لم يخمد الغضب العربي الذي قادته الامارات العربية المتحدة, لأن هذا الموقف الذي يأتي من واحدة تعد من كبريات الشركات الامريكية والعالمية إنما يحمل في جنباته العديد من التساؤلات والتداعيات حول النوايا الأمريكية تجاه قضية القدس وما يحمله من دعم لتزييف الواقع التاريخي والسياسي لتلك المدينة, والموقف الغربي عامة , واذا كانت الشركة الكبرى قد تراجعت عن موقفها لدرء الخسائر ورد التهديدات العربية التي حاصرتها, انما لم يعني هذا تحولا في الموقف الامريكي الذي تمثل هذه الشركة جانبا كبيرا منه, فلم تتراجع الشركة عن تضمين جناح خاص لاسرائيل ضمن معرضها, حتى وان احجمت دول اخرى عن الاشتراك في المعرض بسبب التواجد الاسرائىلي. حول هذه الأزمة وتداعياتها وقضية القدس اجرى (الملف السياسي) في هولندا حواراً مع: الدكتور عبد المجيد شيخون مدرس التاريخ الاسلامي وعضو معهد الثقافات العربية ومراقب شؤون الشرق الاوسط بداية بالتداعيات والآثار التي سببها اعلان شركة والت ديزني قبل التراجع فيقول: الغضب العربي الذي قادته الامارات العربية ضد شركة والت ديزني يأتي في وقت يتسم بالحساسية أكثر من أي وقت مضى, حيث تمر عملية السلام بمنعطف تاريخي خطر يضعها أمام احتمالين لاثالث لهما, الاول نجاح التحرك العربي في دفع المفاوضات الى مرحلة اعلان دولة فلسطينية عاصمتها القدس وهو الأمر الذي تعلق عليه الادارة الفلسطينية الآمال, والاحتمال الثاني تفاقم حدة الخلاف حول القدس وعودة عملية السلام لنقطة الصفر وربما قبل هذه النقطة, الأمر الذي يعني تفجر الاوضاع في المنطقة العربية, وليس من المستبعد نشوب حرب من نوع جديد غير الحروب التقليدية التي عرفها العرب في صراعهم مع المحتل الاسرائيلي, الذي فرض الأمر الواقع على كل الشعوب العربية بمساندة أوروبية ـ امريكية, جعلت من اسرائيل حقيقة قبلت الحكومات العربية بوجودها, وارتبط عدد من الحكومات العربية بعهود ومواثيق مع اليهود, بعض من هذه الارتباطات اعلنت تفاصيلها واخرى بقيت حتى هذه اللحظة سرية خشية حدوث مزيد من الغضب وإثارة مشاعر الشعوب الاسلامية, كما تتطلع حكومة دمشق لاستعادة مرتفعات الجولان السورية وعقد اتفاقية سلام مع "اسرائىل" وفق الشروط السورية, وتنظر لبنان لكل من الادارة الفلسطينية وحكومة سوريا بعين من الترقب حيث يقع الجنوب اللبناني في محطة التطورات السياسية رهن تحقيق سلام (فلسطيني - اسرائيلي) من ناحية و (لبناني - اسرائىلي) من جهة اخرى, وسط كل هذا تبقى قضية هوية القدس التي يمكن لها ان تغير مجرى التاريخ في المنطقة العربية كلها, وقد تؤدي لتفجير مشاعر المسلمين من عرب وغيرهم, وحكومة المحتل الاسرائيلي على دراية كاملة بهذه الملابسات والتداخلات التي تجعل من ملف القدس قضية القضايا, واسرائىل تستخدم بين وقت وآخر محكات سياسية لاختبار مدى قدرة وارادة قادة ورؤساء الحكومات العربية على التمسك بالقدس, هذا اضافة إلى أن اسرائيل بحكوماتها المتعاقبة بمختلف توجهاتها السياسية اتجهت خلال العقد الاخير لسياسة الايعاز لامريكا وتحريضها من اجل ممارسة ضغوطها على الدول العربية لوأد الحركات الاصولية الاسلامية, لأن هذه الحركات وإن كانت معظمها غير منظمة إلا أنها هي العقبة التي تشكل صعوبة شديدة لاسرائيل. * ماهو مدى التفاعلات العربية حول مبادرة الامارات العربية المتحدة للدفاع عن القدس؟ ـ بداية تجدر الاشارة الى ان شركة والت ديزني قد اعلنت بأن معرض القرية الدولية الذي ستقيمه في فلوريدا الامريكية الشهر القادم بمناسبة الالفية الثالثة يهدف لعرض حضارات وثقافات 40 دولة بدون أهداف سياسية جانبية, وهي ذريعة غير مقبولة حيث ان السياسة ماهي إلا قناعات حضارية وتاريخية تصل لأكبر كم من الشعوب لتكوين رأي عام عالمي, فلو كان هذا الرأي الدولي الذي تم تكوينه مغلوطا يقوم على أساسه اتخاذ قرارات سياسية فيصلية وحساسة تؤدي لضياع الحق, وهنا يقع جزء لابأس به من اللوم على حكومات الدول العربية والاسلامية حيث ان هذه الحكومات دأبت على اتباع اسلوب رد الفعل السياسي بدلا من اتخاذ المبادرات والقيام بالفعل, فمدينة القدس التي تحتلها اسرائيل منذ حرب 1967 هي واحدة من النقاط محل الخلافات الشائكة في المفاوضات الاسرائىلية الفلسطينية, حيث تعتبر فلسطين القدس الشرقية عاصمتها, وتطالب اسرائيل بالمدينة كاملة "كعاصمة أبدية" لاتقبل التقسيم, وهذا الأمر يشكل بالنسبة للمسلمين في العالم كله مشكلة روحية حيث ان المسجد الاقصى ثاني أهم المقدسات الاسلامية. وحكومة اسرائيل ليست في حاجة حقيقية لعرض ماكيت للقدس في معرض والت ديزني على انها "عاصمة لاسرائيل" المسألة التي لاتزيد عن كونها محكا سياسيا أو بالونة اختبار يهودية لقياس مدى تمسك الحكومات العربية بملف القدس, ومدى نسبة الثبوت على الرأي من حكومة عربية لأخرى, وماهي الاساليب التي قد تستخدمها هذه الدول, ولقد قامت دولة الامارات العربية المتحدة بدور قوي وفعال في هذه القضية, حيث اعلن وزير الاعلام والثقافة سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان كأول مسؤول عربي مسلم تهديده بقطع العلاقات مع والت ديزني حتى لو كان هذا القرار منفردا من الامارات فقط, واعلن بأنه لن يقف مكتوف الأيدي, وأدت جرأته وموقفه الشجاع من جذب كل زملائه في الحكومات العربية لتبني نفس الموقف, ومعرفة وزير اعلام الامارات بأن والت ديزني تحقق دخلاً كبيراً من المنطقة العربية يصل الى 200 مليون دولار سنوياً, وأن عدد الزوار العرب والمسلمين لحدائق والت ديزني في اوروبا وامريكا حوالي 10 ملايين سائح وزائر ادى لاستخدامه هذه الورقة بجدارة, ومن ناحية ثانية شجع موقفه هذا اللوبي العربي الاسلامي في امريكا, ونحمد الله ان المبادرة التي اطلقتها الامارات العربية المتحدة للدفاع عن القدس قد لقيت صداها الكبير لدى الدول العربية في مقدمة الدول السعودية ومصر, ونجحت جهود سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان في حشد الرأي العام العربي ضد اقامة جناح المعرض الاسرائىلي تحت عنوان ( القدس عاصمة لاسرائيل: حتى اصدرت الجامعة العربية في اجتماعها تهديداتها بمقاطعة الشركة - بجانب اعلان ايران التهديد بالمقاطعة ايضاً-, وهو رد فعل سريع لم يكن متوقعا بالنسبة لاسرائيل ان يكون بهذه القوة, وعلى الرغم من ان هذه المحكات وعمليات قياس الرأي العربي هو واحد من اهداف اسرائيل, لكن في نفس الوقت يسبب خسارة سياسية كبيرة لها حيث انها دون أن تقصد تتسبب في ايقاظ المسلمين عربا وغير عرب في العالم كله. وبناء على ما تقدم نستنتج ان اسرائيل قد وضعت في حساباتها مسبقا انها في الوقت المناسب ستصل الى اتفاق توفيقي من تحت الطاولة مع العرب الذين ترتبط معهم بمصالح تجارية مهمة لكافة الاطراف. هل تمارس الدول العربية ضغوطا على امريكا لعدم مساس اسرائىل بالقدس؟ * لم تمارس حكومات الدول العربية ضغوطا على امريكا لعدم مساس اسرائيل بالقدس؟ ـ لم تمارس حكومات الدول العربية ضغوطا تذكر على الرئيس كلينتون في معظم سنوات رئاسته للولايات المتحدة الامريكية, بل اضاعت كثيرا من الفرص للضغط الاقتصادي على امريكا لعمل نوع من التوازن النسبي في الصراع العربي الاسرائيلي, وذلك بعكس اسرائيل التي تستفيد من ورقة الضغوط الاقتصادية لتحقيق مصالحها السياسية, ومايهمنا في هذا الاطار هو موضوع القدس, فتجدر الاشارة الى ان اللوبي العربي والاسلامي في امريكا بدأ يتنامى خلال السنوات الاخيرة واصبح له نفوذ, حقيقة هو محدود ولكنه يحقق بعض ما تخفق فيه الحكومات العربية, ويتحرك هذا اللوبي اعلاميا - وان كان بطيئا رغم أنفه حيث ان اليهود في امريكا لهم سيطرة كبيرة على معظم وسائل الاعلام الامريكية - للتأثير على الرأي العام الامريكي ويحاول الوصول الى صناع القرار بالادارة الامريكية, والضغوط العربية ليست بالضرورة ان تتمثل فقط في التهديد بالمقاطعة التجارية أو قطع العلاقات الاقتصادية مع امريكا واوروبا, فهناك الضغوط الايجابية الممكن ان تأتي بثمارها السياسية والاقتصادية في القدس, وهي عملية الدعم والتمويل الاسلامي والعربي لمدينة القدس فالمؤسسات الاقتصادية إسلامية وعربية لاتدعم القدس ماليا, وذلك على عكس اليهودي الامريكي "ميسكوفيتش" الذي دفع وحده ملايين الدولارات في القدس لصالح المصالح اليهودية بالطبع, فأين رجالات ومليونيرات العرب؟ * هل لنا أن نفهم من ذلك ثمة صحوة للوبي العربي في امريكا؟ ـ دعني اقول انها ليست بصحوة بقدر ماهو تحرك, فأنا أميل لجانب المتحفظين حيث ان الشخصية العربية تدفعها العواطف الموسمية لاتخاذ مواقف ثم سرعان ماتهبط وتتوارى, واتمنى ان تكون صحوة فعلية, على كل حال على الدول العربية ان تستفيد من التجارب السابقة, وتساند اللوبي العربي في امريكا وتدعم ابناءها العرب في اوروبا خاصة ممن على دراية ومعرفة علمية حقيقية بنسيج المجتمعات الاوروبية واروقتها السياسية والاقتصادية, ولهم قدرات على التحرك المدروس داخلها, ولايفوتني بهذا الصدد ذكر مواقف وتحركات ايجابية اثبتت فعاليتها للوبي العربي الاسلامي في امريكا, ففي موضوع فتح فرع لمحلات بورجر كنج في المستوطنة الاسرائىلية بالضفة الغربية بفلسطين أدت الضغوط العربية التي مورست داخل امريكا وخارجها لتراجع شركة المطاعم التي لديها 130 فرعا في العالم العربي ومايسمى "بمنطقة الشرق الاوسط" ولدى الشركة خطط لزيادة عدد مطاعمها ودخول الاسواق في كل من لبنان والاردن, ولقد سبقت هذه القضية موضوع فيلم The siege الذي تضمن عددا من المشاهد الغربية تسيء لمواطن بالزي العربي التقليدي يمتطي جملاً ويسير في شوارع نيويورك حاملا بندقية آلية, ولقد نجح نفوذ اللوبي العربي في التوصل لاتفاقية مع مخرج الفيلم أدت لحذف هذه المشاهد وغيرها, وقبل ذلك كانت قضية شركة Nikeالتي ارغمتها الضغوط العربية على إزالة شعار من على الاحذية التي تصنعها حيث كان هذا الشعار مكتوبا بحروف تشكيلية تشبه لفظ الجلالة. * هل من الممكن ان تكون امريكا من الدول المبادرة بنقل سفارتها للقدس؟ ـ من المعروف ان الرئيس الامريكي الحالي "كلينتون" قد قام بتأجيل البت في عملية نقل السفارة الامريكية للقدس, وذلك هربا من الدخول في حلبة صراعات قد تؤدي لسوء العلاقات مع دول عربية ترتبط امريكا معها بمصالح استراتيجية عسكرية وتجارية.