هل اندلاع الحرب في داغستان سوف يتسع ليسير بنفس سيناريو الحرب الشيشانية؟ ام ان داغستان لها خصوصية مختلفة؟ هل تتطلع داغستان فعلا للاستقلال عن روسيا؟ وهل تملك القدرة على الصمود والمقاومة؟ هل هناك خاص للكرملين من ولاء هذه الحرب كجزء من الحملة الانتخابية الرئاسية التي ستجري في يونيو العام المقبل والبرلمانية في نهاية هذا العام؟ والى أي حد سوف تؤثر على استقلال الشيشان ؟ في نهاية ديسمبر عام 1994م عند اندلاع الحرب في الشيشان قال وزير الدفاع الروسي في ذلك الوقت بافل جراتشوف سوف تقتحم جروزني خلال 24 ساعة, ونبيد العصابات المسلحة وسأتي برأس المنشق ما يسمى بالجنرال دودايف, وبارك الرئيس يلتسن هذه العملية, وتقدمت القوات الروسية باتجاه جروزني من ثلاث جهات عشية الاحتفال بعيد رأس السنة, واستمرت الحرب ما يقارب عامين وانتهت بهزيمة الجيش الروسي مخلفة ما يقارب 180 الف قتيل من الجانبين وقبل شهر من انتهاء الحرب فاز يلتسن في الانتخابات الرئاسية على مرشح الشيوعيين جينادي زيوجانوف, وكانت الحرب جزءا من الحملة الانتخابية. وبانتهاء العمليات الحربية اعتذر يلتسن للشعب الروسي والشيشاني في خطاب وجهه عبر التلفزيون في نهاية اغسطس 96م قائلا: لقد ارتكبنا خطأ تاريخياً. جروزني والحرب في داغستان في 6 اغسطس عام 1996م دخل المقاتلون الشيشانيون العاصمة جروزني لتحريرها من الاحتلال الروسي وانتهت كما ذكرنا, بالنصر, وفي هذا التاريخ بالذات 6 اغسطس من هذا العام 99م قامت جماعات مسلحة من الاراضي الشيشانية بقيادة القائد الميداني المشهور في الحرب الشيشانية الروسية شامل باساييف والذي عين بعد انتخابات 97م رئيسا للوزراء في الشيشان, ثم استقال برغبته قامت هذه الجماعات بالسيطرة على عدد من القرى الداغستانية الواقعة على الحدود مع الشيشان انسلتا, كابرمافي, تشيبان, مافي وغيرها. معلنة عن تحرير الاراضي الداغستانية وقيام دولة اسلامية ورغم وصول قطاعات ضخمة من الجيش الروسي وقوات الامن الداخلي والقوات الخاصة الا ان الصراع لم يحسم كما كان يتوقع الجنرالات الروس فأسقطت في الايام الاولى للحرب خمس مروحيات وسقط عدد كبير من القتلى والجرحى بين صفوف الجيش الروسي والامن الداغستاني. واظهرت التقارير التلفزيونية المصورة للقنوات الرئيسية في روسيا مدى قدرة الجماعات المقاتلة على القتال والمناورة وانتقدت وسائل الاعلام الجنرالات الروس الذي يدفعون بالجنود الاطفال على حد تعبيرها قليلي الخبرة في القتال الى فم الموت والهلاك محذرة اياهم من تكرار مأساة الحرب الشيشانية, الامر الذي حفز وزارة الاعلام المستحدثة مؤخرا منذ شهرين الى فرض حظر على تغطية الاحداث من الجانب الاخر اي المعادي, وتغطية احداث المعارك من مواقع القوات الروسية فقط ووفق معلومات وتصريحات العسكريين الروس وقال احد الجنرالات بان الاعلام الروسي هو الذي هزم الجيش في الحرب الشيشانية ولن نسمح له هذه المرة. الرئيس الشيشاني اصلان مسخادوف صرح مراراً لمختلف وسائل الاعلام بان لا علاقة لبلاده في هذه الحرب الجارية في داغستان ووجه نداء الى المقاتلين من اصل شيشاني يدعوهم فيه الى التوقف عن المشاركة في الحرب لانه قد يصبح دورهم هو الدافع للسلطات الروسية في شن الحرب على الشيشان لصالح شخصيات تجني مصالحها من وراء هذه الحرب في موسكو وجروزني. لكن هذا لا يعني ان مسخادوف لا يعلم بالتحضير لهذه المعارك على الاراضي الداغستانية خصوصا وان وراءها شخصيات لها ثقل كبير في الشيشان وداغستان مثل سليم خان يندربييف الرئيس الشيشاني السابق ومولودي ادوجق وزير الخارجية السابق ومنظر النظام والجماعات الاسلامية والقائد الميداني شامل باساييف حتى اذا كان مسخادوف ضد هذه البداية للحرب الا انه لا يستطيع ان يمنعها لانه لا يملك اية سلطة على هذه الشخصيات ذات النفوذ والتأثير الواسع في القوقاز وفي الوقت نفسه قد يرى في هذه الحرب المدخل لتحريك المفاوضات مع روسيا بشأن وضع الاستقلال. وبهذا فان دور جروزني في هذه الحرب واضح بل واساسي ولكن ماذا عن الشأن الداغستاني الذي تعنيه هذه الحرب وتجري على اراضيه؟ ومستوى العلاقة بين محج قلعة وجروزني؟ جمهوريات كل من الشيشان وداغستان وانجوشيا الواقعة في منطقة جغرافية واحدة هي القوقاز تجمعهم عادات وتقاليد ثقافية متقاربة والاهم من كل ذلك تجمعهم العقيدة الاسلامية فهذه الشعوب بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وايديولوجيته الماركسية كانت اكثر تطلعا نحو احياء انتمائهم وتثبيت هويتهم واستقلاليتها. فاندلاع الحرب في الشيشان كانت البداية الاولى نحو تحقيق هذه التطلعات ونمت الصحوة الاسلامية وبدأت بالانتشار وعزز الانتصار الشيشاني على الروس الفخر في نفوس هذه الشعوب بانتمائها الى الاسلام الذي رأت فيه العامل الاساسي في ذلك الانتصار فتعززت الصحوة اكثر وانتقلت الى داغستان وانجوشيا وظهرت منظمات اسلامية تم تسجيلها ومارست نشاطها بحرية وبتأثير الدعاة العرب الذي قدموا الى القوقاز. داغستان ما بعد الاتحاد السوفييتي تعد افقر جمهوريات الاتحاد الروسي فالاوضاع الاقتصادية فيها متدهورة ونسبة البطالة حسب تصريحات الاعلام الروسي تصل الى 70% من القوى القادرة على العمل بالاضافة الى الفساد الحكومي وارتفاع نسبة الجريمة. والسلطة في محج قلعة في حقيقة الامر كما جاء على لسان بعض السياسيين الداغستانيين لم تكن سوى اداة في يد موسكو تحمي مصالحها, تحتمي بها من اجل مصالحها هي الاخرى. حيث جرت في العام الماضي محاولة للسيطرة على السلطة في محج قلعة وعزل الرئيس مجميد علي مجميدوف قادها عضو البرلمان الروسي ورئيس اتحاد مسلمي روسيا خوشيلايف الذي يفر حاليا من مطاردة السلطات بعد فشل محاولته وطرده من عضوية البرلمان الروسي. هذا يعني ان الظروف الموضوعية شبه جاهزة لاندلاع ثورة في داغستان وبالطبع سيكون شعارها هو تحرير داغستان. ولكن ما الذي حصل؟ هذه الثورة لم تعلن من الداخل وهذا هو الخطأ التكتيكي الذي وقعت فيه قيادة الجماعات الاسلامية فبدل ان تتحرك هذه الجماعات ضد التواجد الروسي والسلطة الموالية لهم واعلان حرب تحرير داغستان ثم تأتي الفرق الشيشانية المسلحة التي يقودها باساييف والاردني خطاب لدعم نضال اخوانهم في داغستان من اجل الاستقلال كما قاتل الداغستانيون في حرب الشيشان. ولكن الذي حصل هو ان هذه الجماعات الاسلامية هي التي بادرت بالحرب منطلقة من الاراضي الشيشانية الامر الذي استغلته السلطات الداغستانية والروسية بانه اعتداء شيشاني على اخوانهم وجيرانهم في داغستان قامت بتنفيذه جماعات (ارهابية) جاءت من الشيشان ومن بعض الدول العربية وباكستان, وغيرهم ممن احترفوا القتال من اجل المال. وروجت هذه الفكرة عبر وسائل الاعلام الروسية الامر الذي اثر على نفسيات الداغستانيين فهبوا للتطوع لمقاومة المعتدين. وفي كل مناسبة يهاجم الرئيس الداغستاني السلطات الشيشانية والشيشانيين بانهم خانوهم واعتدوا على شعبهم واراضيه فبعد انسحاب المقاتلين ودخول القوات الروسية الى القرى التي احتلتها استقبلت هذه القوات بحماس وظهر الجنود الروس كالمنقذين للداغستانيين والمدافعين عن اراضيهم من اعتداء الجماعات الاسلامية التي يصفونها بالارهابية. عندما اتجهت هذه الجماعات لاحتلال قرى اخرى اتجهت القوات الروسية لقتالهم ومعهم هذه المرة ميليشيات مسلحة كبيرة من الداغستانيين وحسمت المعارك بشكل اسرع. (بيروزفسكي والكرملين يتآمران) في الفترة ما بين التحرك الاول والثاني للجماعات المقاتلة لاحتلال عدد من القرى هزّت موسكو وسانت بطرسبورج وفولجادونسك ومحج قلعة انفجارات عنيفة اودت بحياة 294 شخصا. عددا كبيرا من الجرحى. تواصل هذه الانفجارات اظهر احتمالات بين الاوساط السياسية التي لمحّت في تصريحاتها الى وجود لعبة سياسية تهدف الى زعزعة الاوضاع في روسيا وظهر هذا بشكل اوضح مع اشتداد الحرب الاعلامية بين الملياردير اليهودي باريس بيروزفسكي سكرتير رابطة الدول المستقلة سابقا وبين ابن جلدته اليهودي فلاديمير موينسكي رئيس المؤتمر اليهودي في روسيا. مالك موست بنك والقناة التلفزيونية الشهيرة NTV واذاعة احدى محطات موسكو وعدد من الصحف والمجلات. ويقف وراءهم في هذه الحرب مرشحو الرئاسة بالذات عمدة موسكو لجكوف وبريماكوف والكرملين الذي يقع تحت التأثير الكامل لبيروزفسكي وقد اعترف بذلك بنفسه بانه يساهم في صنع القرار في الكرملين من خلال المراجعات المستمرة التي يجريها مع بنت الرئيس ومستشاره تاتيانا ديشنكو ورئيس ادارته فالوشن. ومحتوى هذه الحرب الاعلامية هو ان بيروزفسكي اجرى اتصالات مع القيادات الشيشانية ورسم معهم هذا السيناريو الذي يحدث الان من حرب في داغستان الى الانفجارات في موسكو وغيرها من المدن, الامر الذي يمكن الرئيس يلتسن من اعلان حالة الطوارئ والغائه الانتخابات ومن ثم ياتي الكرملين بالمنقذ الجنرال الكسندر ليبيد محافظ كراسينارسك ليعيد الاستقرار الى روسيا ومن ثم ترتفع شعبيته ويكون بذلك منافسا خطيرا في الانتخابات التي ستجري فيما بعد هذه الاوضاع. الجانب الشيشاني يرى في وجود ليبيد في السلطة والذي وقع معهم اتفاقية خسيفورت عام 96م حول انهاء الصراع المسلح على ان ينظر في الحل النهائي لقضية استقلال الشيشان في عام 2001م في شخص ليبيد الرجل المناسب الذي يمكن التفاوض معه, لان موقف غيره من مرشحي الرئاسة سيكون صعبا تجاه الاعتراف باستقلال الشيشان عن روسيا. غير ذلك من الاحتمالات والذي ستكون نتائجه اخطر على مستقبل الشيشان واستقلالها هو ان اختلاف هذه الاحداث سوف يعطي فرصة للكرملين على المناورة والتحرك من خلال شخص رئيس الوزراء الحالي فلاديمير بوتين الذي قال عنه الرئيس يلتسن انه يرى فيه الشخص المناسب لرئاسة روسيا من بعده وامامه اي بوتين وقت كاف ليظهر قدراته. والاعلام في الايام الاخيرة بدأ يلمح الى هذا الدور وان بوتين بدأ يعمل بحسم وشجاعة في هذه الظروف الصعبة التي لم تواجه روسيا مثلها من قبل بوتين منذ تعيينه. فقد دعا الى الغاء اتفاق خسيفورت مع الشيشان ويتخذ موقفا متشددا تجاه جروزني, فقد اعطى تعليمات لوزارة الدفاع بضرب قواعد ومعسكرات المقاتلين داخل الاراضي الشيشانية وطالب القيادات الشيشانية بتسليم قادة هذه الجماعات. وبالفعل في الوقت الحالي تحتشد قوات كبيرة على الحدود الشيشانية واعلنت وزارة الدفاع رسميا يوم السبت الماضي 9/17 عن قيام اكثر من 100 طائرة حربية بتوجيه ضربات الى مواقع الجماعات الاسلامية المسلحة في الشيشان. حرب جديدة مع الشيشان وهذا يعني ان روسيا بالفعل قد بدأت حربا جديدة مع الشيشان ربما سوف تتسع لتشمل كل الاقليم (الشيشان ـ داغستان وانجوشيا) ويبدو واضحا ان من دوافع هذه المغامرة التي من الصعب التكهن بنتائجها هي الانتخابات الرئاسية, فالعائلة في الكرملين لا تريد ان تسلم السلطة خصوصا عندما رأت وجود فرصة لنجاح خصومها. وفعلا بدأت برصد اموال السيطرة على منابعها من خلال تعيين رجالها في الهيئات والمؤسسات والشركات التي تدر المال مثل شركة السلاح والقطاعات النفطية ووزارة المواصلات وغيرها. الصراع السياسي بين الاحزاب والعائلة والقوى المالية والاعلامية المتنفذة في روسيا سوف تزداد حدته وشعوب القوقاز الاسلامية سوف تكون الضحية الاولى في هذا الصراع. فماذا ينقذ الاعتذار عن ارتكاب الخطأ التاريخي او بالاصح الجريمة التاريخية اذا حدثت؟ الحقيقة ان المتاجرة التي ربما فعلا حدثت بين التيارات الشيشانية وبيرزوفسكي الماكر بشأن كرسي الرئاسة في موسكو سيكون هو المستفيد فيها ووضع بذلك مستقبل الاستقلال الشيشاني امام تحديات صعبة. لكن التدخل القوي من قبل القوى السياسية المنافسة قد يغير من تطور التصعيد بهذا الاتجاه. صحفي يمني ـ موسكو