عشية بدء مفاوضات الوضع النهائي للقضية الفلسطينية برزت قضية القدس كواحدة من ابرز قضايا الحل النهائي التي قد تفجر عملية السلام في المنطقة وتعيدنا الى اجواء اللا حرب واللاسلم التي عاشتها المنطقة منذ حرب اكتوبر عام 1973 وحتى الآن والجانب الفلسطيني في هذه المفاوضات الذي اعتاد على تقديم التنازلات الواحدة تلو الاخرى ابتداء من اتفاق اوسلو وخيار اريحا وغزة اولا مرورا باتفاقية طابا فاتفاقيات واي بلانتيشن الى اتفاقية شرم الشيخ يستعد لتقديم تنازلات بشأن القدس كما حدث وان قدم تنازلات بشأن مدينة الخليل ثاني اقدس المدن الاسلامية في فلسطين حيث اعترف بتهويد المدينة وتحويل الحرم الابراهيمي فيها ان كنيس يهودي يعرف الآن باسم مقبرة الانبياء. والحديث الجاري حاليا على الجانبين الاردني والفلسطيني بشأن الاشراف على المقدسات الاسلامية في القدس يصب في صالح اسرائىل. فالجانب الفلسطيني لم يتمكن في اتفاق اوسلو من وضع اية اشارة الى القدس الامر الذي يعني انه اعتراف ضمنا بالقدس عاصمة موحدة لاسرائيل بينما اصر الجانب الاردني عشية توقيع اتفاقية وادي عربة على الاشارة الى الدور الاردني في الاشراف على المقدسات واي تنازل اردني عن هذا الاشراف الآن سيخلق فراغا دينيا وسياسيا يصب في مصلحة اسرائيل التي ستبادر على الفور الى اعلان اشرافها على المقدسات الاسلامية في القدس. ومن هنا فان اي حديث بشأن الاشراف الديني على المقدسات الاسلامية في القدس لايخدم لا مصالح الاردنيين ولا مصالح الفلسطينيين بل يخدم العدو الذي مازال يرفض اي مساس بوحدة المدينة المقدسة. وترى الاوساط السياسية والحزبية والدينية الاردنية انه لابد وان يكون للاردن دور اساسي في مفاوضات الحل النهائي لان للاردن مصالح حيوية في هذه المفاوضات ومن بينها قضية اللاجئين والحدود والمياه والقدس والامن. وحسب هذه المصادر فان الحكومة الاردنية بدأت تستعد لاعداد قوائم بممتلكات الاردنيين في القدس اولئك الذين كانوا يسكنون المدينة قبل احتلالها في العام 1967 وبعده واضطروا الى تركها بسبب الاحتلال الاسرائيلي لهذه المدينة حيث ان هذه الاملاك موجودة الآن تحت حراسة قوات الاحتلال ويطلقون عليها اسم املاك العدد. ويطالب اهالي المدينة المقدسة المقيمون الآن في الاردن الحكومة باثارة هذا الموضوع خلال مفاوضات الحل النهائي اصحاب هذه الاملاك يحملون الجنسية الاردنية ومن حقهم على حكومتهم ان تدافع عن حقوقهم وممتلكاتهم. اهالي مدينة القدس والقرى المجاورة لها تدعو مؤخرا لتشكيل لجان للدفاع عن المدينة ووقعوا على وثيقة شرف ترفض التنازل عن اي جزء من مدينة القدس او قراها. الدكتور صبحي غوشة رئيس لجنة اهالي القدس يرى ان القدس ارض وقف اسلامي لايحق للسلطة الفلسطينية او غيرها التنازل عنها. ويعرب غوشة في حديث لـ (الملف السياسي) عن خشيته من تفريط السلطة الفلسطينية بالمدينة مشيرا في هذا الصدد الى ان معالم حل مسألة القدس في مفاوضات الوضع النهائي قد حسمت منذ فترة طويلة من خلال مايعرف باسم وثيقة عباس بيلين نسبة الى محمود عباس ابو مازن, امين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ويوسي بيلين الوزير الاسرائيلي في عهد حكومة اسحق رابين. ويقول غوشة ان هذه الوثيقة نصت على بقاء القدس موحدة وعاصمة لاسرائيل على ان تقام مدينة جديدة يطلق عليها اسم القدس لتكون عاصمة للجانب الفلسطيني. والقدس التي اتفق على تسميتها بهذا الاسم لتكون عاصمة لفلسطين هي بلدتي ابو ديس والعيزرية القريبتين من القدس حيث يتم حاليا توسيعهما واضافة العديد من المباني الحكومية فيهما لفرضهما على الشعب الفلسطيني باسم القدس. ويكشف غوشة النقاب عن ان هذه الوثيقة نصت على عدم ترجمة كلمة القدس الفلسطينية الى جيروزالم عند الاشارة اليها باللغة الانجليزية بل الاشارة اليها باسم القدس لكي تبقى جيروزالم او اورشليم تطلق على مدينة القدس التي اعترف بها أبو مازن عاصمة موحدة لاسرائيل. اما المقدسات الاسلامية وهي المسجد الاقصى وقبة الصخرة فقد نصت الوثيقة على وصلها بالقدس الفلسطينية من خلال ممر تحت الحراسة الاسرائيلية ويكون الاشراف الديني على المقدسات الاسلامية والمسيحية في المدينة لجهة تمثل الاديان السماوية الثلاثة الاسلام والمسيحية واليهودية وتشكل لجنة الاشراف من قبل اشخاص من الاردن وفلسطين واسرائيل. ولهذا السبب فان غوشة يرى باسم ابناء المدينة المقدسة ضرورة عدم ترك موضوع القدس للمفاوضات بل يدعو الى اتخاذ قرار عربي واسلامي حاسم يؤكد ان القدس وقف اسلامي لايجوز شرعا بيعه أو التنازل عنه. ويشير غوشه في هذا الصدد ان المحاولات الاسرائىلية لتفريغ القدس العربية من سكانها وذلك من خلال الضغط عليهم للتخلي عن الجنسية الاردنية التي يحملونها والحصول على الجنسية الاسرائىلية مع منحهم امتيازات حياتية ضخمة للانتقال من القدس الى مناطق اخرى في فلسطين بحيث يكون عدد الفلسطينيين في المدينة عند فتح ملفها لايتيح لاي طرف القول بان هناك اغلبية عربية في القدس الشرقية وهو الامر الذي يعني عدم حق اي طرف بالمطالبة بالانسحاب منها. ويرى ان خطط اسرائىل هذه تتوافق مع عجز السلطة على عمل اي شيء يثني هؤلاء المواطنين في بيوتهم كما يشير الى الاغراءات الضخمة التي تقدمها اسرائىل لشراء املاك ابناء القدس المقيمين في الخارج. ويضيف ان هذه الاغراءات كانت هي الدافع لتشكيل لجان القدس وتوقيع وثيقة الشرف بشأنها حيث تعاهد الجميع على عدم التفريط باي جزء من ارض مدينتهم. ويشير غوشه ايضا الى تصريحات يوسي بيلين وزير العدل الاسرائىلي في حكومة باراك وصاحب وثيقة عباس بيلين عندما طالب بتأجيل المفاوضات حول مستقبل مدينة القدس عدة سنوات وذلك لاستحالة التوصل الى اتفاق على هذه النقطة في الوقت الذي يحتمل انجاز اتفاقات في امور اخرى ومطالبة رئيس بلدية القدس ايهود اوعرت بعدم السماح بزيادة عدد العرب على عدد اليهود في المدينة المقدسة ويرى غوشة ان هذه المطالبات تخدم خطط اسرائىل الرامية لتفريغ المدينة المقدسة من العرب. احمد عبيدات رئيس وزراء الاردن الاسبق وعضو مجلس الاعيان والذي سبق له وان استقال من مجلس الاعيان احتجاجا على اتفاقية وادي عربة يرى ان المخرج الوحيد امام السلطة الفلسطينية في هذه المرحلة هو الدعوة الجادة الى مؤتمر وطني شامل يتم خلاله حوار فلسطيني موسع وديمقراطي تشارك فيه كل المؤسسات والفعاليات والقوى الفلسطينية المختلفة, ومن خلال هذا المؤتمر تستطيع السلطة الفلسطينية ان تضع الحقائق كاملة امام الشعب الفلسطيني والامة العربية والرأي العام الدولي والخروج بتصور متكامل لخطة جديدة للتفعيل مع التطورات الراهنة لعملية السلام شريطة ان تنطلق هذه الخطة من الثوابت الوطنية والقومية للشعب الفلسطيني وتهدف الى تعزيز وحدته الوطنية وتقوم على المطالبة بتطبيق قرارات الشرعية الدولية التي صدرت عن الجمعية العامة للامم المتحدة ومجلس الامن والمتعلقة بحل القضية الفلسطينية من جميع جوانبها. ويرى ان اتخاذ مثل هذا القرار يتطلب بالضرورة اعادة بناء الثقة بين ابناء الشعب الفلسطيني والسلطة. واضاف عبيدات انه اذا مااستمرت اسرائىل في سياسة فرض الامر الواقع على الشعب الفلسطيني والامة العربية فان على القيادات العربية ان تلتقي في اطار مؤتمر القمة وتكشف مسلسل الخداع الذي تمارسه اسرائىل لايهام العالم بان السلام قد حل مع العرب وان ما تبقى هو مجرد قضايا تفصيلية . عمان ـ تحقيق: خليل خرمة