منذ عام1917وحتى الآن والروس يتشاءمون من شهر اكتوبر, ويعتبرونه شهر المصائب والكوارث والازمات, والبعض يروجون لهذا التشاؤم كثيرا الآن معتبرين ان الثورة البلشفية في اكتوبر عام1917كانت بداية المصائب والنكبات, الا ان الذي ثبت هذا الاعتقاد لدى الكثيرين اكثر هو ضرب الرئيس يلتسين للبرلمان الروسي في اكتوبر1993, هذا الحدث الكبير الذي عكس بشكل واضح سياسة نظام يلتسين منذ بدايته وحتى الآن, فقد شهدت روسيا على مدى السنوات الثماني الماضية من حكم الرئيس يلتسين ما لم تشهده من كوارث ومصائب وجرائم وانهيار داخلي طيلة هذا القرن بكامله, وأصبحت الاغتيالات والانفجارات والفساد والرشاوى والسرقات ونهب اموال الدولة والفقر والانهيار الاجتماعي والاقتصادي اسية لسنوات حكم الرئيس يلتسين, وعلى الرغم من انه لم يتبق من حكم الرئيس يلتسين سوى تسعة اشهر حتى موعد انتخابات الرئاسة القادمة, الا انه لم يشأ ان يختم حكم البلاد بهدوء, بل توالت المصائب والكوارث داخل روسيا, وآخرها الانفجارات التي وقعت في مدينتي موسكو وسان بطرسبورج, والتي راح ضحيتها المئات من القتلى والجرحى الذين لا ذنب لهم سوى انهم مجبرون على دفع حساب اخطاء النظام الحاكم الفادحة, ولأنهم فقراء لا يملكون شيئا, فقد كان الثمن ارواحهم التي لا تساوي شيئا في نظر الحاشية القابعة في الكرملين والمهيمنة على مراكز صنع القرار في روسيا طيلة السنوات الثماني الماضية. وعلى الرغم من ان الانفجارات التي وقعت مؤخرا في المدن الروسية جاءت مباشرة في اعقاب احداث داغستان والشيشان, الا ان آراءها كثيرة تجمع على انه ليس هناك علاقة مباشرة بين الاثنين, وان الشيشانيين والداغستانيين ليس لهم اية علاقة بهذه الانفجارات وليس لهم يد فيها, وانما وقعت هذه الانفجارات في هذا التوقيت بالتحديد حتى يتم ربطها بهذه الاحداث ويتستر وراءها الفاعل الحقيقي لها, ويدعم هذا الرأي مؤشرات كثيرة منها, ان الشيشانيين في حربهم الشرسة مع روسيا على مدى عامي 95, 1996 والتي اصابهم فيها دمار وخراب شديد وراح ضحيتها الآلاف من القتلى والجرحى, لم يقدموا على مثل هذه الافعال, ولم يقوموا بعمليات بمثل هذا الحجم في المدن الروسية الكبرى, رغم ان هذا كان في امكانهم وبسهولة في ظل حالة الامن التي كانت قد وصلت لأدنى مستوى في روسيا في تلك الفترة, كما انهم آنذاك لم يكن لديهم اي امل في اي عون او مساعدة من روسيا, وكانت روح القتال والنضال لديهم متأججة عن آخرها, وخاصة في اعقاب مصرع قائدهم وزعيمهم المحبوب جوهر دوداييف الذي اجمع الجميع على ان المخابرات الروسية هي التي قتلته, ورغم هذا لم يفكروا في اعمال انتقامية داخل روسيا على هذا المستوى من الانفجارات التي تحدث الان, هذا الى جانب ان الشيشان الآن في حاجة الى موسكو اكثر من اي وقت مضى, وخاصة بالنسبة لاعادة الاعمار وإزالة الدمار والخراب الناتج عن الحرب, وهذه المسألة محل خلاف كبير بين الجناح السياسي والجناح العسكري داخل الشيشان, ففي الوقت الذي يرى فيه الرئيس الشيشاني اصلان ماسخادوف ضرورة التفاهم مع موسكو من اجل تنفيذ بنود اتفاق اغسطس 1996, يرى القائد العسكري شاميل باساييف ان مواصلة القتال والحرب هي الوسيلة الوحيدة للضغط على روسيا لتنفيذ بنود الاتفاق. وأيا كان الامر فإن ما يحدث في مدن روسيا من انفجارات من الصعب الجزم بأن المقاتلين الشيشان هم المسؤولون عنه, ولو كانوا هم لأعلنوا ذلك صراحة وبفخر. يلتسين والانتخابات المقبلة إذا من المسؤول؟ للاجابة عن هذا السؤال علينا ان نلقي نظرة سريعة على الاوضاع على الساحة السياسية في روسيا, هي على ابواب الانتخابات البرلمانية في ديسمبر المقبل, وانتخابات الرئاسة في يونيو المقبل, والتي ليس من حق الرئيس يلتسين المشاركة فيها بحكم الدستور بعد قضائه فترتين من الحكم. في الانتخابات الماضية في عام 1996 تجمعت حول الرئيس يلتسين كل التيارات الديمقراطية واليمينية وحتى القومية المتطرفة ولم يقف ضده سوى الشيوعيين, اما الآن فليس من مصلحة احد تأييد الرئيس يلتسين في اي شيء او حتى الاستعانة به في الحملة الانتخابية, وخاصة بعد ان جعل منه الجميع (الشماعة) التي يعلقون عليها كل اخطاء ومشاكل السنوات الثماني الماضية, وأصبح الرئيس يلتسين في شبه عزلة تامة, ومحاط بالعديد من الاتهامات الحادة التي تكفي اقل واحدة منها ان تضعه في مساءلة قانونية امام القضاء, وآخر هذه الاتهامات فضائح غسيل الاموال وتهريبها للخارج, والتي يقدرها البعض بالمليارات من الدولارات وليس بالملايين, ولأنه اصبح مثل ورقة لعب محروقة وخاسرة تماما فقد انفض عنه كل اعوانه وانصاره السابقين, وعلى رأسهم عمدة موسكو يوري لوجكوف الذي استطاع بمفرده في انتخابات الرئاسة الماضية ان يضمن للرئيس يلتسين ما يقرب من 30% من الاصوات التي حصل عليها من مدينة موسكو وحدها, والتي يتمتع فيها لوجكوف بشعبية فائقة, اما الآن فإن لوجكوف نفسه مرشح منافس على الرئاسة, ولأنه من التيار اليميني الاصلاحي الذي ظهر بعد انهيار الاتحاد السوفييتي والمتهم بالمسؤولية في المشاكل والازمات التي وقعت في روسيا مؤخرا, فإنه لزاما عليه ان ينفي عن نفسه هذه الاتهامات, ولهذا نجد لوجكوف الآن على رأس المهاجرين ليتلسين والحاشية التي حوله, ويتهمهم بالمسؤولية عن كل المشاكل, وأكثر من ذلك يتهمهم بأنهم محميون بعصابات المافيا والجريمة المنظمة المنتشرة في روسيا حاليا, على الرغم من ان لوجكوف نفسه حامت حوله الشبهات اكثر من مرة حول ارتباطه بالمافيا, وحتى ينفي عن نفسه كل الشبهات والاتهامات ويبدو في صورة نقية على ابواب الانتخابات لم يتوان لوجيكوف عن اتهام المافيا المحيطة بالرئيس يلتسين في الكرملين بالمسؤولية عن الاضطرابات الداخلية التي وقعت في الايام الماضية ويقصد لوجكوف بالتحديد الملياردير اليهودي الروسي بوريس بيرزوفسكي الذي اسند اليه الرئيس يلتسين مؤخرا ملف الامن القومي في منطقة شمال القوقاز. من يقف وراء الانفجارات؟ اما الشيوعيون فقد اعلنوا صراحة واكثر من مرة بأن الانفجارات التي وقعت مؤخرا في موسكو وسان بطرسبورج لا علاقة للشيشانيين بها, وانها مدبرة ومعدة ومنفذة بأوامر من داخل الكرملين ومن زعماء عصابات المافيا القريبين من يلتسين ويقول النائب الشيوعي في البرلمان الروسي ورئيس لجنة الامن القومي فيكتور اليوخين انهم يتوقعون من يلتسين والحاشية المحيطة به في الكرملين كل شيء الآن, وان هذه الانفجارات التي وقعت اقل من المتوقع منهم, خاصة وانهم في موقف لا يحسدون عليه بعد ان اقتربت النهاية المأساوية لهم, واقتراب وقت حسابهم عن كل الجرائم التي ارتكبوها في حق روسيا والشعب الروسي طيلة الاعوام الثمانية الماضية. كبش الفداء ويذهب المحللون السياسيون في روسيا الى ان يلتسين والمحيطين به في الكرملين قد كشروا عن انيابهم منذ تولى سيرجي ستيباشين رئاسة الحكومة بعد بريماكوف وبعد ان رأوا في ستبياشين الشخص الذي لا يضمن لهم حماية انفسهم ومصالحهم بعد رحيل يلتسين عن الحكم فقرورا عزله فورا واتوا بـ (فلاديمير بوتين) باعتباره الشخص الذي كان معهم دائما طيلة السنوات الماضية, وشاركهم في الكثير من جرائمهم وتستر عليهم وهو في قيادة جهاز الامن الروسي, وبالتالي فليس من المتوقع منه ان تعترض, ولم تشأ المعارضة البرلمانية بقيادة الشيوعيين ان يهاجمهم كعادتها على رئيس الحكومة الجديد, لانها تعلم جيدا ان الوقت لم يعد يسمح بهذا وانه لم يبق سوى بضعة شهور قليلة على الانتخابات, وارادوا ايضا ان يفوتوا على الرئيس يلتسين فرصة الصدام وخاصة انهم يعلمون ان يلتسين ومن حوله في امس الحاجة الآن لتصعيد الازمات والصدام مع البرلمان, حتى يجدوا فرصة لاثارة البلبلة والاضطرابات في البلاد, مما يعطيهم الحق في اعلان حالة الطوارىء التي هي السبيل الوحيد امامهم لتأجيل الانتخابات. تصعيد الأزمات ورغم تراجع المقاتلين الشيشانيين والداغستانيين وعودتهم داخل الاراضي الشيشانية, إلا ان الكرملين مصمم على الاستمرار في تصعيد الازمة, والطيران يهاجم المدن الشيشانية يوميا وبشكل حاد يهدد بتصعيد الازمة واندلاع الحرب من جديد هناك وهذا في حد ذاته يؤكد الاراء التي تقول ان يلتسين ومن حوله يبحثون عن وسيلة للخروج من المأزق الذي هم فيه الآن, وهو اقتراب الانتخابات التي ليس لهم فيها اي امل, ولا يوجد لهم فيها اي انصار او مؤيدين, الامر الذي يعني بالنسبة لهم اقتراب النهاية المأساوية وضياع مصالحهم, وثرواتهم التي جمعوها بشتى الوسائل غير المشروعة في الاعوام الثمانية الماضية. ولهذا يمكن ان روسيا الآن وفي هذه الايام بالتحديد تقف في مفترق صعب للغاية في ظل الصراع الحاسم بين جبهة الرئيس يلتسين والحاشية المحيطة به في الكرملين, وبين الجبهة الاخرى التي تضم التيارات والاحزاب السياسية المتصارعة على السلطة في المرحلة المقبلة, ولا خيار امام جبهة يلتسين إلا تأجيل الانتخابات عن طريق اعلان حالة الطوارىء, ولا خيار امام الجبهة الثانية سوى تفويت هذه الفرصة على الرئيس والحاشية المحيطة به حتى تمر الانتخابات البرلمانية في ديسمبر, ومن بعدها انتخابات الرئاسة في يونيو بهدو؟ء, وفي ظل هذا المفترق الصعب يتوقع المراقبون والمحللون مزيدا من الاضطرابات والانفجارات وتصعيد الازمات في شمال القوقاز وفي داخل روسيا نفسها.