منذ ايام, انطلقت المفاوضات الاسرائيلية الفلسطينية حول الوضع النهائي وذلك بعد تعثر كبير عرفه مسلسل تطبيق اتفاقية اوسلو, التي كما هو معلوم اعتمدت على مقاربة تجزيئية استهدفت التصدي للمشكلات عبر مراحل, شهدت تواصلا واضحا من طرف اسرائيل في تنفيذ الالتزامات الملقاه على عاتقها , واذا كان الحديث جاريا حول امكانية التوصل الى اتفاق نهائي في ظرف سنة, فإن الامر قد يعدو من باب التفاؤل المبالغ فيه, ومرد ذلك الى ان خبرة المفاوضات السابقة التي انصبت على قضايا انتقالية قد استمرت سنوات في حين ان الامر حاليا يتعلق بتسوية نهائية تتطلب من المفاوض الفلسطيني الكثير من الاناة والصبر قبل الاقدام على خطوات من شأنها ان ترهن مصير الشعب الفلسطيني برمته وفي نفس السياق فإن القضايا التي يتمحور حولها التفاوض محفوفة بالكثير من التباعد في المواقف الامر الذي يجعل امكانية تقريب وجهات النظر حول مسألة بالغة الصعوبة وتقف في مقدمة هذه المشكلات, ما يعرف بقضية القدس, وقد لا نبالغ اذا قلنا ان القدس هي مفتاح الحل والتسوية في المنطقة وكما هو معروف فإن خصوصيتها تعود الى عالميتها فهي ليست فقط قضية فلسطينية ولا قضية عربية, ولكن بمستويات اخرى هي قضية تهم المسلمين والمسيحيين ومرد ذلك الثروة الحضارية والروحية التي تزخر بها وتميزها عن باقي المدن في العالم. السؤال الاساسي الذي نود الاجابة عليه هو معرفة التصورات المختلفة الموجودة حول هذه المسألة وكيف يدرك الآخر احتمالات تسوية هذه المسألة المشحونة بالرموز ولا سيما الاطراف المعنية او المهتمة بهذه المسألة. القدس عربيا وإسلاميا يتلخص الموقف العربي اجمالا في ان قضية (القدس) هي جزء لا يتجزأ من القضية الفلسطينية ومن ثم فإن التاريخ والقانون الدولي يدعمان السيادة العربية على مدينة القدس, ومن ثم فقد سعت الى رفض اجراءات التهويد التي كانت تسعى اسرائيل من خلالها الى طمس المعالم العربية وفرض الامر الواقع, وقد استندت اطروحة عروبة القدس على عدة حجج منها ما يستند الى التاريخ, ومضمنها ان مدينة القدس رغم التحولات التي عرفتها كانت منذ نشأتها الاولى على يد اليبوسيين العرب وحتى الوقت الحاضر عربية اسلامية عدا فترات وجيزة تعرضت فيها للغزو من طرف اقوام آخرين كالعبرانيين والاشوريين والبابليين والفرس والبطالمة والرومان. وعلاوة على ذلك فإن هذا الحكم العربي الطويل لم يمنع باقي اتباع الديانات الاخرى من ممارسة شعائرهم في ظل التسامح وثانيا فإن هذه الاستمرارية العربية في السيادة على القدس لا يمكن ان يلغيها نظام الانتداب الذي فرض على فلسطين في اطار اتفاقيات فرساي. فهذا النظام كما تحدد فلسفته الاصلية هو مساعدة السكان على النهوض باحوالهم والارتقاء بها حتى يتسنى لهم تقرير مصيرهم بأنفسهم, ومن المعلوم انه في ذلك الوقت, فإن اغلبية السكان كانت من العرب ولم يبدأ النزوح اليهودي بتواطؤ من السلطات البريطانية إلا بعد صدور اعلان بلفور الذي وعد بوطن قومي لليهود. ثالثا: ان اخلال بريطانيا في القيام بالتزاماتها ابان الانتداب وصدر قرار التقسيم بناء على القرار 181 للجمعية العامة للامم المتحدة الصادر في نوفمبر 1947 لايمكن ان يعتبر سببا لتغيير السيادة العربية على القدس, فهو في الوقت الذي تحدث عن التقسيم, فإنه تحدث عن وضع خاص لمدينة القدس, وقد اعتبر المبعوث الاممي انذاك الكونت برنادوت الذي اغتالته الصهيونية ان القدس لا يمكن إلا ان تكون اقليميا عربيا في اي مشروع لتقسيم فلسطين لنسجل ما كتبه ردا على احتجاج موشي سريد وزير خارجية اسرائيل: تقع القدس في قلب ما يجب ان يكون اقليما عربيا في مشروع لتقسيم فلسطين, واية محاولة لعزل هذه المنطقة سياسيا او بغير ذلك عن الاقليم المحيط بها تثير مصاعب جمة هذا الى انني مع ادراكي الكامل لما تثيره عن القدس من اهمية لدى الطائفة اليهودية بفلسطين, لاسباب تاريخية وغيرها, فإنه يلاحظ ان احدا لم يفكر في اي وقت بادخال القدس في الدولة اليهودية ولذلك فإن مركز هذه الدولة لا يكون قد مسه شيء. وقد كرست القرارات التي صدرت عن مجلس الامن بعد حرب 67 هذا التوجه فهي عندما تتحدث عن الانسحاب من كافة الاراضي التي احتلت فإن منطوقها يفيد ان الامر يتعلق كذلك بالقدس. لذلك فإن الاطروحة العربية المؤكدة على عروبة القدس لا تنطلق من فراغ بل تستند الى اسانيد قانونية وتاريخية بالرغم من التنوع الذي يعرفه المجتمع الاسلامي, فلا مناص من التذكير ان احراق المجسد الاقصى شكل الدافع لاول مؤتمر للقمة الاسلامية الذي انعقد في الرباط في سنة 1969 وقد نص ميثاق منظمة المؤتمر الاسلامي التي انبثقت فيما بعد هذه القمة في مادته الخامسة على ان المنظمة تهدف الى تنسيق العمل من اجل الحفاظ على الاماكن المقدسة وتحريرها ودعم كفاح الشعب الفلسطيني ومساعدته على استرجاع حقوقه وتحرير اراضيه وهذا يعني ان منظمة المؤتمر الاسلامي قد جعلت من القضية الفلسطينية وقضية القدس خاصة هدفا اساسيا من اهدافها وقد كرست كافة البيانات الصادرة عن القمم الاسلامية, وكذا مؤتمرات وزراء الخارجية شرعية الكفاح الفلسطيني ضد الاستعمار الصيهوني, وكذلك استرجاع كافة حقوقه الوطنية. ونظرا للمكانة الخاصة التي تحتلها قضية (القدس) في المنظومة الاسلامية فقد انشأت لجنة القدس والتي استهدفت وضع وتنفيذ البرامج والخطط الكفيلة بالمحافظة على عروبة القدس واسلاميتها وعودتها الى السيادة العربية, والعمل على الحصول على المزيد من الدعم للحق العربي والاسلامي على الساحة الدولية لقد استندت رئاسة هذه اللجنة الى العاهل المغربي الراحل الحسن الثاني, وقد عقدت منذ تأسيسها ما يناهز اكثر من عشرين اجتماعاً توخت من خلالها التصدي للاجراءات الاسرائيلية الهادفة الى فرض سياسة الامر الواقع, كما هو الأمر بالنسبة لتشييد مستوطنات, واقامة الهيكل على انقاض المسجد الاقصى المبارك وكذا مواجهة بعض المبادرات الهادفة الى مسايرة الطرح الاسرائيلي القاضي باعتبار القدس عاصمة لاسرائيل وبالتالي الدفع بالدول, لاسيما منها الغربية الى نقل سفاراتها الى هناك. ان مواجهة السياسة الاسرائيلية في مواجهة القدس العربية لا يتطلب فقط مواقف سياسية بل يفرض كذلك ضرورة حشد امكانيات مادية لمواجهة مخطط تهويد القدس ومن هذا المنطلق فقد اعتمدت لجنة القدس في دورتها الخامسة عشر قرار احداث المؤتمر الثالث والعشرين لوزراء خارجية الدول الاسلامية المنعقد في غينيا 1995 وقد حددت المادة الثالثة اهداف الوكالة في : انقاذ القدس, وتقديم العون للسكان الفلسطينيين والمؤسسات التعليمية في الدولة الفلسطينية, والحفاظ على المسجد الاقصى والاماكن المقدسة الاخرى في المدينة وتراثها الحضاري والديني والثقافي والعمراني وترميمها, وبالرغم من الهيكلة التي خضعت لها هذه الوكالة فليست هناك معطيات متوفرة تبين ما اذا كانت مختلف الدول الاسلامية قد استجابت للنداءات المتكررة للعاهل المغربي الراحل وكذلك الزعيم ياسر عرفات من اجل تمويل هذه الوكالة ومدها بالامكانيات اللازمة لعملها. وبصفة عامة فإن الموقف العربي والاسلامي واضح على مستوى القرارات لكنه يبقى قاصرا على مستوى المبادرات الفعلية من اجل فرض احترام اسرائيل للشرعية الدولية وبالتالي استرجاع كافة الاراضي بما فيها القدس واكثر من ذلك استقطاب الاطراف الفاعلة في النظام الدولي لمشاركة هذا الطرح. الموقف الامريكي والاوروبي تقف السياسة الامريكية على الاقل على المستوى الحكومي موقفا يتوخى مسايرة الدور الامريكي في المنطقة, والذي تحول منذ التسعينات الى راع محتكر لعملية السلام مع افول الدور الروسي, وفي الوقت الذي تجد فيها نفسها اكثر تعاطفا مع الاطروحة الاسرائيلية التي تعتبر القدس بمثابة عاصمة ابدية وخالدة لاسرائيل فهي في نفس الوقت تساند الطرح القائل بأن تبقى القدس مدينة موحدة لكن فضلا عن ذلك تعتبر ان وضعها النهائي يجب ان يتقرر عن طريق التفاوض, ان هذا الموقف الذي تحاول ان يستند اليه البيت الابيض يسعى في العمق الى التوفيق بين المصالح المتباينة للولايات المتحدة في المنطقة وحرصها بالظهور كوسيط وبين الضغوط التي تمارسها بقوة اللوبيات المساندة لاسرائيل داخل الكونجرس, والتي افضت الى استصدار قرار يطالب الرئيس الامريكي نقل السفارة الامريكية من تل ابيب الى القدس وهو الامر الذي مازالت الادارة الامريكية تستبعده. في عملية السلام في الشرق الاوسط تقدم اوروبا على اساس انها تقوم فقط بدور مكمل او مساعد للدور الامريكي المركزي فهو لا يعتبر منافسا للخط الامريكي ولا تملك اوروبا المقومات الكافية لقيادة عملية السلام في المنطقة بل ان مهتمها الاساسية كما رسمها مبعثوها الى المنطقة ميجيل موراتينوس هي المساعدة على بناء جسور الثقة بين اسرائيل والعرب, واجمالا يؤكد الموقف الاوروبي الذي تمت بلورته لاسيما في سنة 1980 من خلال ما عرف ببيان البندقية على : ـ عدم قبول اية مبادرة تتخذ من جانب واحد وتستهدف تغيير وضعية القدس, وهو امر يتوخى رفض الاجراءات الاسرائيلية الهادفة الى طمس معالم القدس العربية. ـ وجوب ضمان اي تفاق يخض وضعية المدينة, حق حرية الدخول الى الاماكن المقدسة, وهو امر لا يختلف عليه اي طرف بما فيه اسرائيل وان كان يطرح مسألة الاشراف على هذه المؤسسات الدينية. ـ الاعتراف بالاهمية الخاصة التي تكتسبها قضية القدس بالنسبة الى كل الاطراف اي ضرورة تمكين كافة الديانات من ممارسة شعائرها بحرية. من الواضح انه في الوقت الذي تستند فيه الاطروحة العربية على شرعية قانونية دولية تزكيها القرارات التي اصدرتها الجمعية العامة فإنه يلاحظ ان هذا الملف يبقى شائكا ويتطلب من المفاوض الفلسطيني الكثير من الحبكة لاستثمار هذه المساندة وعدم الاقدام على تنازلات قد لا تستجيب لهذه الحقوق فالتأكيد على تطبيق المقررات الدولية, ولاسيما القرارين 242 و338 يشكل حدا ادنى لا يمكن التخلي عنه في مفاوضات الوضع النهائي التي تبدو عسيرة وشاقة. * استاذ العلاقات الدولية, جامعة محمد الخامس الرباط