على مر تاريخهم اتبع بنو اسرائيل وسائل شتى في اثبات ادعاءاتهم التاريخية والعقدية والسكانية, ولهذا سلكوا طريق تزييف وتزوير التاريخ على اعتبار انه الاساس في اثبات ما يدعون. ونود في هذا المقال ان نبين عددا من الحقائق التاريخية والدينية والبشرية التي ارتبطت بالتواجد اليهودي والاسرائيلي على الارض المباركة وعلى ارض بيت المقدس . اولا: الكنعانيون من اشهر الشعوب السامية في بلاد الشرق الادنى القديم التي خلّفت العديد من النقوش والكتابات التي تشهد على حضارة ومدنية هذا الشعب, وكيفية تعامله الاقتصادي وحياته الاجتماعية ومكانته السياسية واوضاعه الدينية. وترك الكنعانيون اثارا مهمة في سوريا وفلسطين. بل وتركوا اسمهم على جزء من فلسطين قبل مجيئ بني اسرائيل. ـ اليبوسيون: هم في الاصل جزء من الكنعانيين, ولكن اغلب استقرارهم في بيت المقدس, وهم الذين اطلقوا عليها اسم اور سالم, وقد استقروا في القدس والمنطقة المحيطة بها. ـ الفلسطينيون: وهم شعوب غير سامية استقرت على الساحل, هاجروا الى فلسطين في بدايات الالف الثالثة قبل الميلاد, وهم الذين ارتبط اسمهم الى الآن بهذه الارض. ـ العموريون: وهم سكان القدس في العصر البرونزي الوسيط اي حوالي 2300 ق. م. ثانيا: اور سالم وهي بيت المقدس, وتعني لغة: اساس السلام او اساس الاله سالم, وان كان المعنى الاول هو الارجح نظرا لكون المدينة ارضا للسلام والامن ويستخدم اليهود هذه اللفظة الى الان, وهي يبوسية الاصل مما يؤكد ان اليبوسيين هم سكانها الاصليون. وقد ظهر اسم اور سالم لاول مرة في مجموعة الالواح التي عرفت بما دعي بنصوص اللعنة التي عثر عليها في مصر سنة 1925. وتعود هذه النصوص الى فترة الاسرة الثانية عشر المصرية وبالذات الى عهد الملك سنوسرت الثالث (1879 ـ 1842 ق. م.). ثالثا: الوجود اليهودي في فلسطين وبيت المقدس ومنطلقاته الفكرية والعقدية والتاريخية: (1) تزعم التوراة ان الله تعالى اعطى فلسطين لابراهيم عليه السلام, وانها له ولنسله الى الابد, وان الرب سيجعل نسله كتراب الارض. ومن هذه الآية في التوراة يتخذ اليهود منطلقا لإثبات احقيتهم في فلسطين علما ان تكثير نسل بني اسرائيل وجعلهم كتراب الارض لم يتم ولن يتم ابدا فاليهود على اكثر الاراء مبالغة لا يتجاوزون الخمسين مليونا, وهم بهذا لا يستحقون الوعد التوراتي لانهم ليسوا كتراب الارض, ومن هم كتراب الارض في ضخامة الاعداد هم العرب والمسلمون. وان صح هذا الوعد, فانه يقابله قوله الله تعالى في القرآن الكريم: (واذ ابتلى ابراهيم ربه بكلمات فاتمّهنّ قال اني جاعلك للناس اما ما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين) . اي ان الله تعالى وعد ابراهيم عليه السلام الامامة في الدنيا والدين, فطلب ابراهيم الامامة لذريته فرد عليه الله تعالى ان الظالمين من ذريته لا ينالهم عهد الله, اما المؤمنون فتشملهم رحمة الله ووعده. وبنو اسرائيل كانوا, ومازالوا من الظالمين فلا ينالهم عهد الله. (2) بعدما نجى الله تعالى موسى عليه السلام وقومه من فرعون وجنده, وبعد كل هذا العناء والجهد الذي لاقاه موسى, نبيهم ومخلّصهم من الاستعباد والذل, من المفترض على بني اسرائيل طاعته واتباع امره, الا انهم قابلوا احسانه بالإساءة, والطاعة بالمعصية والاتباع بالتلكؤ والتأخر. وما كادوا يتحققون من نجاتهم من فرعون وجنوده حتى شغبوا عليه وارتكبوا معه شتى المعاصي. ولقد زخرت التوراة بل التراث الديني اليهودي بقصص وأدلة كثيرة تثبت ان بني اسرائيل لم يكونوا اهلا لتحمّل الرسالة والتوحيد, بل انهم لم يجدوا في دعوة موسى ما يشبع رغباتهم المادية واطماعهم الدنيوية. وقد اسفوا كثيرا على مغادرتهم مصر وودوا لو عادوا الى سابق عهدهم فيها, وتؤكد التوراة في سفر الخروج, 16: 2 ـ 3, هذه المعاني. بل انهم بعد نجاتهم مباشرة رأوا اناسا يعبدون اصناما لهم, فطلبوا من موسى ان يجعل لهم الها اسوة بهم. حيث يقول تعالى: (وجاوزنا ببني اسرائيل البحر فاتوا على قوم يعكفون على اصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا الها كما لهم الهة, قال انكم قوم تجهلون. ان هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون) وهذا الاصرار على عبادة الاصنام يدل على اتّباعهم وايمانهم بالاصنام في مصر, وتمكن الديانة المصرية من نفوسهم وعقولهم قبل ان يأتيهم موسى. ثم تمردوا على موسى بسبب الماء والطعام على الرغم من ان الله تعالى قد يسر لهم الوصول الى الماء والحصول على الطعام. ثم عصوا الله بعبادتهم للعجل, حيث تتحدث التوراة عن ذلك في الاصحاح الـ 32 من سفر الخروج, كما ان القرآن الكريم يتحدث بصورة واضحة عن هذه الردة. وعلى الرغم من تتابع الحجج والآيات وسبوغ نعمة الله عز وجل عليهم الا انهم طلبوا رؤية الله تعالى واشترطوا على موسى انهم لن يؤمنوا حتى يروا الله جهرة, فعاقبهم الله تعالى بالصاعقة تأديبا لهم وانتقاما منهم. وعندما توجه موسى نحو ارض كنعان, حاول تشجيعهم على دخولها ومحاربة اهلها, ولكنهم جبنوا عن المواجهة وهابوا القتال, وصاحوا بموسى واخيه: (ليتنا متنا في ارض مصر, او ليتنا متنا في هذا القفر, ولماذا اتى بنا الرب الى هذه الارض لنسقط بالسيف, وتصير نساؤنا واطفالنا غنيمة) . (سفر العدد, 13: 30). ويصور القرآن اصدق تصوير جبن وخيانة وعصيان بني اسرائيل في قوله تعالى: (يا قوم ادخلوا الارض المقدسة التي كتب الله لك ولا ترتدوا على ادباركم فتنقلبوا خاسرين, قالوا يا موسى ان فيها قوما جبارين وانا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فان يخرجوا منها فإنا داخلون) ثم قالوا: (فاذهب انت وربك فقاتلا انا ها هنا قاعدون) . وكان عقابهم هذه المرة: (قال فإنها محرمة عليهم اربعين سنة يتيهون في الارض فلا تأس على القوم الفاسقين) . وبعدما ضرب الله تعالى على بني اسرائيل التيه والضياع في الصحراء. وبعد هلاك الجيل الذي عاصر موسى عليه السلام وتعود حياة الذل والهوان في مصر, وظهور جيل جديد, مؤمن, موحد, آل امر بني اسرائيل الى فتى موسى, يوشع بن نون. وقد وضع كتبة التوراة قصصا وحكايات وروايات تبعد كثيرا عن الحقيقة وتلصق التهم بهذا النبي وتصفه بصفات الخسة والتعطش للدماء والرغبة في القتل. وحتى ما ذكره العهد القديم من غزوات اسرائيلية على بعض قرى فلسطين, يبدو انه مبالغ فيه كثيرا, وما هي الا من خيال كتبة التوراة وتحريفاتهم وتخريفاتهم واكاذيبهم. وهذه الغزوات لا تعدو كونها عبارة عن حملات وغارات في فترة عصيبة كانت تمر بها بلاد الشرق الادنى القديم. وكانت في صالح بني اسرائيل, اما التهويل في القتل وسفك الدماء فهو من مخيلة كتبة التوراة وليس من التاريخ الحقيقي للنبي يوشع عليه السلام. اما تمكين بني اسرائيل من دخول فلسطين مع يوشع فهو ليس لكونهم ابناء الرب بل لكونهم صالحين موحدين, مطيعين لاوامر ربهم في تلك الفترة من تاريخهم. وبعد وفاة يوشع يبدأ عهد جديد في تاريخ بني اسرائيل في الارض المقدسة وهو ما يسمى بعصر القضاة. ولم يكن القضاة قضاة بالمعنى المفهوم, بل كانوا قادة محاربين ومنفذين لاوامر الرب, ولم يكونوا خلفاء لبعضهم البعض حيث تعاصر اكثر من واحد في وقت واحد. كذلك لم يكن في هذه الفترة ملوك لبني اسرائيل. وتمتلئ التوراة بقصص وأخبار هؤلاء القضاة وتختلف هذه القصص في الأحداث والتواريخ بل وتتعارض احيانا, وتبلغ اعداد هؤلاء القضاة حوالي 15 قاضيا, ولم يكن بنو اسرائيل يؤلفون امة واحدة متماسكة. وفي هذا العصر تفشى الظلم والفساد وارتكاب المنكرات بل وعبادة الاوثان بين بني اسرائيل وارتكسوا الى مهاوي الرذيلة والفجور على الرغم من محاولات انبيائهم في نصحهم وارشادهم. وبعد فترة طويلة من حياة الخضوع والخنوع قرر بنو اسرائيل التخلص من حكم القضاة وبدء حكم الملكية. ويبدو ان الاصرار على قيام الحكم الملكي كان بهدف التجمع للتخلص من حياة الاستعباد, اضافة الى ان الشعوب المحيطة ببني اسرائيل كانت تحكم بنظم ملكية. حينها اجتمع شيوخ بني اسرائيل وطالبوا نبيهم صموئيل بتتويج ملك عليهم, فاختار لهم شاؤول من سبط بنيامين ملكا, الا ان الشيوخ رفضوا وترددوا في قبوله, فحذرهم نبيهم غضب الرب, ثم قبلوا على مضض. ويسجل القرآن الكريم هذه القصة في الآيات من 246 الى 248 من سورة البقرة. وهذه الآيات تبين بوضوح مدى تمرد بني اسرائيل على اوامر ربهم وتعاليم انبيائهم, كما تسجّل ايضا جبنهم وخوفهم من المواجهة حتى ولو كانت المواجهة في سبيل شرفهم واستقلالهم. ويعتبر طالوت اول ملوك بني اسرائيل, وقد تحدثت التوراة عن تعنّت وصلف بني اسرائيل مع ملكهم واحتقارهم له. وبالغ كتّاب التوراة كعادتهم في أعداد الأعداء الذين واجههم بنو اسرائيل. وقد قتل طالوت في إحدى المعارك فخلفه داوود عليه السلام ملكا على بني اسرائيل, والتف بنو اسرائيل حول داوود, واختاره الله تعالى للنبوة وأنزل عليه الزبور, وآتاه الله الحكمة وفصل الخطاب. واسس مع ابنه من بعده مملكة التوحيد التي تؤمن بالله ربا وبالاسلام دينا كما اشارت الى ذلك العديد من ايات القرآن الكريم. وطبعا هذا النصر والتمكين وقيام دولة بني اسرائيل في الارض المقدسة ليس لكونهم شعب الله المختار بل لانهم مؤمنون, موحدون, يترأس دولتهم نبي وملك كريم. وهذا اعتقادنا منبثق من آيات الله الكريمات ومن أحاديث النبي محمد صلى الله عليه وسلم ولا يعني ان اقرارنا بملكية داوود في الارض المقدسة هو اقرارنا لاغتصاب يهود لهذه الارض في العصر الحديث فالبون شاسع بين حكم داوود النبي الكريم, المؤمن وبين حكم يهود الظالمين المنحرفين عن المنهج الصحيح في هذه الايام. مهما ادعوا في التوراة وحرفوا فيها بحيث يتلاءم ذلك مع تخريفاتهم واساطيرهم واكاذيبهم وحقوقهم المزعومة في فلسطين. وعلى الرغم من ان مملكة بني اسرائيل قامت بصورة حقيقية على يد داوود عليه السلام الا ان التوراة تمتلئ بالاكاذيب والافتراءات حول هذا النبي الكريم وتتهمه بالخيانة والشهوانية والتعطش للدماء وقتل الانفس بغير الحق واستعباد الناس وتسخيرهم وتعذيبهم. وطبعا هذه الصفات تتفق مع نفسيات بني اسرائيل المريضة, المتهالكة على حطام الدنيا, فهم لا يريدون ملكا يحكم بشرع الله وينادي بالتوحيد بل يريدون حاكما ظالما, غشوما, سفّاكا للدماء كحالهم اليوم في فلسطين. ويبدو ان المشكلة في ان كتّاب التوراة لم يفرقوا بين ملوك الدنيا المجاورين لهم وبين الملك النبي داوود عليه السلام. والنبوة تعصم صاحبها من المعاصي والفواحش والمنكرات والذنوب, وروايات التوراة تتعارض تماما مع عصمة الانبياء, ولكن هذا ديدن يهود في ابراز انبيائهم بهذه الطريقة ليسهل عليهم بعد ذلك تقليدهم واتباعهم وتبرير افعالهم السيئة. وبعد داوود تولى ابنه سليمان عليه السلام الملك وكانت فترة حكمه هي الفترة الذهبية في تاريخ بني اسرائيل على مر تاريخهم الطويل. وطبعا هذا لكون سليمان عليه السلام نبيا ملكا وليس لان بني اسرائيل شعب الله المختار. ولقد كان عليه السلام سياسيا حكيما ومحاربا عظيما واداريا قديرا. وترد في القرآن ايات متعددة عن نبي الله سليمان عليه السلام تصفه بأحسن الصفات وتمتدح حكمه وتصف علمه وحكمته وتواضعه وإيمانه بالله تعالى وشكره لربه عز وجل. اما التوراة وكعادة كتّاب يهود, تورد ان سليمان اول ما تولى الحكم قتل جميع منافسيه ليستريح من متاعبهم كما قتل اخاه ادونيا وقتل يؤاب قائد جيشه وهو ممسك بقرون المذبح مستجيرا من القتل وقتل شمعي احد كبار رجالات دولة ابيه. وتبالغ التوراة في ذكر الرفاهية والبذخ والإسراف في قصره, كما تتهمه بارتكاب عدد من الانحرافات والمخالفات الدينية. وتذكر التوراة انه عصى الرب وان قلبه مال عن رب اسرائيل واتبع آلهة اخرى ولم يحفظ وصية الرب في عدم اتباع غيره, مما ادى الى غضب الرب عليه. ووصف التوراة للأنبياء وبالذات داوود وسليمان بهذه الصفات نابع من رغبة يهود في تبرير اعمالهم المشينة وجرائمهم السيئة, وهذا اعتقاد وركن اساسي في عقيدة يهود وما يقومون به من اعمال وحشية وارهاب يتفق مع ما ورد من روايات واكاذيب عن الأنبياء والملوك الصالحين. اما الهيكل فان العهد القديم والكتّاب اليهود صوروه بصورة عظيمة, وانه استخدم في بنائه كميات ضخمة جدا من الذهب والفضة والاخشاب والحجارة والنحاس. وبلغ شأنا عظيما في الاتساع والجمال والزخرفة والتنظيم. ولا يمكن رسم صورة حقيقية او حتى قريبة للهيكل اعتمادا على روايات التوراة. وعلى الرغم من هذا التهويل اليهودي من شأن الهيكل الا ان البعض يعتقد انه لم يكن بالفخامة التي صور بها, اضافة الى ان الهيكل لم يبنه بنو اسرائيل بأيديهم بل بأيدي فنانين ومعماريين ومهندسين فينيقيين الذين بنوه على غرار ما كان لديهم من مبان وعمائر. وعلى اية حال فان المعبد الذي بناه سليمان قد دمر تماما على يد بنوخذنصر الثاني البابلي عندما غزا بيت المقدس عام 586 ق. م. حيث نهب الكلدانيون المدينة واشعلوا فيها النيران واحرقوا القصر الملكي والمعبد, وضاعت كل آثاره واحرقت كل محتوياته. ثم أعاد يهود بناء الهيكل عام 515 ق. م. ايام الملك الفارسي درايوس الكبير, وبقي مركزا للعبادة وممارسة الطقوس حتى عام 71/70م. حيث دمر الامبراطور الروماني تيطس بيت المقدس ونقض اساسات المعبد وهدمه وحرث ارضه حتى ضاعت اثاره ومعالمه تماما ولم يتبق منه شيء لدرجة ان الناس نسوا مكانه. وقد اكمل الامبراطور هادريان عام 135 مسح اثار المعبد ان بقيت هناك آثار بعد ثورة اليهود على الرومان, وامر بتدمير بيت المقدس كاملا وابتنى فوقها مدينة جديدة سماها ايلياكابيتوليا, كما اسس فيها معبدا للإله جوبتير وهذا المعبد ليس له علاقة اطلاقا بالمعبد القديم لا في المكان ولا في الهدف التعبدي. ونحن نقر حقيقة مهمة ان دولة بني اسرائيل توحدت فقط في عهدي داوود وسليمان ثم حدث الانقسام الى مملكتين, اسرائيل التي تعرضت لغزوات الآشوريين, حتى ازالوها في عهد سرجون الثاني الذي هجر اعدادا كبيرة من سكان المملكة الى شمال بلاد الرافدين واسكن بدلا عنهم اناسا من منطقة الخليج العربي وعددا من العرب الرحّل. ومملكة يهوذا التي ازالها بنوخذنصر في عام 586 ق. م. بعد حصار بيت المقدس لمدة سنة وشهر, حتى نفدت الاقوات وانتشرت المجاعات والامراض بين اليهود, حتى اقتحم الكلدانيون القدس فقتلوا ونهبوا وسبوا حوالي 40 الفا من اليهود وعرف هذا السبي بالسبي البابلي وبقي اليهود في بابل حتى عام 539 ق. م. حتى اعادهم قورش الكبير الى فلسطين, وفي عهد داريوس الكبير اعادوا بناء المعبد. وخضعوا للاسكندر المقدوني ثم للسلوقيين ثم للرومان وفي خلال خضوع اليهود لتلك الدول قاموا بعدة ثورات اشهرها ايام الملك السلوقي انطيوخوس الرابع الذي قضى على ثورتهم بعنف وقسوة. ونؤكد حقيقة اخرى هي ان بني اسرائيل لم يتوحدوا الا مرة واحدة فقط, في أيام داوود وسليمان عليهما السلام, ثم رجعوا منقسمين يحارب بعضهم بعضا وقضوا قسما كبيرا من تاريخهم خاضعين للدول المسيطرة على فلسطين وسوريا. وان توحدهم وايمانهم بالله تعالى وطاعتهم لأوامر انبيائهم هي التي مكنت لهم من حكم فلسطين وليس كونهم شعب الله المختار او ان الرب وعدهم فلسطين في كل احوالهم من الظلم والافساد والاجرام. وعلى الرغم من تعدد احداث التاريخ الاسرائيلي الا ان عددا من العلماء الاوروبيين من أمثال البروفيسور توماس ل. تومبسون, من جامعة كوبنهاجن, يرون ان البحث عن واقية القصص التوراتية في التاريخ عبارة عن اضاعة للوقت, وهذه القصص لا توجد لها صلة في التاريخ والآثار والواقع, وقد سجل تومبسون هذا الاعتقاد في كتابه: The Early of the Israelite People from the Written and Archaeological Sources. ومن امثلة تزوير التاريخ على ايدي يهود ما قام به المؤرخ اليهودي: David M. Rohl في كتابه: Pharaohs and Kings: A Biblical Quest, New York, 1995, الذي اعلن وجوب ربط تاريخ مصر بتاريخ اسرائيل, وان كل ما سجل في السجلات المصرية القديمة يجب مقارنته بالاحداث الواردة في العهد القديم. وعلى الرغم من ان عددا من المؤرخين والآثاريين يرون انه من اكبر مشاكل التاريخ والآثار ان عهدي داوود وسليمان وغيرهما من ملوك وأنبياء بني اسرائيل, لا توجد لهم مخلفات اثارية كثيرة على الرغم من شهرتهم الواسعة. الا ان المؤلف يعتقد بضرورة اعادة صياغة التاريخ والأحداث بما يتناسب مع الأحداث التوراتية. والعجيب ان العلماء الاوروبيين انفسهم يعتقدون انه على الرغم من كل احداث التاريخ اليهودي الا انها لا تثبتها الآثار, على الرغم من شهرة مدن مجدو وجزير وحازور والقدس نفسها في بعض الاحداث التوراتية واليهودية. وتوجد فقط بعض الاثار البسيطة والمواد المعدنية, وكلها لا تدل على عهد سليمان العظيم او اي من ملوك اسرائيل. وحتى اثار المناطق المجاورة مثل صيدا وجبيل التي كانت على صلة قوية بسليمان حسب روايات العهد القديم, الا انها ايضا لا تزودنا بدلائل واضحة على تلك الصلة, وهذا ما أكده كل من: I. B. Pritchard في كتابه: Solomon and Archaeology in the Holy في كتابه: K.M.Kenyon و Sheba, London. 1974. The Proto-Aeolic Capital and قي كتابه: Y.Shiloh و Landon, 1960. Isralit Ahlar Masonry, (Qedem 11,Jerusalem, 1979. ويرى المؤلف ان قصص العهد القديم صالحة ومتوافقة مع الاحداث التاريخية القديمة, خاصة ان العهد القديم هو عبارة عن وثائق قديمة, وهو في الوقت نفسه يحكي قصة امة. ومن خلال مكتشفات بعض المومياءات في وادي الملوك, قام المؤلف بتحليلات لهذه الاستكشافات لإثبات وجهة نظره. وبذل المؤلف جهودا كبيرة في تحريف وتغيير الاحداث والأزمنة والوقائع بحيث يتناسب مع ما يدعيه بنو اسرائيل من أصالة تواجدهم وعمق ارتباطهم التاريخي بارض فلسطين وبيت المقدس. لدرجة ان قارئ الكتاب يشعر بالاشمئزاز من كثرة الكذب والتزوير, حتى ان حقائق معروفة في تاريخ الشرق الادنى القديم والتاريخ الفرعوني اصبحت محرفة لتوافق تخريفات العهد القديم. اذن فادعاءاتهم الان وقيامهم بمثل هذه التظاهرة في والت ديزني ما هي الا حلقة في سلسلة الافتراءات التاريخية التي اتبعوها على مر تاريخهم, وتؤكد توراتهم وانبياؤهم مدى كذب وافتراء هذا الشعب وتطاولهم على الله تعالى وبذلهم كل الجهود في الافساد في الارض مهما كلّف الأمر. قسم التاريخ والآثار ـ جامعة الامارات