لاشك ان القدس بالنسبة للعرب والمسلمين تعد بمثابة خط احمر لا يمكن تجاوزه من قبل اي طرف اخر, وهناك دائما رفض عربي واسلامي لكل المحاولات التي قامت بها اسرائيل من اجل تهويد القدس وتغيير معالمها الجغرافية والديمجرافية , ولذلك كان طبيعيا ان تثور ثائرة العرب على شركة (والت ديزني) التي قررت مؤخرا اقامة جناح اسرائيلي في المعرض التي تعتزم اقامته خلال الاحتفال بالألفية الثالثة وتظهر فيه القدس عاصمة للدولة العبرية, هذه الثورة العربية قادتها دولة الامارات العربية والتي كانت اول من اعلن عن مقاطعة كل منتجات هذه الشركة اذا اقدمت على افتتاح المعرض وفقا للخطوط الموضوعة ودعت الدول العربية والاسلامية الى الانضمام الى هذه المقاطعة, واذا كان لهذا الموقف الاماراتي آثاره الايجابية التي ظهرت على الفور فقد استحوذ على مناقشات مجلس جامعة الدول العربية الاخير, كما سيناقشه وزراء الخارجية العرب في اجتماعهم الاستثنائي الذي سيعقد في نيويورك على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة, فانه سلط الضوء على قضية القدس وخاصة في ظل البدء في مفاوضات التسوية النهائية, كما اثار تساؤلات عديدة حول كيفية الاستفادة من هذا الموقف واستثماره في المحافل الدولية لصالح القدس والقضية الفلسطينية, وحول علاقة نشاط شركة والت ديزني ومساعي واشنطن لنقل السفارة الامريكية الى القدس, وطبيعته السياسية المستقبلية الامريكية تجاه هذه القضية, والمحاولات الصهيونية المستمرة لتزييف الواقع التاريخي والقانوني والسياسي لمدينة القدس: (الملف) التقى باللواء صلاح الدين سليم الخبير الاستراتيجي, والدكتور محجوب عمر الخبير في الشؤون الفلسطينية في محاولة لالقاء الضوء ولاجابة هذه التساؤلات. محاولات صهيونية مستمرة بداية يقول الخبير الاستراتيجي اللواء صلاح الدين سليم ان ما يحدث من محاولات صهيونية مستمرة لتزييف التاريخ وتشويهه فيما يتعلق بالقدس العربية هو امر لا يجب السكوت عليه, وان الموقف الذي قامت به مؤخرا شركة (والت ديزني) من حيث الاصرار على إقامة معرض وجناح لاسرائيل يصور القدس عاصمة لها, يجعل الدول العربية مطالبة بتطبيق قرار مقاطعة لفترة زمنية محددة بالنسبة لهذه الشركة حيث ان اقامة هذا المعرض ليس خطأ هذه الشركة الأول في حق العرب فقد كان لها أخطاء سابقة ومنذ بداية التسعينات حيث سخرت ما تقدمه من مواد وترفيه للسخرية من الثقافة العربية وتمجيد للمكاسب الاسرائيلية والغريب انه تم التغاضي عن هذه التصرفات, لقد تسرع العرب عندما اقدموا على الغاء المقاطعة العربية لاسرائيل من الدرجتين الثانية والثالثة منذ عدة سنوات بينما لم تبدأ بعد مفاوضات التسوية السياسية النهائية للقضية الفلسطينية, سلاح المقاطعة مطلوب الآن تفعيله واكثر من اي وقت مضى وخاصة تجاه شركة والت ديزني اذا لم تقم بالغاء الجناح الاسرائيلي, فهذا موقف لا يحتمل المساومة. ويضيف اللواء صلاح الدين سليم: انه لو تعذر تحقيق الاجماع العربي في مقاطعة هذه الشركة فإنني اويد وأثني على ما قاله وزير الاعلام والثقافة في دولة الامارات سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان من ضرورة ان تتحمل كل دولة عربية مسؤوليتها وامانتها التاريخية وان تتخذ قرار المقاطعة بما يمليه عليها توجهها الوطني والقومي, ولا يضير العرب ان قراراتهم بالاغلبية, فان شرط الاجماع في ميثاق جامعة الدول العربية قد ساهم في شل حركتها وفاعليتها في الكثير من الأزمات الاقليمية والدولية, يجب على العرب الا يقبلوا بحل وسط في هذا الموضوع حتى لا تتكرر الاخطاء. استغلال الوضع المناسب وعن رأيه فيما يتردد عن ان هذا الموقف من قبل شركة والت ديزني يأتي في سياق مساعي واشنطن لنقل السفارة الامريكية الى القدس يقول اللواء صلاح الدين سليم: ان الولايات المتحدة الامريكية تسعى للاسراع بإجراءات التطبيع بين العرب واسرائيل, بل انها زعمت بعد اتفاق شرم الشيخ انها تدعو لاستغلال الوضع المناسب حاليا لبدء المفاوضات متعددة الاطراف للتعاون الاقليمي والتي تشمل الدول العربية واسرائيل وتركيا, ومن ناحية اخرى فإن الولايات المتحدة تعتزم تأجيل نقل السفارة الامريكية مدة ستة اشهر اخرى وبحيث يتم التفكير في هذا الامر بجدية في ربيع عام 2000 اذا وصل عرفات وباراك الى اتفاق الاطار حول التسوية النهائية للمشكلة الفلسطينية, ولذلك فان الموقف العربي الحاسم في مسألة والت ديزني, وبرغم انه يتعلق بمعرض وبنشاط فني, فانه ضروري للغاية لانه يعد رمزا للموقف العربي ككل من قضية القدس ومن مخطط اسرائيل لتهويدها ومحاولة الاكتفاء باعطاء عرفات حق رفع العلم الفلسطيني على المسجد الاقصى وكنيسة القيامة, ومقرا للسلطة الفلسطينية في ضواحي القدس مثل قرية (أبوديس) وغيرها. ويكمل: وهنا لابد من الاشارة الى انه يجب تفعيل لجنة القدس والتي تلاحظ ان نشاطها في السنوات الاخيرة لم يكن على المستوى المطلوب. وفيما يتعلق بموقع القدس في ملف المفاوضات حول التسوية نبه اللواء صلاح الدين سليم الى ان رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود باراك يحاول ان يخرج القدس ومصير اللاجئين الفلسطينيين من اتفاق الاطار لأسس التسوية النهائية الذي دعا اتفاق شرم الشيخ لابرامه في منتصف فبراير عام 2000, واذا وافقت السلطة الفلسطينية على هذه الرغبة والمحاولة من جانب باراك فانها ترتكب خطأ استراتيجيا فادحا تفقد معه القيادة الفلسطينية مصداقيتها نهائيا, والمطلوب هنا الا نترك الفلسطينيين وحدهم في هذه المفاوضات ولابد من تنشيط دور جامعة الدول العربية التي تحولت الى مجرد منتدى فكري للحوار وتأمل المشكلات العربية دون اتخاذ قرارات جذرية لحلها.. حل نهائي ومن جانبه يرى الدكتور محجوب عمر الخبير في الشؤون الفلسطينية ان قضية القدس ومعها قضية عودة اللاجئين من أهم قضايا المطروحة على طاولة مفاوضات التسوية النهائية, وانه لن يتم الاتفاق عليهما في هذه المرحلة لا بعد عام او بعد ثلاثة اعوام, وان كلا الطرفين صاحب مصلحة في عدم الوصول الى نهاية فيما يتعلق بالاتفاق على قضية القدس, فرئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود باراك لا يريد التوصل الى حل نهائي لانه لن يستطيع القبول بالتخلي عن القدس لان هذا لن يقبله الاسرائيليون وسيضعف مركز باراك وحكومته, والفلسطينيون من مصلحتهم تأجيل ملف القدس لانه ليس من مصلحتهم القبول بما هو معروض عليهم الآن, وعموما فكلا الطرفين اسير لتصريحاته المستبقة لشكل النهائية بالنسبة لقضية القدس, ولابد من الاشارة هنا الى تصريح وزير العدل الاسرائيلي (يوسي بيلين) والذي اكد فيه ان المفاوضات حول القدس لن تنتهي في هذا القرن, ودعا الى تأجيل هذه المفاوضات لعدة سنوات لانه لن يتم التوصل لاتفاق حول هذه النقطة فيما لم يكتمل الاتفاق على نقاط اخرى, كما دعا الى تخصيص قطعة ارض في القدس لتقام عليها سفارات الدول الراغبة في ذلك, مدعيا ان المفاوضات في نهايتها ستفضى الى اعتراف عالمي بأن القدس عاصمة لاسرائيل, ولكن مع ذلك فان معركة القدس مستمرة ومشتعلة ليس فقط لان السلطة الوطنية الفلسطينية تبادر بالهجوم مما يزعج اسرائيل, وانما لان هناك العنصر الديمجرافي في القدس الذي يأتي في صالح العرب وهذا ما يقلق اسرائيل ويجعلها تحاول معالجة هذا الخلل بسحب الهويات من العرب المقدسيين, ولكنها لم تنجح في ذلك حتى الآن لعدة اسباب منها ان الاسرائيليين لا يميلون الى الاقامة في القدس بعد ان تحولت الى مدينة مغلقة على اليهود المتعصبين والمتشددين مما يدفع بالاسرائيليين العلمانيين الى الخروج منها, ايضا تكاليف المعيشة في القدس عالية جدا, كما ان الضمانات والتأمينات المدفوعة للاسرائيليين في القدس اقل مما يدفع في المستوطنات خارجها, القدس ليست نقطة جذب بالنسبة لهم, بينما هي في الوقت نفسه نقطة جذب للعرب المقدسيين. الموقف الإماراتي مهم للغاية وفيما يتعلق بالموقف العربي والاماراتي الاخير تجاه شركة والت ديزني التي تعتزم اقامة معرض تشارك فيه اسرائيل بجناح تظهر فيه القدس عاصمة لها يقول الدكتور محجوب عمر: الموقف الاماراتي كان مهما للغاية فقد اعلن وزير الاعلام والثقافة سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان ان الامارات العربية المتحدة ستقاطع هذا المعرض حتى ولو كانت وحدها, كما كانت الامارات اول من بادر بفضح هذا المشروع وتأييد طرحه على مجلس جامعة الدول العربية والتي ارى ان موقفها كان هاما ايضا, وانها تنبهت منذ البداية الى المخادعة والألاعيب التي قامت بها شركة والت ديزني وطلبت ان ترى تصميم المعرض ولكن الشركة رفضت ذلك باعتبار ان ذلك من الاسرار الخاصة بالمعرض. واشار الى انه يمكن الاستفادة من ذلك في دعم قضية القدس بان يتم الاستناد للقرار الرسمي العام لجامعة الدول العربية بان القدس عاصمة للدولة الفلسطينية, ثم نتقدم بعد ذلك بالمطالب الجزئية الممكنة, بمعنى هناك مشاريع تنموية في القدس يمكن ان نقوم بطرحها وندعمها ومنها بيت الشرق, وهي لا تحتاج لاكثر من 30 مليون دولار سنويا, وهذا يعتبر مبلغا زهيدا بالنسبة لمكانة القدس, ايضا يجب ان نستبق وصول البابا يوحنا الثاني لنوضح له اهمية الاماكن التي قد تبدو غير مهمة, ولكنها بالنسبة لصراعنا مع اسرائيل مهمة جدا مثل كنيسة القيامة, والتي يمر الطريق اليها ببلدية القدس العربية, ويمر بوضوح بمنطقة الصخرة المشرفة, ومن الجانب الاخير سيمر البابا بحائط المبكى ولابد ان اليهود سيحاولون استخدام هذه الزيارة للتشكيك في تاريخ المسجد الاقصى وعلاقته بالمسلمين وفي ابراز ما يسمى بيهودية حائط المبكى, يجب الاستعداد بكل الوسائل المتاحة لهذه الزيارة مثل الملصقات الصغيرة والكبيرة, والكتيبات والأفلام الوثائقية التي توضح تاريخ القدس, والتغطية الاعلامية للزيارة بدءا من القدس وصولا الى الناصرة وبيت لحم لكي يتأكد للعالم ان (القدس) عاصمة لفلسطين. استغلال الثغرات المتاحة ويطالب الدكتور محجوب عمر بأن يتم الاستفادة بما حدث في واقعة مطعم (بيرجر كينج) في الهجوم والاقتحام من نقاط الضعف لدى الخصم, فقد استطعنا اغلاق فرع هذا المطعم الذي اقيم في احدى المستوطنات الاسرائيلية عندما ركزنا على ثغرة قانونية مفادها انه اقيم على ارض متنازع عليها, هذا الهجوم من خلال استغلال الثغرات المتاحة وفي القضايا الصغيرة من المؤكد انه سيكون له نتائجه الايجابية, فعلى سبيل المثال نحن حتى الآن نترك السياحة الاسلامية لزيارة القدس في ايدي شركات السياحة العالمية التي يتحكم في معظمها اليهود, في حين ان زوار المنطقة من المسلمين سواء من آسيا او افريقيا, فاذا كانت الدول العربية تخشى ذلك خوفا من الوقوع في شبكة التطبيع, فما الذي يمنعها ان تشجع المسلمين الاسيويين والمسيحيين الاوروبيين علي زيارة القدس عبر شركات صديقة للعرب, وبحيث لا يترك السائح لمرشدين سياحيين يهود يقولون ما يريدون ويشوهون التاريخ الاسلامي في القدس؟ وعن الموقف الامريكي بالنسبة لقضية القدس وهل هناك علاقة له بما حدث في والت ديزني؟ يشير الدكتور محجوب عمر الى ان الولايات المتحدة الامريكية تتباطأ في نقل سفارتها للقدس حتى لا تغضب العرب والاوروبيين والفاتيكان, وخاصة ان الوقت غير مناسب بالنسبة لها حاليا لكي تقوم بنقل السفارة الى القدس, ثم ان لديها بدائل اخرى بالقطع لكي تخاطب من خلالها اللوبي الصهيوني مثل البدء في وضع سور للمكان الذي ستقام فيه السفارة مستقبلا, واذا حدث واقدمت على البدء في البناء فأنها تأخذ سنوات عديدة, الولايات المتحدة لا تريد ان تخسر هذه المعركة ولذلك فهي لا تتعجل بالنسبة لعملية نقل السفارة وتنتظر الوقت المناسب, اما بالنسبة لموضوع والت ديزني فالملاحظ ان الولايات المتحدة لم تعلق حتى الآن على الغضب العربي بالنسبة لهذا الامر رغم ان هناك طلبات اسرائيلية قدمت للادارة الامريكية حتى تمارس ضغوطا على العرب لكي يتوقفوا على اثارة هذا الموضوع, ولذلك يجب ان نستمر في معركتنا ولكن ان نستخدم اللهجة الخطابية العالية وتصور الامر كأنه حياة أو موت, حتى لا نظهر وكأننا قد هزمنا اذا لم نوفق في منع اقامة هذا المعرض, فانا ارى مثلا انه يكفي العرب ان تقدم والت ديزني اعتذارا وتأكيدا على ان القدس ليست عاصمة لاسرائيل, اما تصعيد المسألة فهذا ممن الممكن الا يكون مفيدا. ودعا الى ضرورة ابراز البعد الاسلامي في مسألة الدفاع عن الهوية في القدس, فهذا امر هام للغاية, وهنا لابد من الاشارة الى ان الذين فتحوا باب الهجوم على شركة والت ديزني وقبل ذلك سلسلة مطاعم بيرجر كينج, كانت هي الجمعية الاسلامية الامريكية للقدس, والتي استطاعت حشد المنظمات العربية والاسلامية في أمريكا حتى اسقطت مشروع بيرجر كينج وتساهم حاليا في حملة الهجوم على والت ديزني, ولذلك فمن المهم ابراز البعد الاسلامي لهذا النشاط العربي خاصة انه في امريكا يزيد عدد المسلمين غير العرب كثيرا عن عدد العرب المسلمين, وممن الممكن ان يتأكد هذا البعد الاسلامي في هذه المعركة في اشراك ممثلين عن منظمات الاسلامية العربية, والاسلامية غير العربية ضمن اللجنة التي شكلتها الجامعة العربية لزيارة المعرض قبل افتتاحه. القاهرة ـ مكتب البيان