اعتبر تقرير امني سري اعدته الاستخبارات العسكرية السودانية ان الثروة النفطية في هذا البلد تمثل (حلم) التيارات الاصولية التي تنظر للسودان كركيزة انطلاق وعمق استراتيجي لقوى التغيير لمحاصرة كل من مصر والسعودية . ويرصد التقرير السري المخاطر والتهديدات التي تواجه انتاج وتصدير النفط السوداني في ظل الاوضاع السياسية الداخلية والاقليمية والدولية من وجهة نظر معدية الذين شددوا على التحذير من الاستهانة بامكانيات المعارضة. ويقترح التقرير الذي حصلت (البيان) على نسخة منه عدة اجراءات وقائية منها اقالة الاجهزة الامنية العاملة حاليا في هذا الحقل, والاستعانة بخبرات اجنبية وفحص الرسائل والطرود وعدم الاستهانة بقدرات المعارضة, والبعد عن الارتجال والتهوين في ظل تقارير المعارضة عن ضعف الحكم ويحذر التقرير بصفة خاصة من تحركات من اسماهم بـ (الخوارج) ونشاط الانصار وحزب الامة على الصعيد العسكري واجتهادات فصيل العميد عبدالعزيز خالد (قائد قوات التحالف). وفيما يلي نص التقرير الذي تصدرته عبارة (سري للغاية) وحمل توقيع عقيد ركن مهندس حسن صالح عمر محمدين, رئيس شعبة الامن الايجابي في الاستخبارات: البترول هام: البترول تأثيره على سياسة الدولة وامن الشعوب واستقلالها وهو يمثل قوة اقتصادية وانتاجية هائلة ويفعل المتغيرات اصبح الآن قوة عالمية جديدة في حساب توازنات القوى والمواجهات الاستراتيجية. ينفرد البترول بعدة مميزات: أ ـ العائد الاقتصادي الوفير (تلبية احتياجات التنمية الاجتماعية والتصنيع. ب ـ يمثل ارخص مصادر الطاقة من حيث التكلفة مقارنة بالفحم ويزداد استهلاكه مع التقدم الهائل في التكنولوجيا وتنويعاتها. ج ـ اداة طيعة في الضغط السياسي (رفع الاسعار, خفض الانتاج, حظر التصدير). د ـ لايوجد بديل لاستخداماته كطاقة او صناعة. العديد من المختصين يؤكدون ان مجرد الحصول على البترول في باطن الارض يعد في حد ذاته اعتمادا بنكيا ضخما وقادرا على توفير الاموال والقروض. البترول اداة ضغط سياسي الحرب العربية الاسرائيلية في اكتوبر 1973م كانت اهم واخطر المتغيرات الاستراتيجية على المستوى العالمي في تأكيد دور الطاقة وتأثيرها غير المحدود في قضايا المواجهة مع العالم الغربي. جميع المراقبين على اختلاف تخصصاتهم اكدوا على ان استخدام البترول كاداة للضغط السياسي كانت له اثار عميقة في تطور الدراسات الاستراتيجية في معاهد الغرب الاوروبي من عدة زوايا: أ ـ تغيير بيئة المواجهة وبروز اتجاه جغرافي وسياسي متناقض يمتد على امتلاكه للطاقة والمواد الاولية. ب ـ اعداد القوة الاقتصادية لموازين الصراع الدولي (فرض القيود على السلوك العسكري والسياسي للدول الصناعية). ج ـ انتقال تكنولوجيا الحرب للدول المصدرة والمالكة لاحتياطات الطاقة (القوة الشرائية وتنامي الارصدة). د ـ قدرات اكبر على الوزن التفاوضي ومرونة افضل على المساومة وربما الابتزاز (القوة الدبلوماسية). بعد نهاية النظام الشيوعي برزت الرغبة في التكتلات الاقليمية حيث لاتزال تجربة استخدام البترول كسلاح سياسي مهمة لعدد من البلدان النامية التي تتطلع لابراز حيوية موقعها الجغرافي ومالديها من موارد اولية وثروات حيوية لتوظيفها كعناصر استراتيجية للضغط السياسي والحصول على التكنولوجيا للمساعدة في عمليات التنمية. التهديدات الخارجية التي تستهدف البترول: بالنسبة للسودان فان التهديدات الخارجية تحيط بموقعه من مراكز قريبة ومجاورة حيث ترى تقديرات اقليمية واخرى دولية ان نجاح السودان في استغلال موارده خاصة (البترول) سوف يشكل تهديدا حقيقيا لمصالح اقليمية ترتبط بالغرب الاوروبي وترى اهم هذه التقديرات ان السودان ينفرد باهم مميزات الدولة القوية. أ ـ جغرافيا: حجم البلد واتساعه وموقعه وطبيعة ارضه. ب ـ اقتصاديا: قدرته على التوازن ما بين قطاعين (الصناعة والزراعة) واثر ذلك على فعالية السياسة الخارجية والقدرات العسكرية (تعبئة الفائض الاقتصادي). ج ـ نوعية الحكم: الطموح القومي والالهام الحضاري والفلسفة السياسية واثر ذلك على تكوين مؤسسات فعالة تساعد على بناء دور اقليمي (تلبية المهارات الفنية والخبرات التنظيمية والقدرات العلمية) في اتجاه ايجاد الدولة الانموذج. في نظر هذه التقديرات انه بعد سقوط التهديد الشيوعي لم تعد والدول العربية المحافظة مركزا لاستقطاب تيارات الاسلام الاعتراضي تحت ذريعة مقاومة الانتشار الشيوعي وفلسفة الالحاد وانما اصبحت هذه الدول هدفا لتطلعات هذه التيارات لتغير انظمة الحكم او على الاقل امكانية التأثير على تمساكها من الداخل بينما يزداد الامل لدى قادة هذه التيارات في ان يكون السودان ركيزة انطلاق وعمقا استراتيجيا لقوى التغيير الاسلامي لمحاصرة مصر والسعودية وتنشيط دواعي ومبررات الافكار الاعتراضية وسط شريحة واسعة من السكان خاصة قطاعات الطلاب والدارسين داخل وخارج هذه البلدان. هذه الرؤية مسنودة باحتمالات قوية لصالح مستقبل العلاقات مع ايران التي تتطلع للتأثير على المحيط العربي والافريقي في اوغندا وزائير ونيجيريا عبر السودان بعد ان سيطرت قيادات اسلامية طموحة على جامعة افريقيا لاستقطاب طلاب افارقة وعرب فضلا عن سيطرتها على ادارة أهم المنظمات الاسلامية الطوعية في مجال الاغاثة لمسلمي الدول الافريقية بما في ذلك مساهمات غذائية وعلاجية لضحايا الحروب من المسلمين في اوروبا (البوسنة) مما يؤكد قوة المشاعر التضامنية مع قضايا التغيير الاسلامي على نطاق واسع يتجاوز حدود السودان. لا شك ان سيطرة امريكا على المنطقة بعد الحرب العراقية الكويتية يعطيها هامشا للمناورة الاستراتيجية في دعم وتشجيع التهديدات وكافة اشكال الضغوط (العقوبات الاقتصادية) على الدول المستقلة التي تتطلع للسيطرة على مواردها وثرواتها الوطنية وهناك العديد من الخطوات الرئيسية التي يتم الاعداد لها وفق تكتيكات بطيئة رغم انها توحي بمستويات مقدرة من الخطورة في حين انها تستهدف بالدرجة الاولى مستقبل انتاج الوقود في السودان: أ ـ تعقيدات العلاقة مع مصر بعد سيطرتها على حلايب السودانية. ب ـ تصعيد الاعتداءات الارتيرية على طول الحدود الشرقية والتهديد الماثل على كسلا وبورسودان بما في ذلك قطع خطوط المواصلات البرية وتطويق الميناء الرئيسي. ج ـ نشر الاطواف المسلحة لاختراق العمق على الحدود الشرقية وتهديد انسياب التواصل التقليدي بين المركز والطرف الشرقي وعزل بعض المناطق عن البعض الآخر. د ـ نشاط التجنيد والاستقطاب بين ابناء القبائل المتاخمة والذين تعوذهم القدرة على تمييز واستيعاب حجم هذا المخطط وادارته الهدامة. على مستوى السياسة الخارجية في الدوائر الدبلوماسية تجتهد مراكز البحث الامريكية في صياغة المبررات والدوافع التي يمكن الاستناد عليها في رسم المخططات العدائية لعدد من الدول من بينها السودان. هذه التهديدات تشكل سلسلة من التدابير لاكمال حلقات الضغط السياسي والاقتصادي والعسكري بغرض اجهاد قدرات الدولة واستنزافها واستدراج قواها لمرحلة انهيار أمني شامل. التهديدات المحلية (الخوارج): تمثل التهديدات المحلية الادوات الاكثر رسوخا للمخطط الاجنبي حيث تبدو اغراض الاستنزاف اكثر وضوحا. أ ـ انعاش الخلافات الاثنية والعرقية. ب ـ تشجيع المواجهات الاقليمية والحزبية. ج ـ توسيع رقعة اللهب المسلح لاختراق الاوساط النظامية (الشرطة/ الجيش). فيما يتعلق باحتمالات تهديد الخوارج لمواقع انتاج البترول فقط ظهرت في اعقاب الاكتشافات الاخيرة ونجاح الدولة في استقطاب وجذب عدد من الشركات العالمية تصريحات المسؤولين على قيادة المعارضة الخارجية تهدد بوضوح وتحذر الشركات العاملة من خطورة الوضع الأمني على مصالحها وهذا دليل على الآتي: ب ـ تقييم امكانية الاعداد لعمليات ارهابية مدروسة تكفل اقناع ادارة هذه الشركات ومراكزها الرئيسية بمخاطرة التواجد في منطقة العمليات. وفقا لهذه الاحتمالات يبقى ضروريا من جانب السلطات الامنية التهديدات الواردة من جانب العدو واتخاذ التحوطات والاجراءات الوقائية التي تكفل احباط هذا المخطط بوسائل سرية فاعلة وتقترح في هذا الصدد ما يلي: أ ـ دراسة الطبيعة الطبوغرافية لمواقع الانتاج والتي تمثل المادة الخام في تقييم أهمية الوضع الأمني. ب ـ معرفة واستيعاب العوامل الطبيعية بما في ذلك السكان وعاداتهم الاجتماعية في الكسب والاتصال والاستقرار لتقييم سهولة حركة العدو وقدراته على المناورة. ج ـ استيعاب تطور اساليب وادوات الارهاب وترشيح وانتخابات الاصوات المناسبة للعدو في تلك المواقع. د ـ دراسة خريطة الانتشار السكاني بالمنطقة وتحديد مصادر العمالة في حقول البترول مع ضرورة احصاء العددية من العمال المرتبطين اصلا بهؤلاء السكان الأصليين. هـ ـ تحديد مسؤولية التأمين (اقالة الاجهزة الامنية العاملة) مع توضيح دائرة المسؤولية غير المباشرة والتي تتعلق بالعاملين ودرجة تقيدهم بالتوجيهات والاجراءات الوقائية بمواقع العمل. و ـ تحديد الواجبات (التنسيق بين الاطراف الامنية العاملة بالمنطقة) وذلك لوضع التعليمات المستديمة وتوزيع الواجبات مع ضرورة المتابعة. ز ـ تحديد الشخصيات (الخبراء الاجانب) والمواقع المطلوب تأمينها. ح ـ ابراز الجوانب الفنية (الحريق ـ توصيلات الكهرباء) مع تحديد مجموعة الفنيين المسؤولين المشرفين على هذه الجوانب وأخذ مقترحات في كل ما تعلق بأجهزة التوليد وخطوط امدادها. ط ـ الطرود والخطابات الواردة لمكاتب العاملين يجب ان تمر بجهاز كشف العبارات قبل توزيعها. ي ـ تصوير المعدات الفنية واعداد حراسة دورية نشيطة للتعامل الرسمي مع هذه المعدات. ختام: في تقديرنا ان حجم التهديد كبير ويوازي الطموحات الوطنية للسودان وهذا امر لابد ان يقوم على اعتماد الخطط والبعد عن الارتجال والتهوين خاصة وان تقديرات جماعة عبدالعزيز خالد ومستشاري جون قرنق من العسكريين تشير للآتي: أ ـ انخفاض القدرات الدفاعية للسودان. ب ـ ارتفاع نفقات الدفاع وعجز الميزانية عن الوفاء بمتطلبات هذا الغرض. ج ـ عزوف الشباب عن التجنيد واضطراب خدمة المجندين بالجيش (الهروب). فيما يتعلق بالمنافسة الواقعة بين الشركات نسبة لاختلاف المصالح فقد ظهرت عناصر ايجابية يمكن توظيفها لصالح خطة انتاج البترول وتطويرها كاضافة مالية: أ ـ رغبة شركات ناشئة عديدة لكسر احتكار الشركات الكبيرة لهذه الصناعة (متعددة الجنسية). ب ـ امكانية التنسيق مع هذه الشركات الصغيرة لبناء اجهزة التوزيع والتسويق ومعامل التكرير. ج ـ اتساع المعرفة بشؤون انتاج الطاقة استعداد معاهد ومؤسسات عديدة تدريب الكادر الوطني وتزويده بالمهارة الفنية اللازمة. اجهزة تحقيق الامن الداخلي تقع على مسؤوليتها دراسة نواحي التأمين. واستيعاب تداخل مناطق الانتاج بمناطق تسود فيها احتمالات الصدام القبلي والعرقي مع الاهتمام بكفاءة اجهزة الخوارج على أحداث الاختطاف تحت رعاية اجهزة اقليمية ذات خبرة بالاضافة لنشاط الانصار وحزب الامة واجتهادات عبدالعزيز خالد العسكرية. لا يستبعد ان عمليات الخوارج بولاية بحر الغزال (رمبيك, واراب, قوقريال) تستهدف عزل بعض المناطق وتكوين عمق استراتيجي لهجومها على مواقع البترول (التسلسل, التخريب, الاختطاف للرهائن) فضلا عن عمليات الاستنزاف الاخرى وتأتي توقعات الاختطاف بناء على بعض الاحتمالات: أ ـ مصلحة الشركات الكبيرة المسيطرة على صناعة واستخراج النفط في مزاحمة الشركات الصغيرة وتعويقها. ب ـ امكانية استغلالها لدوائر المعارضة كأداة لتنفيذ هذا الغرض. القاهرة ـ حسن الحسن