمركز التفوق غير ان الدولة التي تم التفوق عليها واجتيازها لا تدع الدولة المتفوقة تهنأ بذلك الموقع وتعمل جهدها على إعادة الموقف السابق, اي ان تعود هي الى موقف التفوق على تلك الدولة التي تجاوزتها بالسبق, وهنا يشب اوار الحرب, ويكون اتخاذ قرار الحرب دائماً من قبل الدولة الاضعف لا الأقوى. هذه (النظرية) يمارى فيها آخرون من علماء الحروب شأن البروفسور الاسترالي, بليني الذي يزعم انه وصل الى اكتشاف سنن التاريخ التي حكمت كل حرب جرت منذ سنة 1700 ومع إعترافه بوجود اسباب ثانوية, الا انه يقرر ان السبب الاساسي هو اختلاف قادة الدول في تقرير وحساب (القوة النسبية) وهو ما يعني ان هنالك اختلافا ينشأ حول تقدير وحساب كل قائد لقوة دولته, منسوبة الى قوة دولة اخرى, اي ما هي قوة دولته (أ) وما هي قوة الدولة الاخرى (ب) , وها هي نسبة قوة (أ) الى (ب) وخاصة على المدى القريب. عند نشؤ ذلك الاختلاف تقع الكارثة الدبلوماسية, ويتعذر التفاهم حول هذا الموضوع الخطير, وتنطمس الحقائق الموضوعية حول قياس القوة, وفي تقدير (بلين) فان سبب الحرب الاساسي ليس هو اختلال ميزان القوى, ولا التوزيع الحقيقي للقوة بين الدولتين فقد تكون الدولة (أ) اقوى من الدولة (ب) او العكس, ومع ذلك تسير الامور سيراً طبيعياً هادئاً ولا تقع الحرب, ولكن اذا انطمست الحقائق لها واصبح كل طرف يرى انه هو الاقوى, فهنا لابد ان تقع الحرب لتحدد في النهاية من هو الطرف الاقوى. سبب آخر للحرب من منحي تحليلي آخر ينحوي البروفسور دي موسيكتا الى الزعم بان قرار الحرب ينبع من شخصية قائد الدولة وحسب, وان دوافعه في الدوام هي استعمارية واستغلالية, فكلما غلب على ظنه احتمال تحقيق مصالح الدولة عن طريق الحرب, كلما غلب الاحتمال على اتخاذه لقرار الحرب على خلاف ذلك التعليل, يعتقد آخرون ان الحرب تقع عندما تتوازن قوى الدول, بينما ويعتقد آخرون انها تقع عندما ينعدم التوازن, وآخرون يعتقدون ان الحرب تندلع في اول لحظة من لحظات انعدم التوازن! هذه المزاعم التي تسمى نظريات والتي يضيق اصحابها في شرحها في مجلدات ومقالات وبحوث مؤتمرات, تناقض بعضها بعضا, ويخرج قارئها في النهاية بشعور بالسخط والاستياء لانه اضاع وقته في المماحكات السطحية, مع الاحترام لاقدار البروفسورات العظام. ذلك والحرب ظاهرة ممضة تصطلى بأتونها الشعوب ولا تكاد تنقطع من يوم ان قتل هابيل قابيل, ومع ذلك فلا يكاد يقف اصحاب العلم والشأن في تقدير العوامل والاسباب التي تفضي اليها, وهي اسباب يجب ان تكون معلومة على كل حال. يكاد المرء يرجح رأي ابن خلدون في تعليله لاسباب الحرب, على تعليلات هؤلاء البروفسورات المتخصصين, مع ان ابن خلدون لم يكن متخصصاً في شأن الحرب مثلهم. يقول صاحب المقدمة ان اسباب الحرب (اما غيرة منافسة, واما عدوان, واما غضب لله ولدينه: فالاول اكثر ما يجري بين القبائل المتجاورة والعشائر المتناظرة, والثاني هو العدوان اكثر مما يكون بين الامم الوحشية والساكنين القفر... لانهم جعلوا ارزاقهم في رماحهم, ومعاشهم بأيدي غيرهم, ومن دافعهم عن متاعه آذوه بالحرب, والثالث هو المسمى في الشريعة بالجهاد) . ابن خلدون في صيغ معاصرة ويوضح مصطلحات معاصرة فالغيرة والمنافسة تشمل الدوافع القومية التي تؤدي الى تصادم الدول, يقصد اعلاء عنصر على آخر, واما العدوان فالدافع اليه هو الظلم والتعدي ونهب قوة الآخرين ومصادرتها, وهو الشبيه بمفهوم الحروب الاستعمارية والامبربالية في الزمن الحديث, واما الغضب لله ورسوله فهو مفهوم (الحرب العادلة) التي يقصد بها إماطة العقبات عن طريق الدعوة الى الاسلام, وتمهيد المناخ الصالح لنشر الفضائل بين البشر. كان ابن خلدون فيلسوفاً يرى التاريخ بأشمله من منظور اوسع, ولا يقتطع ظاهرة الحرب وحدها ويركز بصره جميعاً عليها, كما يفعل علماء الخرب المعاصرون الذين يعتقدون ان التخصص هو وسيلة التحليل المثلى... اما كونفشيوس فقد كان اوسع مدى من ابن خلدون فهو لم يكن فيلسوفاً وحسب وانما كان داعية ايضاً, ولكنه داعية من طراز رفيع, ينمو الي توسيع عقل البشر, وتدريبها على رحابة التفكير. عاش كونفشيوس زمان اضطراب واحتراب هدد بأفول نجم الحضارة الصينية, وتمزيق رقعتها الجغرافية على دويلات متناوشة متناهشة. لذا كان لزاماً عليه ان يتعرض لتحليل الظاهرة لكنه لم يكن انشطاري النظرة, ولا ضيقها وانما كان (نبيويا) صميماً, فهو يؤمن بتكامل بنية الانسان المادية والروحية والعقلية والاجتماعية, فلا يفصل ما بينها. كما يفعل علماء التخصص الحديث, لذا انثالت نتائج تحليله باسباب كثيرة تمت الى هذا المصدر, او ذاك, او اليها, معاً, بالاشتراك مع مصادر اخرى... ومع ذلك فقد اكمل تحليله باعطاء العلاج والاقتراح باعداد انسان السياسة بحيث لا تطغى عليه دوافع واسباب الحروب. هذا هو النوع الامثل من التفكير... وقد تسنح فرصة اخرى لاستعراض كونفشيوس عن الحرب بالتفصيل, ولكن الدرس المستخلص هو ان سعة نظرته وسلامة مقصده هي التي ادت به الى تقصي الاسباب السيكولوجية, والاجتماعية, والبيئية, والاقتصادية, والعسكرية والسياسية وغيرها, اما الذين عاملوا الانسان كحيوان المعمل ـ وهم البروفسورات المحترمون للاسف لقد عجزوا عن استخلاص نتائج مقنعة او مرضية كما عجزوا, او انهم لم يستهدفوا اطلاقا, بحث الوسائل الكفيلة بمنع وإيقاف الحروب, التي ظنوها ظاهرة حتمية قصارى ما يتاح لنا بازائها, هو ان نتنبأ بلحظة اندلاعها. الحب الكونفشيوسي الصميمي لبني الانسان كان حادية لتخطيط اعداد الحياة السياسية والاجتماعية الكفيلة بمنع الحروب, وسنعود لهذا الموضوع بأذن الله, بعد تناول حكمة رؤساء الصين, بمناسبة بلوغ الدولة الصينية سن الخمسين, لنرى ان كانوا سيهتدون بعد انخلاعهم عن الشيوعية بفكر البروفسورات الغربيين, ام بفكر كونفشيوس, الذي هو معلم صالح ليس للصين وحسب, وانما للغرب ايضا, ولعالم القرن القادم اجمع, وقديما كان العرب يقولون ـ وهذا ليس حديثا نبوياً بالمناسبة ـ (اطلبوا العلم ولو بالصين) وكانوا يقصدون بالعلم الحكمة, وبها يقصدون افكار كونفشيوس.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات