تتقاطع السياسة الروسية الآن مع مجموعة من الأبجديات التي ترسم مستقبل الاتحاد الروسي وترسم مستقبل موسكو نفسها التي باتت تعيش حالة من الفوضى السياسية والادارية وحتى العسكرية والأمنية, ولعل ما يحصل الان من تفجيرات دموية في موسكو ليس الا بداية الطريق الوعرة التي اختارها الرئيس الروسي بوريس يلتسين بعد مجموعة من المفارقات ارتكبها بحقه وبحق الشعب الروسي, وحتى بحق نظرية جورباتشوف (البيروسترويكا) التي تسلمها عنوة عام 1991 منصبا نفسه رئيسا للاتحاد الروسي حيث رأى من خلالها انقاذا لطفولته المعذبة في مرحلة الشيوعية السوفييتية, وضربة العمر التي لا يمكن ان تفوته, لذلك حاول يلتسين ان يلخص معادلة السلطة بتجربة بيروسترويكية لم يستطع ان يفهم مضامينها وهو الذي لم يستطع ان يمارس الحزبية الشيوعية قبل ذلك. لعبة السلطة واذا كانت السياسة السوفييتية السابقة تعيش على حوامل تصارعية معظمها خارجي فان سياسة روسيا الحالية طوقت بلهيب ناري داخليا واقليميا ولهيب خارجي لم تستطع من خلاله حتى الان ان تخمد اية حبة من حبات العقد الملتهب حول خاصرة الرئاسة المريضة, بل لعلها بدأت في الآونة الأخيرة تزيده اشتعالا, فكانت اول ازماتها واخطرها قبل الخطر القوقازي يتمثل في لعبة السلطة وعدم مصداقية خيارات رئيسها. ويمكن ان تنقسم هذه اللعبة الى قسمين الاول طبيعة العلاقات التي تحكم الحكومة الروسية والثانية التهيئة المستقبلية لهذه العلاقات والواقع ان الملفين اخطر من بعضهما نتيجة للتجاوزات الكثيرة التي حملها يلتسين وحكوماته المتعاقبة مما جعل روسيا تعيش حالة اضطراب وفساد في جهازها الاداري ادى الى اضطربات امنية تمثلت مؤخراً بالتفجيرات الدموية التي لم تشهدها روسيا عبر تاريخها وكذلك تدهور اقتصادي لم يكن في حساب البيروسترويكا حيث بلغ الدين الروسي العام حوالي 150 مليار دولار والديون الداخلية للموظفين الروس تجاوزت 10 مليارات دولار ناهيك عن الحالة الاقتصادية المتردية ودخول المافيا وعمليات تبيض الاموال والرشوة والفساد الاداري في صلب الحكومة الروسية والمجتمع الروسي وهذا بالطبع نتيجة مباشرة لعدم سيطرة القانون وغياب السلطات الداخلية وتفشي الفساد العام, وبالاساس نتيجة حب السلطة والتعلق بها لخدمة المصالح الشخصية والتي كان من نتيجتها عدم الاستقرار السياسي في اجهزة الحكومة. ولعل النظر لمسلسل الاقالات الذي اتبعه يلتسين يوضح حقيقة الموقف فمنذ تسلمه السلطة عام 1991 فصل مجموعة كبيرة من الضباط العسكريين المشكوك في ولائهم له او الذين لم يتخلوا عن فكرة الشيوعية والاتحاد السوفييتي او من الاقوياء عسكريا وبذلك ضمن العسكر الى صفه, ولزيادة هذا الضمان فان يلتسين وحكومته قد وضعا الجيش في ازمات مالية حقيقية تجعلهم هامشا سياسيا غير فاعل واذا فكر احدهم بفاعلية فإنه لا يستطيع نتيجة لوضعه الاقتصادي المتدهور, ثم قام يلتسين ومنذ تسلمه السلطة بتغيير ست وزارات, وخلال عام واحد قام بأربعة تغييرات كان المشهد المؤلم فيها عندما اقال رئيس الوزراء السابق سيرجي ستيباشين بعد مائة يوم من تعيينه فقط ليحل محله رجل المخابرات فلاديمير بوتين ويسلمه اخطر الملفات الروسية وهو ملف القوقاز ولاحقا ملف التفجيرات والشيشان. الرئيس القادم اولا تشكل الخارطة الرئاسية الروسية القادمة عقدة ذات بعدين الأول بعد شعبي والثاني بعد مصالح سلطوية اضافة الى تعقد خطوط الطول والعرض فيها وتعقد موضوع الانتخابات التشريعية في ديسمبر 1999 والرئاسية في يونيو 2000 ويمكن ان تكون المصلحة في الانتخابات هي مصلحة اشخاص لا مصلحة شعب والقتال الدائر الان بين المرشحين يوضح ابعاد هذه المصالح, فبالرغم من ان الرئيس الروسي قد غير رئيس الوزراء مؤخراً ليضع فلاديمير بوتين الا ان هذا التغيير لم يكن في مصلحة الشعب الروسي بقدر ما كان لمصلحة الرئيس, فبوتين سيكون مرشح يلتسين للرئاسة بلاشك وهو رجل قوي بالمعنى العسكري اي انه يضمن المستقبل اليلتسيني ويضمن عدم فتح ملفات المحاسبة والفساد بعد زوال سلطة يلتسين اضافة الى انه يعتمد عليه في الامور الكبيرة التي يشك في انها من صنع الحكومة ذاتها. ولعل الحرب الداغستانية توضح هذه المسألة وخاصة اذا علمنا ان داغستان وحكومتها في محج قلعة قد حذرت موسكو قبل اندلاع الحرب من المجموعات الانفصالية ولكن الاخيرة لم تحرك ساكنا وكأنها تريد ذلك لمجموعة من الاسباب: اولا: امكانية تأجيل الانتخابات البرلمانية والرئاسية بسبب اعلان حالة الطوارئ التي لاتزال واردة رغم زعم الحكومة الروسية بغير ذلك.. ولعل الجنرال الكسندر ليبيد حاكم اقليم كزستويارسك قد وعى ذلك بقوله: (احتمال اجراء الانتخابات التشريعية المقررة في ديسمبر المقبل يتضاءل يوما بعد يوم) . ويمكن ان تكون الحرب الداغستانية ورقة دخول لقروض روسية جديدة من الدول الغربية رغم ان تلك الدول وعلى رأسها الولايات المتحدة ترى مستقبلا نفطيا زاهراً في القوقاز وبذلك فليس من المستبعد ان تكون المناوشات الداغستانية قد اشعلت من قبل موسكو ذاتها رغم ان هذه الحروب تؤرق الدوما الروسي وخاصة انها لا تفتقر على داغستان وحدها بل حصلت في الشيشان وتتوتر باستمرار في اوسيتنا الشمالية وانجوشيا وكاراتشا ييفومالشركس اضافة الى احتمال التوتر في اذربيجان مستقبلاً. وامام هذا المشهد يخشى بيت يلتسين العائلي على مستقبله خاصة اذا علمنا وجود الاقوياء المرشحين للرئاسة وآخرهم الكسندر ليبيد الذي اعلن ترشيح نفسه بمنطقة كزستوريارسك التي يحكمها والذي انهى الحرب الشيشانية الروسية باتفاق اغسطس 1996, ورغم ان خطوط ليبيد تضاءلت مؤخرا الا انه من الممكن ان يستفيد ايضا من حرب القوقاز كونه استطاع ان ينهي مسألة الشيشان وان كان على حساب روسيا, وكلنا يتذكر انتخابات الرئاسة التي خاضها عام 1996 واستطاع ان يكون ثالثا ثم ايد يلتسين في جولة الاعادة فهو يستطيع الان وفي هذه الظروف ان يدخل لعبة الانتخابات بشكل اقوى اذا ما استطاع ان يثبت قوته من جديد في محاربة الفساد والتدخل في ازمة داغستان متابعته لملاحقة المافيا التي ترهب الشعب الروسي المحاصر داخليا وخارجياً. اما بالنسبة لزعيم الحزب الشيوعي جينادي زيجانوف وبالرغم من ضعف حظه في الانتخابات المقبلة فان المرحلة الحالية قد تزيد من فرص نجاحه او لنقل قد ترفع رصيده وخاصة بعد التفجيرات الاخيرة التي لم تشهدها روسيا من قبل وهنا يمكن ان يتزايد الحلم الى العودة نحو الشيوعية ضمن القطاعات المختلفة للروس فالشعب في روسيا بات يرغب برئيس مختلف عن المرحلة الحالية بل لعله بات يحلم بالتخلي عن حريته مقابل عيشه بامان اقتصادي وامن على الروح والنفس ومن هنا فهو لا يمانع بعودة الشيوعية او حتى بعودة (ستالين) جديد يحقق الامن والاستقرار. اما رئيس الوزراء السابق يفجيني بريماكوف فقد استطاع ان ينضم الى تحالف عموم روسيا اضافة الى اتصالاته بشخصيات معروفة ولا يستبعد ان يلتسين قد اقاله تخوفا من قوة شوكته التي لاحظها مؤخرا, ويبقى بريماكوف من الشخصيات غير المعلنة حتى الان رغم ان المحللين يرون ان من مصلحة يلتسين المصالحة مع القوى الديمقراطية وعلى رأسها بريماكوف المتحالف ايضا مع المرشح الموسكوفي يوري لوجكوف عمدة موسكو, ولا ننسى الاصلاحي جريجوري بافلنسكي ويمكن ايضا ان ينضم لهذه الخارطة رجل الاعمال بوريس بيريزوفسكي او يقف بشكل مباشر مع تياره السياسي المعروف ويحقق ثقلا قويا بهذه الانتخابات. موسكو الى أين السؤال الذي يطرح الان من خلال اللعبة الانتخابية في موسكو هو كيف يمكن ان تنقذ موسكو نفسها من الداخل والخارج ومازالت الانتخابات الرئاسية بعيدة نسبيا بالنظر للاوضاع التي تعيشها من غسيل اموال تعتبر الاكبر من نوعها في التاريخ والتي تجاوزت 15 مليار دولار, وامتد التحقيق من اجلها الى واشنطن وبون وصندوق النقد الدولي والبنوك السويسرية ولم تكتف روسيا بهذه الفضائح التي تدخل في صلب اقتصادها المنهار والذي يحارب ايضا اقليميا وخارجيا, فحروب القوقاز سواء كانت الحكومة الروسية تعلم بها قبل حصولها او لا تعلم فانها بلاشك تؤثر كثيرا على مستقبل موسكو ومصيرها الضائع حاليا من الداخل والمشتت خارجيا دون القدرة على الوقوف بوجه التحديات المحيطة فهي قد وقفت عاجزة في ازمة كوسوفو وكذلك في البانيا والجبال القوقازية وكذلك عاجزة امام المافيا التي تعد القوة الاكبر في روسيا والتي بلغت معاملاتها التجارية عالميا حوالي الف مليار دولار اي ان حجم هذه المعاملات يتجاوز تجارة النفط في العالم. فهل يمكن لانهيار روسي ان يقف بوجه كل تلك التحديدات من المافيا الى محاولات السيطرة على المخزون النفطي الهائل في القوقاز والذي يعتبر المخزون المستقبلي للعالم, فهذه الثروة التي لم تستطع روسيا الحفاظ عليها حتى الان والتي لا يمكن لها ان تبقى دون مسيطر, تتوضح معالمها الان من خلال الشركات النفطية الامريكية التي خصصت حوالي ثلاثين مليار دولار للاستثمارات النفطية في القوقاز في سعي لأن تمد الانابيب النفطية عبر اذربيجان وجورجيا الى ميناء جيهان في تركيا (الحليف الامريكي) في المنطقة ولعل ايران باتت تفكر بشكل جدلي باستثمار هذا النفط ايضا امام ضعف الحالة الاقتصادية الروسية التي لم تستطع حتى الان تنفيذ خط النفط الذي يربط بحر قزوين بالساحل الروسي على البحر الاسود ليدر نفطه وغازه في الخزينة الروسية الفارغة. هذه التحديات بمجملها يلحقها تحد مهم وهو الضغط الغربي على روسيا كي تضعف شوكتها التي مازالت رغم كل شيء تهدد استقرار اوروبا وحتى القوة العظمى في العالم (الولايات المتحدة) نتيجة لامتلاك روسيا ترسانة نووية وحربية قادرة على خراب العالم, فلذلك غالبا ما نرى السياسة الامريكية وهي تحاول ان تجعل من روسيا راكبا مسالما من ركاب عولمتها ذات البعد الاحادي القطب, فلا تكون القروض الا بشروط تعجيزية ليس من المستبعد ان تطال وبشكل كبير الترسانة النووية الروسية, بعد ان تدخلت في حياة المواطن الروسي ومأكله ومشربه وعلاقاته الاجتماعية, ومن ذلك يمكن ان تكون روسيا التابع الحقيقي للولايات المتحدة ضد اوروبا ذاتها وهو ما يمكن ان يحصل اذا ما استمرت الحكومة الروسية في سكرات الفودكا التراثية والتي يمكن لها ان تنقل مصنعه الى الولايات المتحدة لتكتب عليها (صنع في امريكا) ؟!. * كاتب وصحفي فلسطيني يقيم بدمشق