من الملف السياسي: (اثارة) في نيويورك ومعركة بمفعول رجعي في الكويت، بقلم شوقي رافع

متحف نيويورك يستفز المتدينين بلوحة عن السيدة العذراء والمرشح بوكانان يقوض الوطنية الامريكية ويستعيد هتلر،(حرية التعبير)هي العنوان لثلاث مواجهات تبدأ من نيويورك وواشنطن, مرورا بالعاصمة البريطانية لندن و.. وصولا الى الكويت في الخليج العربي, وهي مواجهات تشارك فيها منظمات المجتمع المدني, وتتوزع اسلحتها ما بين الارض والسماء . اثارة في نيويورك اثارة هو عنوان معرض للرسامين الشباب البيرطانيين وقد تم افتتاحه في متحف بروكلين للفنون يوم الاربعاء الماضي, المعرض يضم لوحات (مقززة) كما يقول عمدة مدينة نيويورك رودلف جولياني, ومن بينها لوحة تظهر فيها السيدة مريم العذراء بشكل مهين جدا (!) عمدة نيويورك يهدد بأنه اذا لم يعمل المتحف على سحب تلك اللوحة بالذات, فان بلدية نيويورك سوف تقطع مساعداتها نهائيا عن المتحف, وهي تصل الى سبعة ملايين دولار سنويا, وتشكل ثلث ميزانية المتحف السنوية التي تبلغ (21) مليون دولار, كما ان البلدية تخصص للمتحف مساعدة اخرى لتنمية رأس ماله تصل الى 20 مليون دولار. ويقول العمدة جولياني (انت تفقد حقك في الدعم الحكومي عندما تبدأ باهانة معتقدات وديانة الاخرين.. ومن هنا فاننا سوف نقطع المساعدات نهائيا عن المتحف الى ان يعود مديره الى وعيه ويعرف انه ليس من حقه تحقير اكثر وجهات النظر الشخصية تدينا وعمقا لافراد في المجتمع.. ان هذا المعرض هو قمة الاستفزاز لمشاعر المتدينين في المدينة) . سلمان رشدي.. مسيحي مدير المتحف ارنولد ليهمان قال من ناحيته (انه يأمل في ان يجتمع مع العمدة جولياني لاقناعه بعدم قطع المساعدات.. اذ ان دعم حق الرسام والفنان في التعبير وبحرية عن رأيه هي ابرز اهداف قيام المتحف) واضاف: (ان جولياني يصف المعرض بأنه (مستفز) وهي العبارة نفسها التي استخدمها كثيرون في بريطانيا عندما عرضت اللوحات قبل سنتين في الاكاديمية الملكية للفنون.. ان هدف الفنان هو كسر القوالب الجاهزة للمشاعر والتفكير والتحريض على توسيع آفاق الفكر واثارة مشاعر مختلفة ومتناقضة) . والمواجهة انتقلت من العمدة والمتحف الى الكنيسة ومؤسسات المجتمع المدني, ووصف فيها عدد من النقاد الرسامين الشباب بأنهم النسخة المسيحية من سلمان رشدي, وكتب احدهم: اذا كان الغرب قد وقف حاميا لسلمان رشدي فانه يكشف عن نفاق عظيم عندما يصبح المسيحيون وليس المسلمين هم من يصرخ: ان هذا قمة الاستفزاز. ودخل الاعلام البريطاني بدوره ساحة المواجهة, مؤيدا غالبا لأن الفنانين الشباب هم من البريطانيين, وعندما يتم التمييز ضدهم بأن الولايات المتحدة تفقد الكثير من صدقيتها عندما تؤكد ان حرية التعبير مقدسة, وتسبق جميع الحريات الاخرى. السناتور الجمهوري المحافظ عن ولاية نورث كارولينا جيسي هيلمز استأنف بدوره حربه التاريخية ضد كل انواع الدعم التي تقدمها المؤسسات الرسمية لرعاية الفنون ودعمها, قال (ليست حرية التعبير هي الموضوع, يمكن لهم ان يرسموا او يكتبوا او يمثلوا مايريدون, وانا لن امنعهم, ولكنني في الوقت نفسه لن ادعمهم.. وهذا اهم حقوق دافع الضرائب الامريكي) . .. ومع كلمات السناتور انتقلت المواجهة من علوم الغيب الى ساحة الجيب, وهي اشد حساسية لدى دافع الضرائب الامريكي. هتلر يظهر من جديد المواجهة الثانية ليست حول الدين بل حول الوطن ذاته والمبادئ التي تقوم عليها الولايات المتحدة نفسها, وبطل المواجهة هو المرشح لرئاسة الجمهورية بات بوكانان, احد اقطاب المحافظين في الحزب الجمهوري, وقد انتقل الى (حزب الاصلاح) كي يتبنى ترشيحه, بعد ان تضاءلت آماله في ان يفوز بترشيح الجمهوريين له. بوكانان, وهو اعلامي ومفكر بارز, وضع كتابا عن الولايات المتحدة, تحت عنوان جمهورية.. لا امبراطورية نسف فيه الحقائق التاريخية التي وضعها مؤرخو الغرب عن الحرب العالمية الثانية, وقال فيه ان الحرب الثانية ما كانت لتقع لو لم تهدد بريطانيا وفرنسا الزعيم النازي هتلر بأنهما سوف تعلنان الحرب ضده متى دخل بولندا, وقال بوكانان, استنادا الى آلاف الوثائق ان هتلر لم يكن طامعا بالتوسع غربا بل شرقا.. وكان سوف يترك الولايات المتحدة وشأنها لولا الوعد البريطاني ـ الفرنسي باعلان الحرب, وبالتالي فان عشرات الالاف من ضحايا الحرب سقطوا عبثا, ويوضح بوكانان في حوار مع (سي.ان.ان) : ان الديمقراطيات الغربية ودول غرب اوروبا كان يمكن ان تبقى سالمة لو لم تعلن فرنسا وبريطانيا الحرب, ويضيف: ان الوعد بالحرب من اجل بولندا لم ينقذ بولندا, ولم يوفر حياة احد فيها, لقد قتل ستة ملايين من اهلها, فكيف يمكن ان يكون وضعها اسوأ لو لم تقع الحرب.. ان هتلر, في نهاية المطاف, لم يكن يشكل تهديدا واقعيا للولايات المتحدة) . .. يالثارات بيرل هاربور وزلزلت قلاع الحزب الجمهوري بعد صدور الكتاب مؤخرا, وكان رأس الحربة في التصدي لبوكانان هو السناتور الجمهوري عن ولاية اريزونا جون ماكين, فالسناتور كان اسير حرب, وتربطه علاقات وثيقة مع مؤسسات المحاربين القدماء, قال السناتور (ان الهزيمة التي الحقناها بالمانيا الهتلرية والامبراطورية اليابانية هي قضية نبيلة, ولا ارغب ان ارى اي جمهوري أو حتى اي امريكي, ان ينظر اليها بشكل مختلف او مغاير..) واوضح السناتور في حوار تلفزيوني: (ان وجهة نظر بوكانان حول الحرب العالمية الثانية هي وحتى الآن خارج الفلسفة التي تقوم عليها امريكا كلها.. ان هذا غير مقبول وعلينا الا ننسى بيرل هاربور) . وقد اشعلت الاشارة الى اليابانيين والى الهجوم الياباني على بيرل هاربور الامريكية نيران الغضب لدى بوكانان الذي وصف ما قاله السناتور ماكين بأنه (كذبة مفضوحة ووقحة) واضاف (عندما يرى السناتور ان الجزارين الذين قصفوا وقتلوا ابناءنا وهم قيام في بيرل هاربور ما كان يجب ان يهزموا فانه يقوم بكذبة مفضوحة..) . ومع توالي ردود الفعل وتصاعد معركة الرئاسة الامريكية يتبارى المحافظون في الحديث عن (المبادىء المقدسة) التي قامت عليها امريكا ويفتحون مخازن الاسلحة في بيرل هاربور على مصراعيها. ... وفي الكويت ووصولا الى الكويت, فقد تداعت منذ اسابيع مجموعة من الفعاليات السياسية والاجتماعية والنقابية الى تأسيس لجنة للدفاع عن حرية التعبير في الكويت, وجاء في البيان التأسيسي: ان السنوات الاخيرة شهدت ظاهرة غريبة على المجتمع الكويتي الذي جبل على احترام الرأي الآخر والتسامح, هذه الظاهرة هي التساهل في اصدار احكام متشددة في قضايا الرأي ذات الطبيعة الخلافية من دون الاخذ بالاعتبار لمبادىء دستورية كفلت حرية التعبير.. ما يمثل انقلابا جذريا على الدستور الكويتي.. واشارت اللجنة في بيانها الى انها تسعى الى اشاعة الوعي الدستوري ومناشدة جهازي النيابة والقضاء بعدم التوسع في احالة وادانة قضايا الرأي والالتزام بروحية الدستور والمبادىء القانونية الثابتة. وبينما رحب (المنبر الديمقراطي) ويمثله نائبان في مجلس الامة بالدعوة واعرب عن استعداده للمشاركة في اية جهود من شأنها الدفاع عن الحريات العامة, ومن بينها حرية التعبير, فان امين عام الحركة السلفية حامد العلي, اعلن في بيان: (ان هذا الشعار صار في ساحتنا السياسية والثقافية مطية لمن يريد التعدي على ثوابت الامة.. ونخشى ان تتحول اللجنة الى لجنة للحرية السلبية والهدم والفوضى) . ولعله من المفيد الاشارة الى ان اثنين من الموقعين على بيان التأسيس للجنة الدفاع عن حرية التعبير هما: الدكتور في جامعة الكويت احمد البغدادي والاديبة ليلى العثمان يواجهان امام القضاء عدة تهم بسبب ما اوردا من الآراء في عدد من مؤلفاتهما, وبعض هذه المؤلفات طبع ونشر في الكويت منذ سنوات.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات