في جو من السرية التامة يجري الدكتور عاطف عبيد المكلف بتشكيل الحكومة المصرية مشاوراته ليعرض على الرئيس المصري حسني مبارك تصوراته في هذا الشأن.وبعد ان كانت المشاورات لتشكيل الوزارات السابقة تتم في مقر رئاسة الوزراء ولا تستمر إلا يوما أو يومين, امتدت المشاورات هذه المرة لعدة أيام , وتمت خارج مقر رئاسة الوزراء في أحد المعاهد التابعة لوزارة قطاع الاعمال التي كان يتولاها الدكتور عبيد إلى منزل أحد أشقائه على طريق مصر ـ الاسكندرية ليواصل مشاوراته هناك. وكان من المتوقع ان يتم الاعلان عن تشكيل الوزارة فور قبول استقالة الدكتور الجنزوري, حيث ان الأمر لا يحمل هذه المرة طابع المفاجآت, فالرئيس مبارك يعد للتغيير منذ فترة, وقرار ابعاد الجنزوري تم اتخاذه قبل فترة, وموعد الاستفتاء على الرئاسة يوفر الفرصة الطبيعية للتغيير حيث تتقدم الوزارة باستقالتها وفقا للتقاليد. ومع ذلك فإن الأمر استغرق فترة أكثر من المعتادة في مشاورات تكليف الوزارات في مصر, ويبدو ان الرئيس مبارك انصب جهده الأساسي في الفترة الماضية على الاستقرار على شخصية رئيس الوزراء الجديد, من بين عدد من المرشحين وتحديد سياسات الفترة المقبلة, وأساليب تلافي السلبيات السابقة, وترك مهمة البحث عن الوزراء الجدد لرئيس الوزراء المكلف وهي المهمة التي بدأها يوم الثلاثاء الماضي. وحتى الآن فإن ما تسرب من معلومات عن التشكيل الوزاري الجديد تؤكد عدة نقاط هامة: أولا: ان الهيكل الأساسي لوزارة الجنزوري السابقة باق في مكانه, وبنفس اختصاصاته, وكالعادة كانت أول مشاكل التشكيل الوزاري مع الدكتور يوسف والي نائب رئيس الوزراء في عدة حكومات سابقة, حيث عرض عليه الدكتور عبيد ان يحتفظ بمنصبه كنائب رئيس الوزراء وأن يتولى معها مسؤولية المشروعات القومية الكبرى, في توشكي وسيناء وبورسعيد والسويس, على ان يترك وزارة الزراعة لمرشح آخر, ولكن والي رفض وربط بقاءه بالاستمرار وزيراً للزراعة, وزاره عبيد في منزله وتم الاتفاق على بقائه وزيرا للزراعة على ان يرشح المهندس أحمد الليثي رئيس الشركة القابضة للتنمية الزراعية وزيراً للمشروعات الكبرى بدلا من وزارته الزراعة التي كان مرشحا لها. ويبدو ان باقي وزراء السيادة باقون في مناصبهم عدا اللواء العادلي وزير الداخلية الذي لم يتحدد موقفه النهائي حتى الآن, وارتفعت أسهم الدكتور أحمد الجويلي في البقاء وزيرا للتموين والتجارة الداخلية رغم انه كان مقربا من رئيس الوزراء السابق كمال الجنزوري, ولكن اختصاصاته الخاصة بالتجارة الخارجية ستعود لوزير الاقتصاد يوسف بطرس غالي الذي تدعم مركزه في الوزارة الجديدة. ثانيا: الوجوه الجديدة المرشحة للوزارة معظمها من رؤساء شركات القطاع العام الذين كانوا يعملون تحت رئاسة رئيس الوزراء الجديد لسنوات طويلة تولى فيها مسؤولية القطاع العام (قطاع الاعمال) وسيكون من بين هؤلاء على الأقل وزيراً للصناعة والمشروعات القومية, كما سيدخل عدد منهم حركة المحافظين المقبلة. المنطقة الأخرى التي يأتي منها المرشحون للوزارة هم: أساتذة الجامعات, وأبرز المرشحين منهم حتى الآن الدكتور علي الدين هلال عميد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة, والدكتور مدحت حسنين المرشح للمالية والدكتور محمد شاكر المرشح لوزارة الكهرباء, وباستثناء الدكتور هلال فالباقون مجهولون لدى الرأي العام. ثالثا: مجال الحركة محدود في تشكيل الوزارة, والوجوه الأساسية في الوزارة السابقة باقية, والوجوه الجديدة من التكنوقراط يجسدون أحد أوجه الازمة التي يواجهها التشكيل الوزاري حيث ان بقاء الوزارة في المرحلة السابقة في أماكنهم لسنوات تعدت العشرين سنة قطع الطريق حتى لتكوين صفوف ثانية من التكنوقراط, وهو الأمر الذي دعا رئيس الوزراء الجديد للاعلان عن تعيين أربعة معاونين من متوسطي العمر لكل وزير لاعداد كوادر من الصف الثاني والثالث الذي تفتقدهم حاليا معظم مؤسسات الدولة.