سليمان مرزوق الهباهبة عمل سائقا خاصا للعاهل الاردني الراحل الملك حسين بن طلال رحمه الله لمدة31عاما كان خلالها الاقرب اليه من اي شخص آخر لازمه في حله وترحاله.الهباهبة هو من مواليد الشوبك عام1924التحق بالجيش العربي الاردني عام1940وشاهد الملك حسين لاول مرة في حياته في قصر رغدان عندما كان عمره ست سنوات وكان يقف الى جانب الامير زيد بن شاكر في حفل زواج عمه الامير نايف. الهباهبة شارك في معارك 1948 ويتذكر معركة كفار عصيون وفي هذه المحطة يروي الهباهبة ذكرياته مع المغفور له الملك حسين طيب الله ثراه. كريم ومتواضع لقد فقدنا قائدا فذا وانسانا ملكا بكل معنى الكلمة كريما وعطوفا على الاطفال والمحتاجين كبرياؤه ظل مرفوعا,, كان اذا اراد منا شيئا يتحدث بشكل متواضع ليس فيه لهجة المسؤولين او الملوك.. من فضلك, اذا تكرمت... لا اعتقد ان التاريخ سجل مكرمات كما سجل للحسين الذي كان يعرف الحب ولا يعرف الحقد فقد عفا عن كل الذين اساؤوا اليه وفتح امامهم الباب واسعا للعودة, لا يخالف النظام ولا يقفز فوق القانون في اصغر الاشياء أو اكبرها. بدأت مشواري مع الملك الراحل عام 1957 اي بعد سنوات قليلة من توليه سلطاته الدستورية وعينت سائقه الخاص ومرافقه حتى عام 1986 حيث احلت الى التقاعد ولي ستة اولاد منهم اثنان يعملان طيارين. يتابع احوال الناس وهمومهم بعد تسلم الملك الراحل سلطاته الدستورية كان يقوم بزيارات الى مختلف مناطق المملكة في الضفتين الشرقية والغربية للتعرف على احوال الناس والاطلاع على احوالهم وكان احيانا يغيب عن العاصمة اسبوعا او اكثر ولا يوجد معسكر للجيش او قرية الا وزارها. كان شديد الحماس لبناء الجيش العربي ومنعته كما كان تواقا لتعريب الجيش من الضباط الانجليز وتحرير الضباط الاردنيين من تصرفات كلوب وجماعته مع معرفته بامكانات الاردن المادية. لم يكن في الاردن طرق ولا مدارس ولا كهرباء ولا وسائل اتصالات فبدأ يفكر ببناء الاردن وكان يتابع مع المسؤولين تنفيذ المشروعات ليتحقق بنفسه من الانجازات, كان الحسين لنا صديقا وأخا متواضعا لدرجة انه كان يشاركنا احيانا اصلاح عجلات السيارة. يتفقد الجنود في مواقعهم القتالية في احد الايام انطلقت اربع سيارات عسكرية كبيرة تحمل عتادا الى منطقة الشونة وكنت مع الحسين في قصر الحمر فقامت الطائرات الاسرائيلية بضرب السيارات وهي في طريقها لنقل العتاد الى الجيش فأمر الملك بضرورة التوجه الى مكان السيارات العسكرية لانقاذ العسكريين الذين كانوا فيها. ركب معي بسيارة جيب عسكرية ولما وصلنا الى مكان الحادث كانت السيارات تحترق والذخائر تنفجر وتهز المكان الذي وقع فيه الاعتداء فتوقفت بعيدا عن السيارات العسكرية فأمرني بمتابعة السير وقال لي توكل على الله نحن لسنا أفضل من الذين استشهدوا, وكانت مجازفة شديدة لاننا عبرنا بين الشاحنات وهي تنفجر وواصلنا الطريق باتجاه الوحدات العسكرية في الخطوط الامامية. وقرب مقام النبي يوشع كانت هناك دبابة معطلة وصادف ان قامت طائرات اسرائيلية بمعاودة قصف السيارات فوقفت قرب الدبابة لاخفي السيارة التي كنت اقودها وبداخلها الملك, ونزل الملك يتفقد الجنود ويساعدهم في اصلاح العطب الذي اصاب جنزير الدبابة ثم تابعنا السير نحو قيادة اللواء في الخطوط الامامية وكان ذلك في اول ايام حرب الخامس من يونيو وكان القصف متبادلا بين قواتنا والقوات الاسرائيلية واصر الملك على البقاء ذلك اليوم بين الجنود فهو لا يعرف الخوف أبدا. من الاحداث الخطيرة كذلك ان الطائرات الاسرائيلية اغارت على مواقع المدفعية الاردنية وعلى الفور طلب الملك ان نتوجه الى المنطقة لنطلع على ما حدث, واثناء وجودنا في الموقع صاح قائد اللواء محمد الصحاوي (ابعدوا الملك من مكان القصف) لكنه رفض وواصل تفقد الجنود وآلياتهم والحمد لله ان الله انجانا. كان الملك عطوفا على الاطفال وكبار السن وكثيرا ما عمل على نقل الاطفال الى مدارسهم وكان يغضب عندما تبدأ سيارات الموكب اطلاق (زواميرها) ويطلب مني ان انبه الحرس الى ذلك. على مدى 31 عاما من الخدمة لم أشعر ان الملك حسين مسؤول أو ملك, فكان يتعامل معنا وكأنه واحد منا وفي مخاطبته معنا لم نسمعه مرة واحدة يتصرف كعسكري يطلق الأوامر لجنوده, وكانت لغته دوما تتصف باللطف والهدوء فإذا أراد شيئا يقول لي: هل من الممكن؟ وكنت أتضايق من أسلوبه فأنا كعسكري اعتدت على تلقي الأوامر فقط. شاهد على مواقف ذات يوم خلال الستينات وفي فصل الشتاء حدث ان جرف سيل في منطقة جنوب الأردن سد السلطان فطلب الملك ان نتوجه وهو معنا الى مكان الحادث, فذهبنا ولم يكن في حسابنا اننا سنتأخر بل سوف نعود في اليوم ذاته, ولذا لم نحتط على ماء أو طعام, وعندما وصلنا قال الملك دعونا نمشي إلى جانب السيل فربما نجد أحدا قد تضرر وبالفعل مشينا مسافة 45 كيلومترا وغرزت سيارتنا في الطين فأمضينا نهارا كاملا ونحن نحاول ان نخرج السيارات من الطين وهو يقوم معنا بالعمل ذاته حتى غابت الشمس, فقمت بالاتصال مع سلاح الجو الذي لم يكن لديه سوى طائرة عمودية واحدة وطلبت ارسالها لكي تعيد الملك إلى عمان ولم يعرف الملك بهذا الاتصال, وعندما شاهد الطائرة فوقنا سأل من اتصل بالطائرة فقلنا لم يتصل أحد وربما جاءت للبحث عنا, ولكنه استمر في العمل معنا لاخراج السيارات من الطين, وقال لعلنا نجد مكانا ننام فيه وبالفعل وجدنا مكانا مهجورا تابعا لسكة الحديد, وعندما هبطت الطائرة طلب الطيار من الملك ان يصعد إليها فرفض وطلب إلى الطيار العودة لعمان قبل حلول الظلام, لأنه لا يملك جهاز الارشاد الذي يهديه أثناء الليل, وقال للطيار أنا لا أترك ربعي, وطلب منا الاتصال مع قيادة معان العسكرية ليرسلوا لنا سيارة لاندروفر وطعاما وتابعنا طريقنا إلى العقبة حيث بتنا في أحد الفنادق وهو معنا. وذات ليلة كنا في جبل عمان قرب الدوار الثالث فلاحظ الملك ان النار كانت تتصاعد من مطعم معتوق فترك السيارة ونزل واتجه نحو المطعم وحطم الزجاج ودخل إلى المطعم وعمل على اطفاء الحريق. انتبهت اليه ذات مرة وكنا نقف عند احدى الاشارات الضوئية يسلم على احد السائقين ويتحدث اليه فسألته من اين تعرف هذا السائق فقال انه كان احد زملائه في المدرسة. كان عندنا احد السائقين وبعد ان ترك الخدمة اشترى حافلتين ليتمكن من ايرادهما في اعالة عائلته والصرف على دراسة ابنائه في الخارج وحدث ان احترقت الحافلتان نتيجة حادث فانقطعت سبل العيش به, فما كان مني الا ان ابلغت الملك بذلك وكانت النتيجة ان الملك تعهد باتمام تعليم ابناء السائق على حسابه الشخصي وصرف مخصصات شهرية لعائلته. ذات مرة قبل حرب يونيو 1967 قام بجولة في الوحدات العسكرية وكنت برفقته اقود سيارته وفي الوحدة التي كانت بقيادة الامير زيد بن شاكر قدموا له وجبة طعام عبارة عن علبة لحمة في السفرطاس العسكري وكان برفقتنا الامير رعد بن زيد وقد كتب احد الصحفيين الفرنسيين عن هذا ونشر صورا في الصحيفة التي يعمل بها وطوال الطريق كان الملك يتحدث إلى خاله الشريف ناصر عن تخوفه من نتائج الحرب اذا ما وقعت وحصل بالفعل ما كان يتخوف منه. كان غالبا ما يصطحب زواره إلى منطقة الاشرفية ليريهم مدينة معان في الليل من اعلى موقع فيها واحيانا كان ينزل في سيارة خاصة وبدون حراسات يحاول استطلاع احوال الناس. مخاطر على حياته ذات مرة طلب ان نتوجه إلى مقر الديوان في قصر الحمر فنزلنا عن طريق صويلح وما ان وصلنا إلى موقع دوار صويلح واذ بنا نصطدم بحاجز مروري سد امامنا الطريق فوقفنا امامه وتحركت سيارات الحرس عن يمين سيارته ويسارها وبدأ اطلاق النار علينا من الامام وكان معنا في السيارة ذاتها الشريف ناصر بن جميل وزيد الرفاعي وطلبت من الملك ان ينزل من السيارة وتبعه خاله الشريف ناصر ليحميه بعدها تمكنت من الدوران إلى الخلف وكان الملك قد نهض إلى السيارة وحينها اشتدت الرماية بجنون لكن الله انجانا وعدنا إلى القصر. كان الملك ذات مرة في طريقه إلى المطار لاستقبال كريمته الاميرة عالية التي كانت قادمة من بيروت وكان يقود سيارته السائق عبدالله الراشد, اما انا فكنت يومها في اجازة وركبت سيارة خاصة في طريقي إلى عمان وقبل ان اصل إلى موكب الملك بدأت الرماية عليه من كل جانب واذكر ان مرافقه آنذاك مازن العجلوني رحمه الله وكان معه قائد الحرس انور محمد, وتمكنت من الوصول إلى السيارة الملكية بهدوء ونزل من سيارته وركب سيارتي الصغيرة وركب معه قائد الحرس وانطلقنا بعيدا لنتوجه إلى المطار لكن الملك ابلغني ان اتصالا جرى مع طائرة الاميرة وامرها بالعودة إلى لبنان. واخيرا ومنذ ان تمت احالتي إلى التقاعد لم تنقطع صلتي مع الملك إلى أن انتقل إلى الرفيق الاعلى, كنت في كل مناسبة اذهب إلى القصر والتقيه وقد زارني في مزرعتي بالشويك ودوما كان يطمئن على عائلتي وكان قد تولى تدريس اربعة من ابنائي على حسابه الشخصي.