حصلت (البيان) من مصادر امريكية في القاهرة على نص تقرير موسع حول المملكة المغربية بعد رحيل الملك الحسن الثاني كان قد اعده السفير الامريكي في المغرب ادوارد جابرييل وقدمه الى وزيرة الخارجية الامريكية مادلين اولبرايت كماعرض جزءا من هذا التقرير امام مجلس العلاقات الخارجية الامريكية في واشنطن . ويكشف تقرير السفير الامريكي الكثير من الحقائق حول المشروع الامريكي للشراكة مع بلدان المغرب العربي, ويلقي الضوء على المنافسة الحامية بين الامريكيين والاوروبيين على تعميق العلاقات مع البلدان المغاربية ومدى الاغراءات التي يبدي كل طرف استعداده لتقديمها للفوز بكعكة الاستثمار في المملكة المغربية. ويلقي تقرير السفير الامريكي في المملكة المغربية الضوء على تقييم واشنطن للاحوال السياسية والاقتصادية في المملكة بعد رحيل الملك الحسن الثاني وفي ظل عهد الملك محمد السادس, ويعرض لكثير من السيناريوهات التي تتصورها واشنطن لمستقبل المملكة والمساعدات التي يمكن ان تقدمها للعهد الجديد. في البداية يؤكد سفير الولايات المتحدة الامريكية لدى المملكة المغربية في تقريره ان محمد السادس عازم على تنفيذ الاصلاحيات الاقتصادية والسياسية واسعة النطاق التي بدأها المغفور له الراحل الحسن الثاني ويصفها بأنها تجربة جريئة في العالم العربي تهدف الى دمج الاصلاحات الديمقراطية والاقتصادية عبر تغيير اجماعي متواصل. ويضيف جابرييل ان المغرب قد اتخذ الاختيارات الصحيحة وكسب على اثرها الدعم القوي من طرف جميع اصدقائه, الا انه مازالت هناك عدة تحديات امام المغرب في العهد الجديد, ورغم ان لدى المغرب رؤيا واضحة حول ماهو سائر اليه فإن الطريق امامه تبدو شاقة وحافلة بالتحديات. ويضيف ان الولايات المتحدة الامريكية صاغت مع الغرب شراكة قوية (لاننا نتشاطر والحكومة المغربية العزم على انجاح التجربة السياسية الجديدة وبسبب التزاماتنا الثابتة لكل منا تجاه الآخر؟ ويتساءل جابرييل: ماهي التحديات اذن التي يواجهها المغرب اليوم؟. لقد اوجد الحسن الثاني جوا وعملية سياسية يمكن من خلالها ارساء الدعائم للمبادىء الديمقراطية بالمغرب, وكزعيم ديني, كان المغفور له يمثل نظرة متسامحة ومتوازنة للاسلام بالنسبة الى الشعب المغربي, ان الشعب المغربي ليس في حرب مع عقيدته الدينية. وقد قام الملك الراحل بتنفيذ اصلاحات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي على اساس انه اذا اصبح المغرب عضوا في الاتحاد الاوروبي فإنه سيترشح لعضوية الاتحاد المالي. حقبة حاسمة ويقول جابرييل تتميز هذه الحقبة الحاسمة في المغرب من جهة ثانية بإجراء سلسلة من الاصلاحات السياسية الجريئة حيث انه في المدة الاخيرة دشن المغرب ما يصفه المغاربة بـ (حكومة التناوب) وهي عبارة ذكية تعبر عن تعيين عبدالرحمن اليوسفي ـ الذي عاش في النفي خارج المغرب يوما ـ وزيرا اولا من طرف المغفور له الملك الراحل الحسن الثاني, وتمثل حكومة اليوسفي اكثر من مجرد تغيير للوجوه او الشخصيات السياسية ان (حكومة التناوب) هي فعلا نتيجة لسنوات عديدة من الاصلاحات للمؤسسات السياسية ولنمو المجتمع المدني النشيط بالمغرب. ان حرية الصحافة الواسعة تمنح الفرصة لتنامي عدد المنظمات غير الحكومية التي تدعم الاصلاحات السياسية كما ان للمنظمات المهتمة بحقوق الانسان والمنظمات التي تمثل طرف اولئك الذين يمثلون الوضع الراهن الجدية التي تتابع بها الحكومة هذا الحوار القائم بين مكونات المجتمع المدني. يقوم المغرب بتنفيذ اصلاحات واعدة وضرورية في الوقت نفسه, وقد ورث الملك محمد السادس اقتصادا عاما يتميز بأداء قوي لكنه يعاني من مشاكل بنيوية وتعكف حكومة اليوسفي حاليا على معالجة هذه المشاكل. ان مستويات التضخم بالمغرب تبقى في مستوى تلك التي توجد بالدول الصناعية ويقف معدل النمو الاقتصادي عند 3% خلال التسعينات ويقدر العجز في الميزانية بـ 3% او اقل اما معدل الدين بالمقارنة مع الناتج المحلي الاجمالي فهو اقل من 60%. ولكن هذه الارقام الاقتصادية القوية تخفي وراءها عدة مشاكل بنيوية واجتماعية, ميزانية منتفخة لتغطية رواتب الموظفين, بيروقراطية زائدة عن الحد, تعريفات ضريبية مرتفعة, وعدم وجود ثبات في الممارسات التجارية الشفافة, وتذهب 50% من الميزانية لاجور موظفي الوظيفة العمومية, 33% تخدم الديون الخارجية وتبقى نسبة مئوية ضئيلة لخدمة التنمية الاقتصادية والاجتماعية, وتبقى معدلات الفقر, والبطالة والامية مرتفعة وخاصة بالنسبة الى المرأة, ومن اجل معالجة هذه المشاكل تحتاج حكومة اليوسفي الى مضاعفة معدلات النمو تقارب 6% لمواجهة وتخطي هذه التحديات. عزيمة ودعم شعبي يقول التقرير: قراءتنا للاحداث تشير الى ان للحكومة المغربية ما يكفي من الرؤيا والعزيمة والدعم الشعبي ودعم الملك محمد السادس لتضييق الفجوة بين الغني والفقير, ولخلق وتهيئة الظروف لانطلاق الاقتصاد المغربي, وخلال السنة الماضية, شاهدنا اصلاحات عميقة وخطوات سريعة في مسلسل الخصخصة وكذا التركيز على اقرار الشفافية والاصلاحات في القطاع القضائي والتنمية الاجتماعية. ما هو تأثير هذه الصفقة على الاصلاحات؟ يجيب السفير الامريكي انني أؤكد ان الشفافية تؤتي اكلها, انها خلقت جوا من الثقة قد يساعد على طرح اصول عمومية اخرى للبيع, ثم انها اعطت للمغاربة الاحساس بالافتخار وهم يعاينون الشركات الدولية تتنافس في الاستثمار بالمغرب. وقد استجابت الحكومة الامريكية لهذه السياسات الاقتصادية المغربية بتقديم عدد من الحوافز للسير قدما نحو المزيد من الاصلاحات, ويتعلق الامر بالشراكة الجديدة التي قدمت الى المغرب والجزائر وتونس والتي تعرف باسم (مبادرة آيزنستات) نسبة الى نائب وزير المالية ستيوارت آيزنستات الذي كان آنذاك عند انطلاق هذه المبادرة يشغل منصب وكيل وزارة الخارجية للشؤون الاقتصادية. ولهذه المبادرة اربعة عناصر رئيسية : اولا تعزيز الحوار على مستوى عال, اصلاحات بنيوية مسرعة, دور اكبر للقطاع الخاص من خلال زيادة الاستثمارات والترويج لها, ازالة الحواجز الاقليمية بين الدول امام التجارة والاستثمارات الخارجية, انها شراكة متعددة الاطراف, ديناميكية ومدمجة للقطاعات الخاصة تقوم على اسس متينة وتهدف الى تعزيز العلاقات الاقتصادية بين الولايات المتحدة الامريكية ومنطقة المغرب العربي) . في استثمارات عمومية منتجة من اجل دعم النمو الاقتصادي سيكون من الصعب على المغرب تجنب اعباء الموازنة إلا في حالة ما اذا تقلصت خدمات الديون التي تستحوذ على ثلث الميزانية الوطنية. ان دولا مثل فرنسا, اسبانيا وايطاليا تلجأ حاليا الى عملية خلاقة تسمى (مقايضة الديون بالحصول على حصص في استثمارات مغربية) لمساعدة المغرب على ادارة ديونه الخارجية وتشجيع الشركات (شركات هذه الدول) على الاستثمار بالمغرب, وبفضل هذه العملية, حولت فرنسا واسبانيا حتى الآن ما يقارب من 30% من ديونها للمغرب الى استثمارات خاصة في البلد, وقد وفرت هذه العملية (عملة رخيصة) بالنسبة للشركات الاجنبية التي تنافس الشركات الامريكية من اجل الفوز بعقود في المغرب. وبصفتي سفيرا للولايات المتحدة اود ان تتوفر لدي هذه الوسيلة لمساعدة الشركات الامريكية على الدخول في المنافسة على مستوى فعال مع الشركات الاوروبية بالمغرب, ولكي تشترك الولايات المتحدة في هذا النوع من المبادلات مثل الاوروبيين, فإننا نحتاج الى سن تشريعات بالولايات المتحدة تسمح بذلك (بمقايضة الديون) . وكبديل آخر يمكن ان نبحث عن طريقة غير مكلفة لميزانيتنا تتلخص في تشجيع شراء المغرب لمخلفات ديونه وهذا الاختيار الاخير ليس اهدارا للمال العام ولن يكلف شيئا لدافعي الضرائب الامريكيين, إلا ان الوسيلتين ستساعدان على تشجيع الاستثمارات والتجارة الخارجية بالمغرب وسيساعدان المغرب في الوقت نفسه على خفض مستوى اعباء الديون التي يتحملها. مستقبل باهر انني أؤمن بأن للمغاربة خريطة ممتازة تضيء امامهم الطريق نحو القرن المقبل ويراودني شعور عميق بالثقة بأن مستقبلا باهرا ينتظر المغرب. ويعود تفاؤلي الى حقائق اساسية هي انه: بإمكان المغرب ان يعتمد على دعم اصدقائه, وكما قال لي الملك الراحل الحسن الثاني قبل بضعة ايام فقط من وفاته (ان العلاقات المغربية ـ الامريكية في الوقت الراهن هي على افضل حال منذ عهد الرئيس كينيدي) . ان الاعراب العام عن هذا النوع من الصداقة الشعبية لهو شيء رائع لكن الروابط المغربية الامريكية تتجاوز كثيرا المظاهر في الواقع, اننا نتقاسم رؤيا واحدة لمغرب ديمقراطي, مزدهر ومستقر, كما نريد جميعا تعزيز مشاركتنا في الاسواق العالمية من خلال تجارة حرة وتدفق للاستثمارات ونبحث جميعا عن تطوير التكافؤ الاجتماعي وتكافىء الفرص كشرط اساسي لتنمية المنطقة واستقرارها كذلك نهتم جميعا بالقضايا الدولية التي تواجه بلدينا وقلقون تجاه الارهاب. وليست امريكا اهم صديق للمغرب بأي حال, وقد شارك عدد كبير من زعماء العالم في تشييع جنازة الملك الراحل الحسن الثاني احتراما لما قدمه لعملية السلام في الشرق الاوسط ومد جسور الحوار مع اسرائيل بكل شجاعة. ولذلك اثنى عليه الرئيس كلينتون ويواصل الملك محمد السادس سياسة ابيه. ان تفاؤلي بمستقبل المغرب ينبع من قناعة قوية اخرى تراودني: ان الاختيار المدروس الذي قام به المغرب لاجراء سلسلة من الاصلاحات الديمقراطية ونظام الحكم لهي في نهاية المطاف افضل اداة متاحة لتصحيح الاختلالات الاجتماعية والاقتصادية. ان المجتمع الذي يتمتع بحرية تعبير الافراد ويعمل على رعاية المجتمع المدني سوف لا يخفق في ايجاد افضل الحلول لمشاكله وعلى مر السنين, اثبت المغرب عزيمته على ارساء نظام ديمقراطي قوي مقترنا بتفكير اقتصادي صائب. انتقال هادىء للسلطة يعكس الانتقال الهادىء والعادي للسلطة خلال هذه المرحلة الانتقالية بالمغرب من الاب الى الابن, استقرار النظام السياسي المغربي وعمق الدعم الشعبي للملك محمد السادس وللنظام الملكي ويشغل الملك الجديد موقعا مثاليا لصياغة شراكة قوية مع رئيس الوزراء للعمل على تسريع وتنفيذ ارث الملك الراحل: اجراء اصلاحات ديمقراطية واجتماعية, وترسيخ دولة الحق والقانون واحترام الشفافية وحقوق الانسان. ويسوقني هذا الى الحقيقة الثالثة والاكثر اهمية: عزيمة الحكومة والملك والقطاع الخاص والمجتمع المدني والشعب المغربي برمته للعمل في الاتجاه نفسه: بناء مغرب معاصر وديمقراطي, ومزدهر ومستقر لولوج القرن المقبل. كل ما يحتاجون اليه هو المساعدة او دفعة صغيرة من اصدقائه. ستكون هناك نقطة سوداء في التاريخ الامريكي اذا ما فاتتنا هذه الفرصة لنقف الى جانب اقدم اصدقائنا ونساعدهم.