مازالت هي الجميلة بين الجميلات حلوة في البكور وحلوة في المساءات على الرغم من كل ما اصابها من غدر الزمان وقساوة من لا علم لهم.. مازالت الجميلة بين الجميلات وهي في الذكرى عاشقة لكل المحبين محبة لكل العاشقين. بغداد.. مازالت هي الاجمل, ولو في الذكرى على الرغم من كل اللعنات التي يصبها اهاليها على كل من تسبب بأذى لها.. ماضيها في القلب والذاكرة وحاضرها في القلب والذاكرة ايضا . يقف تمثال عبدالمحسن السعدون, صغيرا بين العمائر العالية لكنه مازال ينظر صوب تلك الحدائق التي كانت تحمل اسمه.. لماذا اطلقوا عليها هذا الاسم باللغة الانجليزية (بارك) السعدون؟! مع ان ممراتها كلها تنطق بالعربية.. حتى اشجارها الباسقة وورودها الملونة وحشائشها المهندسة تنطق بالعربية بالفصحى وباللهجة البغدادية. جداول الحب والبشر تقع حدائق السعدون او (بارك السعدون) في جنوب الباب الشرقي لبغداد وقد تأسست في بدايات العهد الملكي 1921 ـ 1958 وظلت حتى بداية السبعينات منتجعا تزهر خلاله نزهات المساء, استرخاء وهدوء ومجالس سمر شعبية مفتوحة لاهالي بغداد, من كل صوب حيث تعمل العربات التي تجرها الخيول (الربلات) مثل مسيل جداول نصب في السعدون حاملة الحب والبشر. الواقف اليوم امام هذه المساحة الجرداء المسيجة بالاسفلت المثلم والملىء بالحفر والنقوب يفعم ذاكرته عطر مطمور تحت الغابرات من السنين, وقد عافت الاشجار خضرتها او رحلت لاستعمالات اخرى بينما توزعت هنا وهناك بعض السواقي الجافة, ومصابيح منطفئة, لم تبق منها ارجل الحمام سوى جذاذات زجاج متكسر, يتدلى من اعمدة صدئة غاب لونها. حصل تجديد في سنة 1994, ولم تتواصل الجهود, فعادت الحدائق الجرداء. * قال احد سكان هذه المنطقة: من يشهد هذه الصورة لا يمكنه تصور المكان وهو يعج بزيارات الملوك ونزهاتهم مع ضيوفهم واحتشاد الناس خلال المناسبات فيه. فمن الثابت ان (بارك السعدون) كانت مغروسة بالاشجار المثمرة كالنخيل وجوز الهند فضلا عن الاشجار الظلية واشجار الزينة.. تعبق بروائح اليأس والشبوى.. ومازالت ثمة هندسة لحدود المكان تقاوم خراب السنين الذي استشرى فيها. كما يقرأ المتابع لتاريخ العراق اسم (بارك السعدون) يعرض عند ذكر اي مناسبة وطنية او اجتماعية خلال العقود الماضية.. ففيها كانت معظم الاحتفالات الرسمية والشعبية, تقام صيفا.. على الهواء الطلق, وكذلك العروض السينمائية المفتوحة لاحداث النتاجات العربية والعالمية آنذاك. الكهرباء توحد الناس وحدثنا ثامر الدراجي احد ابناء المنطقة المحيطة ببارك السعدون قائلا: يأتي الى بارك السعدون اناس من جميع الشرائح والمستويات والاديان والطوائف وفيها يشارك المسيحيون المسلمين اعيادهم ويشارك المسلمون المسيحيين اعيادهم وتقام احتفالات اعياد (نوروز) الكردية.. اذ يأتي الناس حاملين طعامهم وشرابهم ليجلسوا عوائل منفصلة او في تجمعات. والآن رغم الخراب الحاصل فيها مازال الناس يتجمعون هنا عندما تنقطع الكهرباء عن بيوتهم! * ما هي اهم مظاهر الاعياد؟ ـ رقص (الجوبي) تلك الدبكة العراقية المشهورة وكذلك الدبكات الكردية والاشورية وغيرها. وعند حدود حدائق السعدون تقع ساحة الطيران. لابد ان تردد وانت تعبر هذه الساحة قول الشاعر الكبير سعدي يوسف (طارت الحمامات في ساحات الطيران) .. وقبل ان نلحق بتلك الحمائم يسرقنا النظر الى القصر الابيض, الذي بناه الملك فيصل الثاني لكي يتزوج فيه إلا انه اتخذ بعد ثورة 14 يوليو 1958 مقرا للرئاسة مجلس السيادة ثم صار متحفا وهو اليوم مقر لمنتدى ثقافي. تحيط بساحة الطيران عمارات حديثة من جهة التباويين يقابلها النفق.. نفق الباب الشرقي الشهير.. الذي تتوزع منه مفاصل المدينة باتجاهاتها السكانية المكتظة ومن احدى جهات ساحة الطيران تمتد حديقة الامة ومن تحت الجميع يمر النفق. وعن حديقة الامة لوحدها ينبغي تكريس تحقيق صحفي خاص فهي بذور جمال مغروسة في اديم الارض تزهر الاثير الفضائي الاخضر. إلا ان المشهد اشبه بالخراب يتوسطه عملان تشكيليان هائلان لجواد سليم وفائق حسن. بيوتات بغداد عن ساحة الطيران حدثنا جواد كاظم احد قدامى الساكنين فيها قال: هذا المكان الذي هو الآن عبارة عن (مسطر) لعربات بيع الملابس المستعملة وقطع الغيار المستعملة للسيارات وكافة الاجهزة وتصليح كل شيء .. هذا المكان كان عبارة عن ساحة كبيرة اطلق عليها هذا الاسم نسبة الى جمعية الطيران المدني, التي كانت خلال الثلاثينات والاربعينات هنا في هذه المنطقة وعلى يمينها تقع حديقة غازي وتسمى حديقة الامة حاليا.. اي ان بغداد كلها كانت عبارة عن سلسلة حدائق مترابطة.. وكانت تحيط بحديقة غازي ملاه تغني فيها مطربات العراق القديمات عفيفة اسكندر وزهر حسين, ولميعة توفيق, وكذلك العربيات اضافة الى المطربين العراقيين والعرب, كما كانت هنا مجموعة كبيرة من دور السينما المغلقة والمفتوحة, وتكتظ هذه الاماكن ببيوت بارزة لكبريات العوائل العراقية: بيت محمد عارف, وبيت عبدالمحسن السعدون, والمدفعي, وامير ربيعة, وامير المعزة والشيخ عبدالرزاق سليمان, وبيت الهيمي وغيرها. وعن حدائق الشيخ السعدون قال جواد كاظم: ـ مازال بارك السعدون عالقا في ذاكرتي حيث كان يستقطب الناس من كل انحاء بغداد يوميا فضلا عن الزيارات التي ينظمها اليه الوافدون من خارج بغداد.. اشجار جميلة عالية كنا نجلس عصرا في ظلها.. يومها كانت الحياة يسيرة.. كنا من البساطة بحيث لا نقتنع ببيع الحكومة الاراضي للناس, قائلين: انها (ارض الله) لا يحق لاحد بيعها او شراءها.. ولم نكن نتوقع ما آلت اليه الامور. بغداد ـ نصير النهر