دخلت المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية بعد التوقيع على اتفاقية شرم الشيخ (الواى المعدلة) ، مرحلة المفاوضات الاخيرة في التسوية على المسار الفلسطيني الاسرائيلي وهي المرحلة التي سوف تكون بحق تعبير عن جوهر الصراع العربي الاسرائيلي , حيث يتم فيها الصراع التفاوضي حول اهم واعقد قضايا الصراع: (القدس, الدولة, حق العودة, المياة, المستوطنات, الانسحاب من اهم اجزاء اراضي الضفة الغربية, العلاقة بين فلسطين و(اسرائيل) وطبيعة تلك العلاقة). وألاعقد في تلك القضايا المطروحة على بساط التفاوض بين الطرفين: الفلسطيني ـ الاسرائيلي سوف تكون بكل يقين قضية (القدس) وذلك من حيث, اعلان اسرائيل الدائم وبكافة السبل والاجراءات والتشريعات ان (القدس هي العاصمة الموحدة لدولة اسرائيل) , كما ان الموقف الامريكي منحازا كليا الى جانب اسرائيل في ذلك وهو الطرف الراعي للسلام! ونضيف الى ذلك ان المفاوضات الفلسطينية ـ الاسرائيلية قد استنت سوابق في هدر بعض من قرارات الشرعية الدولية التي من الواجب ان يستند لها المفاوض العربي الفلسطيني في انتزاع بعض من حقوقه على مائدة المفاوضات, واذا اضفنا لذلك ضعف الفعل العربي والاسلامي في النضال من اجل حقهم في القدس سوف يتكشف لنا مدى هشاشة امكانيتنا وفعل ارادتنا وصمودنا خلف حقوقنا, رغم وضوح ذلك الحق ـ دينيا لدى كافة اصحاب الرسالات السماوية من العرب وتاريخيا وجغرافيا وشرعيا من حيث الشرعية الدولية, ويهمنا هنا ان نوضح موقف المسيحيين العرب من قضية القدس (الكنيسة الارثوذكسية ـ الكنيسة الكاثوليكية) وذلك من خلال وحدة النسيج العربي القومي والوطني وليس من موقع الانتماء الطائفي والتعبير المذهبي. الكنيسة القبطية الارثوذكسية والموقف من قضية القدس: يستند موقف الكنيسة القبطية الارثوذكسية في موقفها من قضية القدس الى مجموعة من الثوابت بعضها ايماني ديني ينطلق من رؤية في الكتاب المقدس والمعتقدات الدينية المسيحية, وبعضها الآخر تعبير عن الهوية والانتماء وحقائق الجغرافيا والتاريخ في المنطقة, ومن هنا فالمسيحية صاحبة اعمق جذور في القدس, حيث جرت الاعمال التأسيسية الرئيسة للمسيحية في القدس في الفترة الواقعة بين الاحد المعروف لدى المسيحيين بأحد الشعانين واحد العنصرة, ويعلن الباباشنودة رأس كنيسة الارثوذكس رأيه قائلا (احب ان اقول ان هذه المدينة لها مكانة كبيرة في قلب كل مسيحي, عاش فيها السيد المسيح, وايضا تأسست فيها اول كنيسة مسيحية في العالم, وبدأت فيها المسيحية بواسطة تلاميذ المسيح القديس بطرس والقديس بولس والقديس يوحنا, وفيها سفك دم اول شهيد مسيحي على ايدى المضطهدين من اليهود ـ القديس اسطفانوس وفي القدس توجد كنيسة القيامة, وهي من اشهر الكنائس وتصلي فيها جميع الكنائس المسيحية بالدور بمواعيد محددة, ويوجد ايضا طريق الآلام بمراحله الاربع عشرة كما ان هناك بطريركية الاقباط الارثوذكس ودير السلطان وكنائس لكل الطوائف المسيحية, ومنها كنيسة الملكة هيلانة التي عمرت كثيرا في المواضع المقدسة في القرن الرابع الميلادي وكنيسة نصف الدنيا. ويرى البابا شنودة ان هناك كثيرا من المقدسات على كافة اراضي فلسطين من البحر الى النهر في اريحا والخليل والقدس والانهار والبحيرات والجبال. تلك هي الرؤية الدينية المقدسة للمسيحيين بشأن قضية القدس, اما رؤية الانتماء والهوية والجغرافيا والتاريخ, فيعبر عنها البابا شنودة قائلا: (القدس حكمها العرب سنة 642 ميلادية طوال القرون التي مرت عليها.. ثلاثة عشر قرنا من الزمان ثم جاء اليهود وبدأوا يدعون انها مدينة لهم وانها عاصمتهم وانهم سيحتفلون بمرور 3 آلاف سنة عام 1996. أريد ان اشرح هذا الامر من النظرة المسيحية اليهود يسمونها ارض الموعد ويقولون: انهم عاشوا فيها بوعد من الله وانا اقول لهم انهم جاءوا اليها ليس بوعد من الله انما بوعد من بلفور) وفي اجابته عن احد الاسئلة المطروحة من قبل احد الصحافيين قال: (القدس مدينة مقدسة بالنسبة لجميع الاديان.. ولكنها ايضا عربية مدينة عربية ونحب لها ان تعود للسيادة العربية كما كانت, لذا كان طبيعيا ان يكون موقف قداسته ضد التطبيع وضد زيارة الاقباط من المصريين للتقديس في الاماكن * المقدسة بالقدس, كما يعلن بوضوح عن عدم دخول اي مسيحي للقدس قبل اخيه المسلم وأنه هو شخصيا لن يدخل الا ومعه شيخ الازهر. والكنيسة الارثوذكسية صراع مرير مع سلطات الاحتلال الاسرائيلي, حيث تم الاعتداء على كنيسة دير السلطان وتسليمها للاحباش, وعن ذلك يعلن البابا شنودة: مشكلتنا مع اسرائيل وليست مع الكنيسة الاثيوبية, اسرائيل ارادت ان تحول موضوع (دير السلطان) إلى خلاف بين الكنيستين, وتخرج هي منه. ذلك هو موقف الكنيسة الارثوذكسية, فهو موقف يعبر بوضوح عن عروبة ووضعية وايجابية تلك الكنيسة. ومصداقا لما سبق, فيكفي ان نستدل على موقفها ايضا اثناء محاولة اليهود والحركة الصهيونية تبرئة اليهود من دم المسيح وذلك عن طريق استصدار وثيقة تبرئة من الكنيسة الكاثوليكية وعبر مجمعها المسكوني في عام ,1963 الدورة الثانية حتى الدورة الرابعة وموقف الكنيسة واضح كل الوضوح المستند على فهم ايماني في عميق بالكتاب المقدس, والقائم على الوعي الصحيح لفكرة الوعد الالهي الذي اعطي بشروط ايمانية وتم سحبه من اليهود لاخلالهم بتلك الشروط الايمانية, وقائم ايضا على فهم الشعب المختار على انه شعب المؤمنين في كل ارجاء المعمورة بالاضافة إلى ان الارض الموعودة هي السماء التي تسكن فيها إلى الابد وليس فلسطين وعن ذلك يقول قداسة البابا شنودة, في الواقع العالم القديم كانت تسوده الوثنية وعبادة الاصنام, فاراد الله ان يحفظ مجموعة من الناس بعيدا عن التأثير الوثني فكان نسل ابراهيم واخيه يعقوب الذي سمى اسرائيل, واعطاهم الله وعدا ان يعيشوا لكي يحفظوا الايمان إلى أن يأتي الوقت الذي ينتشر فيه الايمان, وكان وعدا مشروطا فهو يقول: ان حفظ نبيك طرقه, لكن الذي حدث منهم عبدوا الاصنام. * كما ان فكرة شعب الله المختار قد انتهت مع زمن وعصر الوثنية وعبادة الاصنام, اما الان فهل من المعقول ان الله يترك الآلاف من الملايين الذين يعبدونه ويتخصص في ثلاثة ملايين احتلوا ارض فلسطين, كما ان ارض الموعد في المسيحية ترمز إلى السماء وقد وعدنا الله ان نسكن فيها إلى الابد, اذن ما هو الاساس الديني لاسرائيل ان كان من جهة الوعد اخلوا بالشروط فانتهى الوعد, واذا كانوا شعبا مختارا فذلك كان قبل عصور الايمان, في عصور الوثنية, كما انه الارض الموعودة الدائمة بالنسبة لكل المؤمنين هي السماء التي نسكن فيها إلى الابد. ولم تكن اسرائيل ومن قبلها الحركة الصهيونية العالمية ممتلكة لعلاقات جوار حسن واعتراف بالاخر الديني, فهي ترى في المسيحية شرا مطلقا, كما ترى المسيح هو الشيطان بحد ذاته, من هنا وبالتضافر مع مشروعها الاستعماري الاستيطاني على ارض فلسطين, لم تترك فرصة ما الا وقد اقتنصتها من اجل تهويد المسيحية, واعلان الحرب على المذهب الكاثوليكي, والمحاولة الدؤوبة من اجل الحصول على تبرئتها من دم المسيح ـ حسب عقيدة المسيحيين ـ من قبل بابا روما, بابا الكاثوليك في العالم, وكان ذلك يعني بالنسبة لها ليس فقط التبرئة ـ فهي لا تعترف قدوم المسيح اصلا ـ وانما كان المهم بالنسبة لها ان تحدث الاختراق في البنية الثقافية واساسيتها الفاعلة وعلى رأسها المسيحية الكاثوليكية, وبالذات بعدما اخترقت بشكل ليس هينا المسيحية البروتستنتانية بفكرة مجيء المسيح المنتظر, المخلص وبهذا الشكل صارت مهيمنة في العقل الغربي وعبر ثقافته. وقد بدأت حملة الحركة الصهيونية على قداسة البابا بيوس الثاني عشر بتهمة محاباة النازية وعدم بذل اية محاولة لوقف قتل اليهود على يد النازيين, وتوسعت الحركة الصهيونية في نشر المسرحيات والكتب والمقالات المهاجمة للبابا والغارسة بذرة معاداة السامية والعنصرية بالكنيسة الكاثوليكية وكان ذلك مخططا. وقد دافع الباب بولس السادس عن البابا بيوس الثاني عشر, قائلا: اذا غمرت البشرية شرورا لا حصر ولاحد لها, فان ذلك لا يعزى إلى جبن البابا أو عدم اكتراثه أو, انانيته, فحسبما سمحت الظروف فان البابا استعمل صوته للاعلان عن الحق والعدل, كما تحدث امام اجتماع للجمعية الايطالية لسجناء الحرب الصارمة ضد المخالفات المستمرة التي ارتكبتها الجيوش الغازية اثناء الحرب العالمية الثانية, وقال قداسته: انه لا تغفل عن هذا العمل الا عين غشاها سوء الفهم والحقد. لكن الحملة استمرت على البابا بيوس الثاني عشر, ونجح نشطاء اليهود في اختراق بعض رجال الدين المسيحي الكاثوليكي وبالذات الشباب عبر حملة مركزة لاعادة تفسير الكتاب المقدس, وفي شهر مايو ,1964 اتخذت لجنة الاتحاد العالمي اللوثري للارساليات العالمية قرارا يقول ان اللوسامية, شكل شيطاني للثورة, وانها رفض للمسيح اليهودي, وهكذا انشطة الحركة الصهيونية حملتها على الفاتيكان وذلك من اجل الحصول على وثيقة تبرىء اليهود من دم المسيح, وبالفعل صدرت الوثيقة وكرست فصلا خاصا باليهود, وكان ذلك مثار دهشة واستغراب من بعض رجالات الدين ورجالات السياسة, نظراً لأن المجمع المسكوني في دورته الثانية المنعقدة عام 1963 كان مجتمعا لبحث الأمور الكاثوليكية, وأمور المسيحيين الآخرين, ورغم ذلك تم ما تم واعترض أيضا البطريرك مكسموس الرابع, بطريرك انطاكية والاسكندرية والقدس عن الكاثوليك العرب. وقد استقبل اليهود هذه الوثيقة استقبالا حاراً, حيث رحب بها الدكتور ناحوم جولدمان رئيس المنظمة الصهيونية العالمية ورئيس المؤتمر اليهودي العالمي آنذاك, قائلا: بهذا الحدث التاريخي الذي من شأنه ان يساعد في ازالة سوء التفاهم الذي أدى إلى مقاساة اليهود لمدة ألفي سنة, وانتهت الدورة الثانية للمجمع, وكان واضحا ان هناك معارضة عربية وآسيوية للنص الأصلي, وفيما بين الدورتين الثانية والثالثة أعيد النظر في صياغة وثيقة التبرئة وكان أهم تعديل هو القاء الجريمة إلى اليهود المعاصرين فقط, كما دعا التعديل اليهود لدخول الكنيسة الكاثوليكية, وهكذا عاد اليهود بحملاتهم على الكنيسة الكاثولكية. وأقر المجلس المسكوني بتاريخ 20 نوفمبر 1964 نصا معدلا جاء فيه (ان جذور المسيحية في العهد القديم) وان (ماحصل للمسيح في عذابه لا يمكن ان يعزي لجميع الشعب اليهودي الذين كانوا أحياء عندئذ, ولا يمكن ان يعزى بطبيعة الحال لأبناء اليوم. وكان ذلك مثار نقمة مجددة في الوطن العربي, ونشطت الحركة الصهيونية من أجل مكسب المزيد, وجاءت الدورة الرابعة والأخيرة, فأعلنت الديار المقدسة تحذيرها للمجلس المسكوني وهو في دورة انعقادية, فدقت اجراس الحزن العميق في الكنائس الارثوذكسية والكاثوليكية معا في القدس وبيت لحم ورام الله ولمدة عشر دقائق, ووجه غبطة البطريرك اغناطيوس يعقوب الثالث بطريرك انطاكية وسائر المشرق للسريان الارثوذكسي برقية للبابا يحتج فيها على مواصلة البحث في الوثيقة وطلب منه ان يلغي ذلك القرار الذي يتنافى مع المسيحية, والذي هو اعتراف ضمني بالدين اليهودي الذي نسخه السيد المسيح, كما أظهر كرادلة الشرق وبطاركته وأساقفته نشاطا ملحوظا أثناء الدورة, وتم تعديل الكثير من النص, ورغم ذلك فقد اعترض مندوبو الكنيسة القبطية على النص المعدل وعدد من الكرادلة المحافظين وطالبوا برفض البيان جملة وتفصيلا, وهكذا ينكشف لنا مدى الصراع الضاري بين الحركة الصهيونية ـ اليهودية وبين الديانة المسيحية, كما يتبين لنا عمق جذور المسيحية العربية لعروبتها ولفهمها لقضية الصراع العربي الاسرائيلي, وعلى وجه الخصوص, قضية القدس, كما يتكشف لنا أيضا مدي الاختراق الذي تم في بعض الكنائس الغربية من قبل اليهودية الصهيونية. وأخيراً وفي تلك المرحلة بالذات لابد من حشد كل الجهود العربية والاسلامية والمسيحية من أجل تخليص القدس من الاحتلال. * كاتب وباحث مصري