تمر روسيا بمرحلة صعبة دقيقة حساسة, مفرداتها استشراء الفساد والمافيا, تفاقم الازمات السياسية والاقتصادية والمالية, انعدام الأمن واشتعال الحروب القومية والعرقية والدينية في جمهوريات القوقاز واسيا الوسطى, فضلا عن احتدام معركة الانتخابات التشريعية والرئاسية في موسكو على وقع سيناريوهات غامضة غير معلنة . المناخ العام في روسيا حاليا اقرب الى ماكانت عليه روسيا في الربع الاول من هذا القرن. الفوضى في السياسة والاقتصاد والامن والاخلاق والادارة .. في كل شيء, وفي ظل هذه الاوضاع السلبية القاتمة يتساءل المراقبون والمعنيون في الداخل والخارج عن الآفاق المستقبلية لروسيا, هل ستخرج من ازماتها المستفحلة؟ ام انها ستضعف يوما بعد آخر حتى تنهار وتتفكك؟ الجواب لايمكن ان يكون بـ (نعم) كما لايمكن ان يكون بـ (لا) . بداية ينبغي القول ان الحدث الاكبر في القرن العشرين هو ان الاتحاد السوفييتي السابق بدأ من لاشيء الا ثورة لينين, واصبح دولة عظمى مهابة فاعلة في الساحة الدولية قبل ان تنتهي الى ما آلت اليه الآن من اوضاع صعبة تنبىء بدخولها القرن المقبل بما كانت عليه في مطلع هذا القرن. روسيا منذ انهيار الاتحاد السوفييتي واعتماد سياسة البرويسترويكا في عهد جورباتشوف بدأت تفقد تدريجيا دورها ومكانتها ونفوذها في السياسة الدولية, وفي الداخل تفقد عناصر قوتها وعوامل نهضتها وتعاني من ازمات اقتصادية وسياسية ومالية واجتماعية, وكذلك صراعات سياسية وايديولوجية حادة ومتداخلة, ومع افول عناصر القوة الروسية في الخارج والداخل وانهيار الامية السوفييتية وديكتاتورية البروليتارية التي فرضت على الشعوب رغم اختلافها في الدين والقومية واللغة والمصالح, بدأت الاقاليم والجمهوريات الاسلامية في آسيا الوسطى والقوقاز والقفقاس وكذلك جمهوريات اوروبا الشرقية تفكر بالاستقلال عن روسيا واتباع سياسة مستقلة منسجمة مع هويتها القومية والحضارية ومصالحها الاقتصادية بعيدا عن سياسة النخب الفاسدة الحاكمة في موسكو والتي لاتربطها بهذه الجمهوريات سوى انها ترى فيها حقول من النفط والغاز والماس يمكن ان تكون صفقات رابحة تتحول الى حسابتها في الخارج حتى لو كان ذلك عبر الدم وبالدم. التآكل والانهيار ابعد من هذا , هل مايجري حاليا في روسيا هو بفعل عوامل الداخل فقط ام ان هناك عوامل خارجية لاتقل اهمية في مسيرة انهيار روسيا؟ طبعا المقصود بالعوامل الخارجية الغرب الذي خاض تجربة الحرب الباردة مع الاتحاد السوفييتي السابق وادرك انه لايمكن تصفية هذا الاتحاد من خلال القوة العسكرية, لذا توجه الى مد الجسور مع الداخل الروسي, لابهدف التعاون معه بل لدفعه الى التآكل والانهيار والتفكك, وعليه جاء الرئيس الامريكي جونسون بنظرية بناء الجسور مع روسيا على ان تعبرها بشكل دائم كميات كبيرة من البضائع والافكار والسواح والسلوكيات. ثم نظرية المجتمع الصناعي الموحد ونظرية البيان اللاشيوعي التي صاغها روستو, ونظرية آخرى بلورها توينبي وبريجنسكي وكيسنجر وغيرهم, هذه النظريات مجتمعة اضحت نواقل أكثر دقة لنقل مضمون سياسي, الهدف منها ايصال روسيا الى ماهي عليها الان من جوع وفوضى وانعدام الأمن. ففي بحث اجرى في معهد هدسون الأمريكي باشراف العالم الأمريكي المعروف هيرمان كان حول الثورة السيرنتيكية, يعبر (كان) عن مستقبل التقدم العالمي وآفاقه فيعلن: (انه سيظهر الى الوجود سنة 2000 الاتحاد السوفييتي البرجوازي الذي سيتعرض الى ازمة عنيفة تتصل في البحث عن جواب لقضية معاني المياه) ويفترض كان (ان السوفييت سيحيون حياة بلا تفكير, حياة اناس لبيت حاجاتهم بشكل جيد, اناس غريبين عن الاهداف والمثل الرفيعة) وعلى غرار (كان) يقول توينبي انه: (بنهاية النصف الثاني من القرن العشرين لن تحمل كلمة سوفييتي أو اشتراكي أي معنى خاص لان نظامي الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة سيصبحان في الواقع متماثلين ومتشابهين) , بين ما قاله كان وتوينبي وغيرهم وواقع روسيا الان ما يقارب اربعين عاماً فما الذي كان يراهن عليه هؤلاء؟ انه السياسة الغربية التي سكتت طويلاً عن سياسات روسيا في الداخل من كبح حريات وترويج الفساد والتواطؤ مع الجريمة المنظمة بغية استنزاف روسيا في الداخل ودفعها نحو الهاوية تمهيداً لتفكيكها دون مجابهة عسكرية, فقد انتهى الاتحاد السوفييتي السابق نهاية مفجعة دون حروب خارجية, واصبح مفهوم حتمية الاشتراكية شبه خرافة أو اسطورة, واضحى الرئيس يلتسين الذي قبل الغرب بحكمه وايد كل خطواته حتى في قصف مبنى البرلمان المنتخب يصارع طواحين الهواء أملاً في دوام حكمه حتى لو كان الثمن روسيا. منذ انهيار الاتحاد السوفييتي ركز الغرب على ضرب الاقتصاد الروسي وربطه بمساعدات وقروض صندوق النقد الدولي والشركات المتعددة الجنسيات, كما بذل جهود كبيرة لاحياء وتقوية المافيا المرتبطة بتلك الشركات والتي قامت بضرب المؤسسات الانتاجية وتحويل روسيا من بلد منتج الى بلد مستهلك, وسيطرت المافيا والرأسمالية الروسية على الحياة الاقتصادية والسياسية في روسيا, وقد ترافق كل ذلك مع تقديم المساعدات لتقليص الترسانة العسكرية الروسية والعمل على تعميق النزاعات العرقية والقومية والدينية بين الاقاليم الروسية. السلطات الروسية من جهتها تسترت على هذا الواقع أملاً في الدخول الى البيت الاوروبي الذي لايسع مساحته للارثوذكسية الروسية, هذا البعد الخارجي في السياسة الروسية كرسه الرئىس يلتسين في الداخل بدستور جديد حرم البرلمان من صلاحياته وحق التدخل في بنية الحكومة وبرنامجها وألحق كل ذلك بصلاحية الرئىس الذي يحق له ترشيح رئىسا للحكومة وحل البرلمان واعلان حال الطوارىء في البلاد, اي صلاحيات شبه مطلعه اشبه بديكتاتور, في حين الرئيس مخمور مريض معظم اوقاته في المشفى وعائلته متورطه في اعمال فساد في الداخل والخارج. المافيا القوة الفاعلة ففي ظل حكم الرئىس يلتسين اضحت المافيا اهم قوة فاعلة في روسيا وعصابات المافيا التي لها حاليا داخل روسيا اكثر من 150 الف مسلح لاتعمل في التجارة والتهريب فحسب, بل تسيطر على اوجه الحياة في البلاد, ومن ابرز هذه المافيات تلك التي ترتبط باليهود في روسيا, فعلى سبيل المثال الكسندر بيروزوفسكي الذي يحمل جواز سفر اسرائىلي وهو من كبار اغنياء العالم, استطاع خلال فترة وجيزة ان يحكم سيطرته على وسائل الاعلام الروسية واشترى عددا من الصحف ابرزها: صحيفتي ازفيستيا ونيزافيسيمايا غازيا, كما اشترى ايضا خمسين بالمئة من محطات التلفزة المركزية بالاضافة الى قناة فضائية تبث برامجها الى اسرائىل والى جانب ليبروزوفسكي هناك اناتولي تشوبايص الذي رأس لجنة الخصخصة حيث تم تحت اشرافه عملية بيع القطاع العام وهناك العديد من امثال بيروزوفسكي وتشوبايص, وبفضل هؤلاء تم وضع اليد غير الروسية على وسائل الانتاج الروسي, وتقول معطيات المعارضة الروسية ان اسرائىل وبفضل المافيا اليهودية تبيع سنويا ماقيمته ثماني مليارات دولار من الماس الروسي دون ان يدخل في خزانة روسيا دولار واحد, وان اليهود في روسيا يسيطرون على 550 موقعا اساسيا من اصل 575 موقع وان عشرين موقعا من المواقع الباقية يرأسها متزوجين من يهوديات. لقد عملت هذه المفايات على نهب الاقتصاد الروسي بشكل منظم, ووقعت روسيا في افلاس مالي, حكومتها غير قادرة على دفع رواتب الجنود الذين يعيشون في فقر مدقع, فضلا عن جيوش من العاطلين عن العمل لايعرفون من اين يأتوا بلقمة العيش, في حين تتحدث الصحافة عن فضائح بالجملة في قمة الهرم الرئاسي بدءا من فضيحة تورط الرئيس واقربائه في قضية الفساد المتعلقة بشركة (مابتيكس) السويسرية وانتهاء بفضيحة اموال المافيا الروسية في مصرف نيويورك والتي بلغت عشرة مليارات دولار. اضافة الى كل ذلك , قفزت المسألة الامنية في عموم روسيا الى سلم اهتمامات الجميع, خاصة بعد سلسلة الانفجارات المدوية التي هزّت موسكو وأودت بحياة نحو ثلاثمائة شخص, واكتشاف مئات الاطنان من المتفجرات في اماكن متفرقة من موسكو وضواحيها.. ومع هذه الاختلالات الامنية لم يعد يشعر احد في روسيا بالامان حتى داخل بيته لذا بدأ الرأسمال الاستثماري يهرب الى الخارج. كل هذا يجري في ظل اندلاع حروب دينية وقومية بين المسلحين الاسلاميين في داغستان والشيشان والذين اعلنوا قيام دولة اسلامية هناك وبين القوات الروسية التي لاترى مناصا من استخدام ثقلها العسكري لاخماد المسلحين وذلك لقناعة موسكو بانه في حال عدم تحقيق ذلك فان الازمة المتفجرة في القوقاز ستكبر ككرة ثلج تقضي مضاجها, بل ان روسيا تذهب الى حد الاعتقاد بان ارثوذكسيتها مهددة في هذه المنطقة امام زحف (الاصوليين) فضلا انها تعيش هاجس الحلف الاطلسي الذي حاصر روسيا اوروبيا وربما يريد تفكيكها من الجنوب عبر طرح برنامج (الشراكة من اجل السلام) مع جمهوريات القوقاز وآسيا الوسطى, فحسب بريجنسكي: (روسيا مازالت كبيرة, ومادامت كبيرة فانها تشكل خطرا على المصالح الامريكية) وعليه يعتقد الروس ان الغرب سيعمل على دفع الامور في هذا الاتجاه او على الاقل ايصال الامور الى مرحلة نشر قوات دولية في جمهوريات القوقاز على غرار ماحدث في كوسوفو وتيمور الشرقية. سيناريوهات مستقبلية ولكن هل من علاقة بين مايجري في القوقاز ويخطط له وانكباب موسكو على سيناريوهات سياسية؟ المراقبون يعتقدون ان الرئيس يلتسين ينوي البقاء في السلطة بمساعدة مايجري في القوقاز وان حديثه عن ترشيح رئىس وزرائه فلاديمير بوتين لمنصب الرئاسة ليس الا خطوة للتموية على نيته, لذا لايستبعدون ان يلجأ يلتسين الى اقالة بوتين ايضا, فالرئىس يلتسين خرج من احداث الشيشان 1994 ـ 1996 بهزيمة لروسيا ـ حسب اعترافه ـ حيث مرغ كرامة الجيش الروسي الامبراطوري في الوحل, وعليه يعتقد المراقبون ان الرئيس يلتسين وتحت ضغط القوى المسيطرة في الداخل (المافيا) سيتجه الى التصعيد العسكري في القوقاز بغية تأجيل الانتخابات التشريعية المقررة في البلاد ديسمبر المقبل, وبالتالي الانتخابات الرئاسية المقررة في صيف عام 2000, مما يعني دفع البلاد الى اوضاع استثنائية وارباك الحياة السياسية الروسية من جديد ونشر الفوضى في كل مكان, وهكذا يبقى يلتسين المرجع الذي لايمكن تجاوزه, وبالتالي البقاء في السلطة لولاية ثالثة على نحو دستوري أو غير دستوري. فالتصعيد في داغستان والشيشان من شأنه الدفع بيلتسين الى اعلان حال الطوارىء في البلاد واشغال الجيش في الحرب ضد (الاصوليين) ولكن من يدري ان الرئيس يفعل ذلك من وعي او دونه؟ وكيف سيتصرف الجيش حينما يدرك ان سلوك الرئيس هذا جلب تدخل دولي في القوقاز وان اللعبة تجاوزتهم؟! روسيا كبيرة ولكنها ممسوكة بخناقها الاقتصادي, وبتفاصيلها الجغرافية, وبنفوذ المافيات التي تدير البلاد دون ان يعرف احد إلى أين. ازمة روسيا كبيرة كبر حجمها وتزداد كبرا وتعقيدا كلما تراجع دورها وتضاءلت مكانتها على الساحة الدولية وفقدت عناصر قوتها في الداخل. السؤال الكبير والوحيد الذي يطرح نفسه على الروس في ظل هذه الاوضاع المأساوية: هو اين المخرج؟ وكيف يمكن لروسيا ان تجد نفسها مجددا؟ لا احد يملك الجواب, فعلى الاقل لا برنامج سياسي يمكن ان يأمله الروس, لذا ربما يعودون مجددا إلى قراءة مقولة ماركس الشهيرة ما العمل؟ الدب الروسي اشتهر ببقائه ساكنا فترة طويلة ولكن عندما يستيقظ يفتك بكل ما يصادفه, ولكن الخوف ان لا يعاود الخروج مجددا مع ارتفاع حرارة الارض وانحسار الثلج عن القطب .. فهل تسير روسيا نحو المجهول؟ * كاتب سوري