خلال الشهرين الاخرين تدور الحياة السياسية والاجتماعية حول المحورين الاساسيين وهما الاحداث في داغستان وشمال القوقاز بشكل عام والانفجارات التي اجتاحت موسكو وبعض المدن الروسية الاخرى, وتترابط هذه التطورات بعضا مع البعض ولكن بدايتها تعود الى اوائل شهر اغسطس الماضي عندما تدخل المقاتلون والجماعات المسلحة الى اراضي داغستان وتمكنوا في البداية من احتلال عدة قرى جبلية الامر الذي ادى الى المواجهة المسلحة بين هؤلاء المقاتلين وبين القوى التابعة لوزارة الداخلية الروسية المتعاونة مع المتطوعين الداغستانيين. وخلال الفترة التي مرت على نشوب الحرب غير المعلنة في داغستان نشرت مئات المقالات والتحاليل والتعقيبات والتعليقات على ما يحدث في داغستان ومما يلفت نظر القارئ العادي ان مثل هذه المطبوعات تشبه التقارير عن نتائج المعارك العسكرية دون التطرق الى اسباب المواجهة او تصور الاثار المترتبة عليها لاحقا واذا تناولت وسائل الاعلام العام هذه الامور فتقتصر على الوقوف على المقدمات الاقتصادية والاجتماعية للمواجهة او في بعض الاحيان على الابعاد السياسية لها اما الجماعة الاسلامية في هذه الاحداث فلم تستحق عناية الصحافة بصورة جدية, ومن البديهي ان هذا الموضوع قد يكون محوراً للبحث الخاص حول خلفيات الاحداث وتطورات الاوضاع السياسية في روسيا, الامر الذي تدل عليه خمسة انفجارات وقعت في موسكو ومدينة يويناكسك الداغستانية ومدينة فولغادونسك في جنوب روسيا وكان لهذه الانفجارات رد الفعل العميق الذي لايزال يؤثر على الحياة السياسية في روسيا. هذا, وأدت هذه العمليات الارهابية الى الضحايا في الارواح بين الناس الابرياء والتي يبلغ عددها مئات ومن البديهي ان الانفجارات تتعلق تعلقا مباشرا باحداث القوقاز مما ادى الى ترسيخ الاقتناع في الرأي العام الروسي بأن المسؤولية على ارتكاب هذه الجرائم الوحشية تقع على الجماعات المسلحة المناوئة للحكومة في داغستان والشيشان اما الاجهزة الحكومية الروسية فقد صرّحت بان اثار هذه الجرائم تعود الى الشيشان ومما يجدر بالذكر ان بعض المسؤولين الشيشان قد اعترفوا بصحة اتهام اهل هذه الجمهورية وتورطهم في جرائم الانفجارات. ولكن الاثار المترتبة على احداث داغستان والانفجارات في المدن الثلاث الروسية بطبيعة الحال لا تقتصر على اتهام الشيشان او الجماعات المسلحة المرتبطة بها بخرق الاستقرار السياسي في روسيا بل تتجاوز هذه الحدود لكي تشمل الابعاد الهامة الاخرى للحياة السياسية الروسية ومحاولة لتحديد اتجاهات المترتبات على هذه الاحداث. يجب الاشارة قبل كل شيء اخر الى انها قد ساعدت على ازدياد درجة تلاحم المجتمع الروسي وتضامنه في وجه الارهاب اذ اتفقت مواقف معظم القوى السياسية على شجب الارهاب واعتباره عاملا يهدّد استقرار روسيا وعلى دعم خطوات الحكومة الصارمة واجراءاتها السريعة والقاسية للقضاء على مصادر الارهاب وعلى هذا الاساس يمكن اعتبار التضامن المتزايد للمجتمع الروسي واجماع معظم القوى السياسية على تأييد الحكومة في مكافحة الارهاب من العوامل والآثار الايجابية لاحداث داغستان والانفجارات الاخيرة. ومن المترتبات الايجابية الاخرى تخفيض مستوى الاجرام العام في روسيا الامر الذي يرجع غالبا الى تنشيط اعمال الشرطة وغيرها من الاجهزة الامنية الى جانب ازدياد مستوى اليقظة للمواطنين العاديين ودليلا على ذلك يمكنني ان اضرب مثالا شخصيا: اذا كان دخول المنزل الذي اسكن فيه في موسكو حرا قبل الانفجارات فالآن باب المنزل مغلق ويجلس عند بابه بوّاب لا يسمح بدخول افرادا لا يعرفهم بالدخول الا باذن الشخص المستضيف الساكن في هذا المنزل وعلاوة على ذلك كانت زوجتي سابقا ترافق ابنتي الصغيرة في طريقها الى مدرستها (وابنتي 11 سنة عمرها) خوفا من المفاجآت واعمال الافراد المشتبه بهم اما الان فتذهب ابنتي كل صباح الى المدرسة دون اية مرافقة وذلك لان شرطي موجود في اي مكان واذا تجاوزنا التجارب الشخصية وعدنا الى التحليل العام لرد الفعل للانفجارات فيمكن الاستنتاج بانها ادخلت بعض التغييرات التي طرأت على الحياة السياسية في روسيا التي دخلت الان المرحلة الحاسمة في طريقها نحو الانتخابات البرلمانية المتوقع اجراؤها في ديسمبر المقبل. للاسف اصبحت احداث داغستان وبالتالي الانفجارات الاخيرة حجة تستعملها القوى السياسية المختلفة لمصلحتها في التنافس فيما بينها كما اصبحت عاملا من عوامل الحملة الانتخابية, فعلى سبيل المثال على الرغم من اجماع معظم هذه القوى على استنكار الارهاب والتأييد العام لما تقوم به الحكومة لمكافحته فان بعض الاحزاب السياسية تركز على الاخطاء التي ارتكبتها السلطة قبل المواجهة العسكرية في داغستان وعجز الحكومة عن استئصال اسباب هذه المواجهة كما تستفيد بعض القوى السياسية المعارضة مثل الحزب الشيوعي والمنظمات اليسارية المتطرفة القومية تستفيد من هذه الاحداث لكسب ارباح سياسية في نقدها لرئيس روسيا وتتهمه بعجزه السيطرة على سير الامور في البلاد وضمان الامن والسلام الداخلي. والى جانب ما تقدم صارت الاحداث في داغستان والانفجارات حجة اخرى لاتهام القوى السياسية بعضها من قبل البعض باسهامها في دعم الشيشان وبالتالي الارهاب المنطلق من هذه المنطقة فنشرت بعض الصحف المشهورة المقالات حول علاقات بوريس بيريزوفسكي مع المتطرفين في الشيشان ودعمه لهم دعما ماليا فمن النظرة الاولى تعتبر هذه القضية امرا شخصيا يهم بيريزوفسكي وحده ولكن اذا اخذنا بعين الاعتبار علاقته المباشرة مع بعض اعضاء اسرة الرئيس, فقد تكون مثل هذه المعطيات عاملا قد يثير ضجّة في الحياة السياسية الروسية ويؤثر تأثيرا مباشرا عليها خاصة اذا اعتبرنا دعم بيريزوفسكي لبعض المنظمات السياسية المشاركة في الانتخابات السياسية. ويرتدي كل ما يتعلق بالشيشان اهمية بالغة الان وبصورة خاصة بعد بداية الضربات الجوية المكثفة للقوات المسلحة الروسية على عاصمة الشيشان في الاسبوع الماضي الامر الذي اضحى عنصرا جديدا وبعدا هاما من ابعاد الحياة السياسية الحالية في روسيا وهناك الاراء المتباينة حول تقييم النتائج المتوقعة لهذه العمليات العسكرية الجوية في الشيشان فعلى سبيل المثال يكرّر البعض مثل الحزب الشيوعي ان هذه العمليات يمكن استعمال الرئيس لها كحجة لاعلان حالة الطوارئ والغاء الانتخابات ولكن الحكومة وغيرها من المؤسسات الرسمية بما فيها البرلمان صرحت اكثر من مرة بانه ليس هناك داعٍ للوصول الى هذه الحالة ويجب القول بان ثقة المجتمع بما تقوله الحكومة ازدادت خلال الاسابيع الاخيرة مما يعتبر من الاثار السياسية الهامة للانفجارات ورد فعل الحكومة لها. ومن البديهي الان ان سمعة الحكومة في وجه المجتمع والرأي العام الروسي تتعزز, الامر الذي تدل عليه نسبة ثقة المواطنين برئيس الحكومة شخصيا فحسب الاحصاءات الاخيرة ارتفعت نسبة الذين يؤيّدون ترشيح فلاديمير بوتين لرئاسة روسيا ـ اذا تمت انتخابات الرئاسة الان ـ ارتفعت هذه النسبة من 2 الى 7 بالمائة خلال اقل من اسبوع واحد وذلك بعد بداية المكافحة الصارمة للارهاب والقصف الجوي للشيشان. كيف يمكن تقييم دعم المجتمع لـ (اليد القومية)؟ هل يعني ذلك ان معظم الفئات الاجتماعية تشارك الحكومة خطواتها؟ هل هذا امر مرحلي ام بعيد الامد؟ هل معنى هذا التأييد ان كل ما تحتاج اليه روسيا هو الاصرار والجهود الواضحة والمثمرة لحفظ النظام والاستقرار؟ لاتزال الاجابة على هذه الاستفسارات غير واضحة ولكن ما يبدو ان تطورات الاسابيع الاخيرة من بداية الانفجارات ومرورا باتخاذ الحكومة الاجراءات الصارمة لمكافحة الارهاب ووصولا الى ضرب قواعد الجماعات المسلحة في الشيشان تكون هذه التطورات بمثابة حلقات السلسلة الواحدة ونجحت الحكومة في اختيار حلقة المفتاح وكسب دعم المجتمع الروسي مما يزيد فرص القوى المعتدلة والموالية للسلطة وللرئيس بشكل عام (على الرغم من نقد بعض تصرفات الرئيس او الحكومة) في الانتخابات تدريجيا الى صالح الحكومة والمنظمات المتضامنة معها واذا صح هذا الاستنتاج فليس لصالح هذه القوى اعلان حالة الطوارئ, وارى ان كل ما تقدم الى جانب محاولة اهابة الاستقرار والامن في روسيا في الوقت نفسه يؤدي الى تبلور المزيد من الوفاق والتضامن في المجتمع الروسي الامر الذي قد يكون نقطة انطلاق مناسبة لتكثيف الجهود لمواجهة الاخطار الاساسية التي تهدد البلاد وهي استشراء الفساد والازمة الاقتصادية والسياسية المستمرة. ان الشعب الروسي معروف ومشهور بصبره وتفاؤله وتاكيدا لذلك يتساءل هذا الشعب الان: اذا نجحت الحكومة ولو جزئيا في مكافحة الارهاب وحفظ الاستقرار والنظام فهل يعنى ذلك انها قادرة على معالجة القضايا الاخرى؟ وكل مواطن يأمل ان يكون الجواب ايجابيا وذلك لانه قد تعب من طرح التساؤلات وغياب الاجابات عليها. * محلل سياسي بمعهد الدولة والقانون ـ موسكو