استبقت ألمانيا حليفاتها في الاتحاد الاوروبي وكسرت حاجز التردد حيال(التورط)في قضية السودان ونشطت منذ سنوات في محاولات للمساهمة في استقرار الاوضاع السياسية عبر عقد لقاءات بين الحكومة والمعارضة الناشطة في الداخل لتحسس امكانية الوصول الى نقاط اتفاق . ويقود هذا التحرك (الفريد) السفير الالماني لدى الخرطوم الدكتور فيرنر داوم متسلحا بقدر من الصبر الشديد اعانة على تحمل تراشقات وصلت احيانا الى حد اتهامه علنا بموالاة الحكومة حتى ان قياديا بارزا في المعارضة وصفه ذات يوم بانه (انقاذي عديل) !. والى جانب الصبر يتمتع السفير فيرنر بخاصية الصمت الايجابي التي مكنته من احاطة نشاطه بسرية انفردت (البيان) وحدها بانتهاك حاجزها عبر تقارير نشرتها في حينها. واثمرت محاولات دؤوبة استمرت طويلا لاستنطاق السفير والوقوف على رؤيته في التطورات السياسية في السودان وحيثيات تذبذب العلاقات بين اوروبا والخرطوم, فكان الحوار التالي نصه: مد وجزر * شهدت العلاقات الالمانية السودانية فتورا في السنوات الاولى لهذه الحكومة ولكنها الآن تشهد تطورا نسبيا ماهي حيثيات هذا التطور؟ وماهي الأسس التي تحكم مسار العلاقات؟ ـ سياسة المانيا تجاه الشرق الاوسط وافريقيا وبالطبع السودان تشكل جزءا من التنسيق العام للدول الاوروبية, نحن نحاول لان تكون سياستنا الخارجية بتنسيق كامل مع الدول الاوروبية الاخرى وان تتضمن ذات الاسس والمبادىء التي تقوم عليها سياسة دول الاتحاد الاوروبي , ولاشك ان السنوات الاولى لحكومة السودان الحالية شهدت ممارسات نحن لانقبلها في مجال حقوق الانسان على وجه الخصوص بعد الانقضاض على نظام ديمقراطي ارتضاه الشعب السوداني وفرض نظاماً شمولياً بدلا عنه. وهاتان نقطتان رئيسيتان في جملة المبادىء الرئيسية التي نبني عليها سياساتنا الخارجية مع الدول ولهذا السبب كان هناك نوع من افراغ العلاقات السودانية الالمانية من المضمون بالرغم من الاحتفاظ بالتمثيل الدبلوماسي وقد شرحنا بصورة واضحة موقفنا تجاه هاتين القضيتين قضية حقوق الانسان وقضية الديمقراطية, واوقفنا التعاون الاقتصادي مع السودان ولكن العلاقات الدبلوماسية ظلت مستمرة لاننا في المانيا لانرى ان العلاقات الدبلوماسية مع الحكومات ولكنها مع الدول , وعلاقاتنا مع السودان بعيدة في مداها الزمني. فمنذ الاستقلال اصبحت لنا علاقات مع السودان ومرت هذه العلاقات بفترات مد وجزر ولكنها ظلت مستمرة ونحن نولي اهتماما خاصا بان تكون لنا علاقات مع السودان كدولة ولذلك فان تغير الحكومات لايؤثر في هذه العلاقة مهما كانت الجهة التي تمثلها الحكومة والسودان من الدول القليلة في افريقيا التي تتمتع باهمية استراتيجية سياسيا واقتصاديا والسودان ايضا من الدول القليلة في افريقيا التي نتوقع ان يكون لهما مستقبل واعد في هذا الاطار. والمانيا مهتمة بان تشارك في هذا المستقبل بعد ان تساهم في التطورات المقبلة في السودان وكما هو معروف فان السودان اكبر دولة في افريقيا ويملك اهم ثروة طبيعة واقصد بذلك المياه, لا النفط. فالسودان يحتل اكبر جزء من وادي النيل ويملك الاراضي المناسبة للزراعة ويستطيع ان يوفر الغذاء لكل شرق افريقيا وهذا قطعا لن يستمر الا اذا حلحلت قضاياه السياسية خصوصا قضية الحكم والحرب في الجنوب اذا حلت هذه المشاكل فالسودان سيحتل مكانه المناسب. تطورات ايجابية * نود ان تحدثنا عن اسباب التطور في العلاقات الالمانية السودانية الذي بات واضحا الآن؟ ـ نحن كنا نراقب الاوضاع في السودان وقد لاحظنا تحسنا ملموسا خصوصا فيما يتعلق بمجالي حقوق الانسان والديمقراطية وفي ذات الوقت كنا نرصد التحسن الملموس في سعي السودان للحوار مع الدول الخارجية وقد بدأ هذا التحسن في منتصف التسعينات بعد تغيرات ملموسة في سياسات السودان الداخلية والخارجية. وقبل ذلك لم تكن الحكومة السودانية تهتم كثيرا بالعلاقات السلمية مع دول العالم وتبادل الحوار مع الدول خصوصا في بداية التسعينات ولكن منذ منتصف التسعينات لاشك ان الحكومة بدأت تهتم بهذا الامر بشكل افضل وهنا لابد ان اشير لدور وزير الخارجية السابق نائب رئيس الجمهورية حاليا على عثمان محمد طه, والوزير الحالي الدكتور مصطفى عثمان, اللذين تفهما الشكل الذي تسير عليه الاوضاع في العالم ويريدان احلال سياسة القلب المفتوح مع العالم والتعايش السلمي مع الشعوب كما يحرصان على احلال الحوار بدلا عن سياسة الاستفزاز والتحرش. ويرفضان الشعارات السياسية الجوفاء ويريدان ان يبنى مستقبل السودان على علاقات مفيدة مع الجيران والدول المتطورة التي يحتاج اليها السودان واعود لما بدأت به فأقول باننا لاحظنا هذه التغيرات وكانت ضعيفة في البداية وعلى طريقة الخطوة خطوة ولكن الآن اصبح واضحا ان هناك رغبة تولدت لدى الحكومة لتعود بالسودان الى المجتمع الدولي عموما وافريقيا على وجه الخصوص, ولهذا السبب انتهجت المانيا سياسة التشجيع للحكومة السودانية حتى تمضي في هذا الطريق وكان هذا التشجيع يتم عن طريق السفير الالماني بالخرطوم ومن ثم وصل الى الحكومة الالمانية ونحن نرحب بهذه التغيرات والتحسن الذي طرأ في قضية حقوق الانسان ومازلنا نتابع الخطوات الرامية لاعادة الديمقراطية. * هل هذا يعني ان الحكومة الالمانية تنظر الى ما اسفر عنه قانون التوالي من خطوات في اتجاه الديمقراطية؟ ـ الديمقراطية هي مبادىء ونحن لانتمسك بنموذج واحد للديمقراطية مثلا موديل وستمنستر فهناك فرق كبير بين الديمقراطية في المانيا وبريطانيا وفي فرنسا, مثلا الانتخابات في بريطانيا تختلف عنها في المانيا وبريطانيا والعكس. كذلك فالذي يفوز في النظام الديمقراطي الالماني يمكن الا يفوز في النموذج الفرنسي او النموذج البريطاني, فلكل من هذه الدول طريقتها في الانتخابات. وهناك نماذج كثيرة ولكن المهم وجود احزاب حقيقية تمثل ارادة الطبقات او المصالح او القبائل او الطوائف المهم وجود الاحزاب وحرية المنافسة بينها وحرية الفرد في التعبير عن نفسه, فاذا قارنا الاوضاع الان بعد عشر سنوات من قيام الحكومة الحالية لاننكر ان هناك تحسنا ملموساً في قضية الديمقراطية وحقوق الانسان مقارنة بالايام الاولى للحكومة ولاشك ان هناك تطورات ايجابية من اجل اعادة مؤتمر الوفاق او الحوار لاننا نرى ان الحوار هو الاساس الصحيح لحل المشاكل مع المعارضة الشمالية ونتمنى ان نشاهد قريبا عودة حزبي الامة والاتحادي الى ارض السودان. * تردد ان هناك جهودا للتوفيق بين المعارضة والحكومة تقومون بها فهل القيت لنا الضوء على تلك الجهود؟ ـ قبل كل شيء هذه النقطة هامة ويجب ان تكون واضحة نحن لانقف مع المعارضة كمعارضة ولا مع الحكومة كحكومة لكن نحن نقف مع مبادىء احلال الديمقراطية واحترام حقوق الانسان في السودان, هذا يعني اننا نرحب ونرفع بكل قوة كل امر من شأنه ان يجعل الشعب السوداني متساوي الحقوق في المنافسة على السلطة فاذا عدنا الى القضيتين الاساسيتين وهما الديمقراطية وحقوق الانسان نجد ان الطريق الذي قطعه النظام السوداني فيها جيد. وقد تحدثنا عن هذا التقدم في اجتماع لجنة حقوق الانسان التابعة للامم المتحدة بجنيف ولعبت ألمانيا دورا في صدور قرار لجنة الامم المتحدة بهذا الخصوص باعتبارها كانت رئيسا للاتحاد الاوروبي آنذاك. هذا القرار مثل واقعية الاوضاع لحقوق الانسان في السودان فهناك تقدم من ناحية وهناك صعوبات لاتزال قائمة وموجودة من ناحية اخرى. وتمثلت هذه العقبات في قضية الاختفاء القسري للنساء والاطفال وهنا لابد من الترحيب بقرار الحكومة القاضي بتشكيل لجنة لهذا الغرض واعتبرها خطوة هامة جدا إذ أن الاعتراف بوجود هذه المشكلة يساعد على حلها. وآخر خطوة شاهدنا في الاسبوع الماضي سمنارا في هذا الخصوص وقد أتخذ مجموعة من القرارات بموافقة كل الجهات المعنية مثل وزارة العدل, الممثل السوداني لحقوق الانسان والاجهزة الامنية والقضائية. واعتقد أن هذه خطوة هامة جدا ونريد أن يستمر هذا العمل, ولكن هذه التطورات ما هي الا خطوة في الاتجاه الصحيح ولاتزال هناك مشاكل خصوصا في اطار الحرب الاهلية الدائرة الان في الجنوب وجبال النوبة. وعموما نحن في ألمانيا نرحب وندفع بكل الخطوات التي من شأنها ان توقف الحرب الدائرة الان في السودان. واذا كان صحيحا ما يتردد عن عودة وشيكة لزعماء الاحزاب الرئىسية الى بلادهم قطعا هذا سيشجع اكثر على تطوير العلاقة مع السودان. قرار ألماني جديد * سبق وان اصدر البرلمان الالماني قرارات بخصوص السودان حث فيها الحكومة الالمانية على ضرورة القيام بدور ايجابي في قضية السودان واحداث مصالح وطنية فيه ماذا تم بشأن تلك القرارات. نتيجة لهذه التطورات التي تحدثت عنها اصدر البرلمان الالماني في بداية العام الماضي قرارا يتعلق بحقوق الانسان والديمقراطية والحرب في الجنوب. ولاشك هذا القرار كان مؤثراً جدا على موقف الحكومة الالمانية ودول الاتحاد الاوروبي من الحكومة السودانية وكذلك كان يشجع الحكومة السودانية في الاستمرار في طريقة الاصلاح. ونحن في ألمانيا لا ننتهج سياسه الإدانه لكن نعمل على التفهم والتشجيع وهذه هي سياستنا. فقرار البرلمان اضافة الى الزيارات التي ظل يقوم بعض المسؤولين الالمان واستقبال المسؤولين السودانيين في المانيا والعواصم الاوروبية عامة كل ذلك في مفهومنا يشجع الحكومة على السير في الطريق الصحيح الذي بدأته. فنحن نريد أن ندفع بالسودان ونشجعه حتى يصل الى النهاية الصحيحة. لذلك نعترف بكل نقطة نعتبرها تمثل تقدما في القضايا الاساسية وانا شخصيا اتوقع قرارا آخر خلال هذا العام للبرلمان الالماني. وللاعداد لهذا القرار قام وفد برلماني الماني بزيارة السودان مؤخرا. والتقى مع نائب رئيس الجمهورية ومع الدكتور الترابي ومع قيادات من حزبي (الامة) و(الاتحادي) بالداخل. ووقف الوفد على صورة واضحة ومتكاملة عن التطورات في السودان. ولاشك ان القرار المرتقب سيكون بالاجماع من كل الاحزاب حكومة ومعارضة سيؤكد على التطورات الايجابية ويرحب بكل المجهودات الرامية لاعادة السودان الى مكانه في المنظومة الدولية. وسيرحب بعودة الديمقراطية وهنا تبقى قضية واحدة هي قضية الحرب في الجنوب. البترول ثمنا للوحدة * قادت ألمانيا جهودا لأنهاء الحرب في الجنوب ولكن هذه الجهود قد اعتراها الفتور ما تعليقكم؟ ـ الحرب في المقام الاول تؤثر على السودانيين انفسهم والجنوبيين على وجه الخصوص لان الحرب تدور في منطقتهم. والشماليون كما هو معروف بعيدون جدا من مناطق الحرب. ومع ملاحظة ان السودان دولة فقيرة جدا بالرغم من السياسات الاقتصادية التي انتهجتها الحكومة فإن ايقاف الحرب لاشك سيساعد في التطور الاقتصادي. وعندما تتحدث عن الحرب يقفز الى اذهاننا البترول فهناك من يقول انه بمستوى الدول النفطية الكبرى. وهناك من يقول ان البترول السوداني يكفي فقط الاستهلاك المحلي أو يزيد قليلا كل ذلك حديث غير علمي لانه لا تتوافر المعلومات عن هذا الامر. وأنا شخصيا اقول ان هناك مؤشرات تدل على ان كميات البترول المتوفرة ستجعل السودان بعد خمس أو عشر سنوات من الدول المنتجة والمصدرة للبترول بصورة متوسطة. وقطعا هذا سيساعد في نهضة وتطور البلاد. ونحن في ألمانيا على استعداد لتشجيع السودان للسير في هذا الطريق ولكن نتمنى صادقين ان يستخدم السودان عائدات البترول في تنمية البنية التحتية لاقتصاده مثل الاتصالات والطرق وغيرها وكذلك في الاستثمار الاجتماعي مثل المستشفيات والمدارس وألا يوجهها للحرب او للاستهلاك. واعود الى موضوع انهاء الحرب فاقول ان توظيف عائدات البترول في تنمية الجنوب بصورة أكبر وأكثر من الشمال هو صمام الامان الوحيد لايقاف الحرب. واقول ان القرار المتوقع من البرلمان الالماني يركز على التطورات التي حدثت في الاقتصاد والديمقراطية وعلى اساس ان هناك تطورا اقتصاديا وديمقراطيا يمكن ان تحل القضية في مائدة التفاوض والحوار. وألمانيا حريصة جدا على الحوار في اطار (ايجاد) ولن تحاول ان تخرج عن هذا الاطار واقول ان للجنوبيين حقوقا منذ العام 1956م لايعترف بها حتى قبل اهل الشمال ككل مسلمين او غير مسلمين. كل الحكومات السابقة, ديمقراطية او عسكرية, لم تعترف بحقوق الجنوبيين. لذلك لابد من المساواة بين الشمال والجنوب واعطاء الجنوب حريات اكبر وعائدات اكبر من موارد الدولة. واذا تم ذلك ستكون هناك امكانية لبقاء السودان دولة واحدة لان الجنوبيين في قلوبهم يريدون الوحدة. * لكن دور (ايجاد) في مفاوضات السلام غير واضح الامر الذي جعل الكثيرين ينظرون بهذه المنظومة وشركائها وألمانيا واحدة منها بعين الريبة. ـ هناك دول تهتم اهتماما اكبر بـ (ايجاد) خاصة ايطاليا فاهتمامها اكبر من ألمانيا. وقطعا دور شركاء (ايجاد) ايجابي وملموس. وايطاليا لها علاقة تاريخية بشرق أفريقيا وهي افضل من بقية الشركاء لتكون الاكثر اهتماما. وايطاليا ليست لها مصلحة الا مصلحة ان يعم السلام شرق افريقيا. واعتقد ان ايطاليا تلعب دورا ايجابيا وهاهي في شركاء (ايجاد). وبكل صراحة اذا قمنا نحن بنفس الاهتمام سيكون الدفع اكثر وهذا ما اعتقد بأنه سيكون في المستقبل القريب ونحن نشجع الطرفين على الوصول الى اتفاق. الرق والاختفاء * الوفد البرلماني الالماني زار مناطق التماس في وقت تصاعدت حملة اعلامية تتحدث عن تجارة للرق في تلك المناطق فبمادا خرج؟؟ ـ أولا نحن لم نقل ولن نقول بأن هناك تجارة رق في السودان ولكن هناك اختفاء قسري. والحكومة الان شكلت لجنة لمحاربة هذا الامر. واعتبرنا هذا خطوة جيدة. وكذلك عقدت الحكومة سمنارا لهذا الغرض. واقول ان هذه الخطوات من شأنها ان تؤدي الى انهاء ظاهرة الاختفاء القسري والاختطاف للنساء والاطفال. فيرنر داوم سفير ألمانيا لدى السودان