لعل الفهم الموضوعي لمسألة القدس ينبع من مجموعة الاشكاليات التي لا يمكن لها ان تكون لولا اهمية هذا المركز بكل صيغه السياسية والجغرافية والدينية وحتى الثقافية, فالقدس تأخذ أهميتها الاستراتيجية بسبب موقعها الجغرافي كمدينة مركزية تجمع مشرق الوطن العربي مع مغربه , وتتوسط بلادالشام التي تعتبر أساسا حلقة وصل بين الوطن العربي, اضافة إلى موقعها الديني وتعدد ثقافاتها في ظل تآلفي قرأناه عبر تاريخها الطويل ورأينا فيه شكلا متطوراً من أشكال المدنية بما تحمله من أسس ومقومات, ولكن احتلال القدس وضعها في المسائل المعقدة التي تبدو الآن في ظل الظروف الحالية من أصعب القضايا وأشدها تمايزا, وذلك نتيجة الطروحات التي نراها تتعالى مع كل صيحة انتخابية أو حزب يظهر في اسرائيل, سواء كان دينيا أم علمانيا. أحلام استراتيجية لعل التاريخ يوضح لنا ان الحلم الصهيوني في القدس لم يأت مع الحروب الأولى في التاريخ الحديث بل هو قديم كان بانتظار فسحة الحقيقة لتحققه اليهودية عبر مشاربها المتعددة, وإذا اقتربنا إلى عام 1948 وتحديدا في 24 يونيو فإننا نقرأ ما قاله دافيد بن جوريون في مجلس الشعب الاسرائيلي آن ذاك محددا فهمه وفهم الصهيونية لقضية القدس بقوله: اننا نفهم حاجة رفاقنا إلى القدس, وان مسألتها ليست مسألة ترتيبات في أساسها ولا حتى مسألة سياسية بل هي في المقام الأول مسألة قدرة عسكرية, ورغم اننا لا نستطيع حل مشاكل القدس بالقوة العسكرية وحدها لكنها المرحلة الأولى للاحتلال يعقبها بعد ذلك مراحل تتعلق بالجانب الاقتصادي والاجتماعي وأيضا الديمغرافي في القدس. ولعل هذا السعي الذي بدأه بن جوريون وتابعه ديان عام 1967 يحمل في أبجدياته سعيا استراتيجيا يقوض من خلاله أحلام السلام, ويخرب أي محاولة عربية أو اسلامية لاعادة الواقع الديني والجغرافي للمدينة المقدسة, بل لعله يفصل مركزية الربط بوجوده الاستثنائي ويمنع أية محاولة تجميعية ووحدوية طبيعية يمكن ان تحدث مستقبلا, كونها تشكل خطرا واضحا على الوجود الاسرائيلي, لذلك قامت بعد عام 1948 مجموعة من المشاريع التهويدية لمدينة القدس بلغت حوالي سبعة وعشرين مشروعاً مدونة في الايديولوجيات الصهيونية, معظمها أتى بعد عام 1967, ناهيك عن المشاريع السرية الكثيرة التي تقدم يوميا للحكومات الاسرائيلية المتعاقبة سواء اليمينية منها أو اليسارية اضافة إلى الطرق المختلفة التي تسعى إليها اسرائيل لتهويد القدس من خلال اشكال مختلفة رغم الوعود التي تقدمها للجانب الفلسطيني والتي تلغي المباشرة بالاستيطان ومصادرة الأراضي. استيطان اليمين واليسار منذ أوسلو 1993 ورغم الوعود الاسرائيلية الكثيرة إلا ان فترة حكومة حزب العمل التي وقعت على أوسلو صادرت خلال سنتين 70 ألف دونم من الضفة وارتفع عدد المستوطنين بعد مؤتمر مدريد إلى 180 ألف مستوطن, وأصبح عدد المستوطنات داخل حدود مدينة القدس 35 ألف مستوطنة وهذه الأرقام البسيطة يمكن قراءتها من خلال مجموعة من النقاط التي تنبني عليها السياسة الاسرائيلية بل لعلنا نقرأها من آخر النقاط الاتفاقية بين السلطة الفلسطينية واسرائيل وتحديدا في اعلان شرم الشيخ الذي اعتبر القرار 242 هو أساس مفاوضات الحل النهائي وهذا القرار مع قرار مجلس الأمن رقم 478 عام 1980 يرفضان الاعتراف بضم اسرائيل للقدس كلها رغم الفارق الزمني بينهما. وتتوضح الأمور أكثر من خلال التصريحات التي يمكن ان نلاحظ انعكاسها المباشر ليس على الضفة وغزة بل على القدس أيضا, فرئيس الحكومة الاسرائيلية الحالي ايهود باراك صرح علنا بقوله: ان المستوطنين سيبقون مكانهم إلى الأبد موجها كلامه إلى المستوطنين في (معالية أدوميم) وواعدا بزيادة سكانها من 26 ألفا إلى 78 ألفا ومستوطنة معاليه ادوميم التي تبعد بضعة كيلومترات عن الحدود الادارية لمدينة القدس تسعى اسرائيل لوصلها بالمدينة مع مستوطنات جبعات رئيف وكتلة عتصينون ولايمكن ان ننسى ان باراك قد عين ضمن وزارته اسحاق ليفي وزيرا للاسكان وهو من حزب المفدال المتطرف والذي طرح فور تسلمه الوزارة مناقصة علنية لبناء 589 وحدة استيطانية في مستوطنة بيتا عليت, وهذا التعيين لاسحاق ليفي لم يكن سوى حلقة من حلقات الاحكام الاسرائيلي على الوجود العربي في فلسطين وليس في القدس وحدها, فتواجد حزب المفدال بالرؤية العامة هو تواجد المؤدب لكل قرار يتخذه باراك ولا يصب بمصلحة اليهود المطلقة دون النظر لما يمكن ان يقدمه هذا التواجد من ابجديات مستقبلية تخص العملية السلمية, بل لعلنا نرى ان باراك لم يختلف هنا عن سلفه نتانياهو بل تابع مخططه كما تابع السابق مخطط اسحاق رابين الذي قرر توسيع مستوطنة معاليه ادوميم اكبر مستوطنات الضفة لوصلها بالقدس على ارض صادرها بلغت حوالي 1500 دونم, والمتأمل للموضوع من منظار واضح يرى بان باراك الذي قدم بعض العسل بكلام مسموم؟ (للعملية السلمية) بدأ وفور تسلمه السلطة بالتحضير لاقامة مساكن جديدة في حي رأس العامود او جبل ابو غنيم في مدينة القدس وبدعم من المليونير الامريكي اليهودي (ايرفينج موسكوفيتش) لاقامة 133 مستوطنة وسط الحي العربي. هذه الاشكال الاستيطانية رغم هولها تعتبر شكلا بسيطا امام الاعمال الاخرى التي تقوم فيها الحكومة الاسرائيلية ساعية لتهويد القدس, اضافة الى انها تحاول وباستمرار تجاهل الوضع الذي ستفرزه المرحلة النهائية من المفاوضات بل ان اسرائيل ما زالت تتبنى مقولة بن جوريون لا معنى لاسرائيل بدون القدس, ولا معنى للقدس بدون الهيكل؟!! والسؤال الآن هل تكتفي اسرائيل بهذا الشكل ام انها تسعى باشكال مختلفة للتهويد العام وليس الخاص بالقدس؟. تهويد ديمغرافي تسعى المنظمات الصهيونية المتطرفة باستمرار لتهويد الواقع الديمغرافي للقدس ومثال هذه المنظمات (عطيرات كهونيهم) التي اسست حوالي اربعين منزلا ومدرسة دينية ومازالت السيطرة الكاملة على منطقة (رباط الكرد) القريبة من باب الحديد والتي تدعي انه المبكى الصغير ومدعية ايضا انه امتداد (للمبكى) وهو في الواقع امتداد لحائط البراق الوقف الاسلامي, اضافة الى سعيها الدائم الى محاصرة الحرم الشريف. ولايمكن ان ننسى ان هذه المنظمة هي امتداد (لقدس واحدة) اليهودية التي مارست ومنذ احتلال القدس حربا ديمغرافية لطرد العرب وعدم السماح لهم بتجاوز 22% من السكان. ويمكن تلخيص العملية التهويدية بالمعطيات التالية التي تعتبر حاليا اشد وضوحا من السابق كونها قائمة على ارض الواقع نراها بالاشكال التالية: ـ طرد الفلسطينيين من القدس ومنعهم من الاقامة في القسم الغربي وحتى في الحي اليهودي من القدس الشرقية. ـ الغاء الصفة القدسية عن كل مواطن يخرج من القدس وعدم السماح له بالعودة مما ادى الى انخفاض كبير في نسبة الفلسطينيين مقابل اليهود فرد العرب على ذلك بالهجرة الداخلية الى البلدة القديمة حتى وصلوا اواخر 1998 الى 30% في المدينة القديمة فكان الرد الاسرائيلي بضم مستوطنات جديدة. ـ عدم اعطاء تراخيص للفلسطينيين منذ عام 1967 مما ادى الى تدهور الحالة العمرانية بشكل ملحوظ حيث لم تتم مشاريع البناء الفلسطينية الا بادنى معدلاتها 10% مقابل 90% لليهود. ـ ضعف الخدمات المقدمة للعرب ولسكان القدس الشرقية ومنعهم من ترميم منازلهم حتى لو استعملوا العنف من اجل ذلك. ـ المحاولة الدائمة لاقامة مشروع القدس الكبرى والسعي لضم القرى المحيطة خارج المدينة واعادة مشروع شارون القديم (بوابة حول القدس) . ـ تهميش الاحياء القديمة في القدس وجعلها احياء هامشية اقتصاديا واجتماعيا كونها تحمل الطابع العربي. ـ محاولات التضليل المستمر وخاصة فيما يتعلق بالمرحلة النهائية من المفاوضات وتقديم مشاريع طويلة الأمد حول موضوع القدس. ـ محاولة اظهار القدس بأنها عاصمة لإسرائيل بشتى الأساليب والطرق والتي كان آخرها محاولة إقامة معرض (القدس عاصمة لإسرائيل) في مدينة ديزني لاند في فلوريدا. البيت العربي إذا كانت كل هذه المحاولات تقدمها اسرائيل خدمة لشعبها فإن العرب مسلمين ومسيحيين ما زالوا يدركون الأهمية الخاصة لقدسية القدس التي تتمتع اضافة الى الحرم الشريف وحائط البراق بأماكن مقدسة اخرى نادرا ما نسمع ذكرها, وأهم هذه المواقع تتمثل بالمدارس الدينية الإسلامية التالية: الخاتنية والتنكزية والرغاتية والمنجكية وتكية كرد المنصوري وتكية النساء, اضافة الى الأماكن المسيحية والآثار الإسلامية والعربية الموغلة في القدم. وأمام هذا كله هل تبقى اسرائيل (تسرح وتمرح) كما يحلو لها ضاربة عرض الحائط بكل ما هو مقدس وعربي لتنشىء مكانه حائط مبكاها اليهودي أم اننا سنجعل اسرائيل تبكي على ارض لم تكن يوما لها!! وإذا كان السؤال الأخير فيه شيء من اللاموضوعية الآن فلماذا لا نبدأ ببناء موضوعيته ونحن ندخل القرن المقبل؟ لماذا لا نقف من جديد لنعيد ترتيب بيتنا العربي الذي ندرك انه الحل الوحيد لإعادة القدس بدلا من تعليق الآمال على باراك وما يقدمه من حلو الكلام أحيانا ومرارة الفعل دائما؟ وإذا كانت القدس حلما اسرائيليا فلماذا لا تكون واقعا عربيا بإيجاد عمق اسلامي مقترنا بالدور العربي المشهود من أجل اعادة الشكل الحقيقي والمنطقي للواقع أمام تحديات ندرك خطرها ولكنها ليست بمعجزة في ظل البيت العربي الواحد. * كاتب وصحفي فلسطيني مقيم بدمشق